الدرونات الليفية (Fiber-Optic Drones)
لماذا أصبحت كابوس الحرب الإلكترونية؟
الدرونات والطائرات المسيرة


تُعَدّ الدرونات الموصولة بكابلات الألياف الضوئية (Fiber-Optic Drones) أحدث أسلحة الحرب الإلكترونية التي تقاوم التشويش التقليدي. تعمل هذه الطائرات عبر كابلات ضوئية تنقل بيانات تحكمية وفيديو مباشر إلى المحطة الأرضية، مما يجعلها محمية تمامًا من أنظمة التشويش اللاسلكية. انتشرت هذه التقنية بسرعة في النزاعات الحديثة (مثل الحرب الروسية–الأوكرانية ومؤخرًا في لبنان)، وأظهرت تفوقًا من حيث نقل المعلومات منخفض التأخير ودقة الاستطلاع، مما يمثل تحديًا جديدًا للتكتيكات العسكرية في الزمن الراهن. يستعرض هذا التقرير خلفية الدرونات الليفية وتطورها، وخصائصها التقنية، وتطبيقاتها الحالية في الميدان، بالإضافة إلى نقاط الضعف فيها، والإجراءات المقترحة لمواجهتها، مع استنتاجات حول اتجاهات المستقبل.
مقدمة
أظهرت النزاعات الأخيرة مثل الحرب الروسية–الأوكرانية تفوق الطائرات بدون طيار (UAVs) الموصولة بكابلات ألياف ضوئية كأداة قادرة على اختراق مجال الحرب الإلكترونية. فقد روّضت هذه التقنية المشاكل الكلاسيكية للتشويش (Jamming) بفضل وصلتها المباشرة بالمحطة الأرضية. تمكِّن الوصلة الضوئية الطائرة من نقل فيديو حقيقي عالي الدقة وزمن انتقال شبه فوري، وهو ما يمنحها أفضلية تكتيكية في ساحات المعارك المُضطربة إلكترونيًا. يبرز هذا التطور أهمية خاصة في ظل الاعتماد المكثف على الدرونات في الحروب الحديثة، الأمر الذي يفرض على القادة العسكريين والباحثين إعادة نظر في أدوات الحماية واكتشاف التهديدات الجديدة.
خلفية وتطور تاريخي
فكرت وكالة المشاريع الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA) في أوائل القرن الحادي والعشرين بفكرة درونات موصولة بكابلات ضوئية كـ”قاذفة دعم ناري” (Close Combat Lethal Recon)، لكن التقنية لم تُطبق عمليًا في ذلك الوقت. مع اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، أعيد إحياء الفكرة. ففي ربيع 2024 بدأت القوات الروسية بنشر أولى الدرونات الليفية في ساحات القتال. وسرعان ما تبعتها القوات الأوكرانية بتطوير نسخها الخاصة. لقد ارتفعت أقصى مدى لهذه الدرونات تدريجيًا؛ ففي أكتوبر 2025 تم توثيق ضربات تصل إلى أكثر من 19 كم خلف خطوط القتال. حتى عام 2026، اعتمدت جماعات مسلحة أخرى هذه التقنية، فقد أعلن حزب الله اللبناني استخدامه للدرونات الليفية لأول مرة في مارس 2026 في القتال على الحدود مع إسرائيل. ووصفت وسائل إعلام وصفت هذه الدرونات بأنها «السلاح المخيف» الجديد الذي يغيّر قواعد اللعبة على الأرض. وفي هجوم كورسك الصيفي لعام 2025، لعبت الدرونات الليفية دورًا رئيسيًا في قطع خطوط الإمداد الأوكرانية وتمهيد هجمات على الجبهات الجانبية، مما دفع القوات الأوكرانية إلى التراجع في بعض المناطق، وقد لاحظ المجندون أن شيئًا واحدًا فقط يوقفها وهو الطقس السيئ. تؤكد هذه الأحداث أن تقنية الدرونات الليفية انتقلت من مرحلة الاختبار إلى ساحة المعركة بالفعل.
الجانب التقني
تعتمد الدرونات الليفية على نظام ربط سلكي دقيق، حيث تحمل الطائرة على متنها بكرة (Reel) مدمجة سحبًا ولفًا للكابل. ينطلق الكابل البصري من المحطة الأرضية إلى الطائرة، ويحوي نواة من الألياف الضوئية تنقل بيانات التحكم وتغذية الفيديو مباشرةً دون استخدام ترددات لاسلكية. في بعض التصاميم المتقدمة، يضم الكابل موصلات نحاسية إلى جانب الألياف الضوئية لنقل الطاقة الكهربائية، مما يمدّ الطائرة بالطاقة المستمرة أثناء المهمة. الميزة الأساسية تكمن في خصائص الألياف نفسها: فهي تتيح نقل كميات هائلة من البيانات بسرعة جيجابت (مثل بث فيديو بدقة 4K) بزمن انتقال أقل من 1 ميلي ثانية، إضافةً إلى كونها معزولة بالكامل عن التداخل الكهرومغناطيسي، بحيث يمكنها العمل بثبات حتى في بيئات ذات طاقة أشعة عالية أو تداخل إلكتروني كثيف. تعمل بكرات الكابل الآلية على سحب الأسلاك وإفلاتها بسلاسة مع تغير ارتفاع الطائرة، مما يمنع تشابكها أثناء الطيران. وبفضل هذه الخاصية، يرتبط مدى الطيران أساسًا بطول الكابل؛ فقد تصل طولية بعض الوصلات إلى 10–20 كم أو أكثر، فيما تتقدم الأبحاث نحو تصنيع ألياف أقوى وكابلات قابلة للتراجع الذاتي ومصنوعة من مواد قابلة للتحلل البيولوجي لتقليل الآثار اللوجستية والبيئية لهذه التقنية.
التطبيقات العسكرية الحالية وحالات استخدام
تُشير التقارير الميدانية إلى أن كلًّا من الجانب الروسي والأوكراني يستخدم الدرونات الليفية في العمليات القتالية بتركيز متزايد. فقد نشرت القوات الروسية أعدادًا كبيرة منها في عمليات أوكرانية متعددة، واستخدمتها خلال هجوم كورسك 2025 لتعطيل إمدادات العدو على الجبهات الشرقية والغربية. وحسب تحليلات مفتوحة المصدر، تبلغ مدى الدرونات الليفية الروسية المحدثة نحو 50 كم في أفضل الحالات (مقابل 10–25 كم عادةً). وفي أوكرانيا، نشأت مجموعات تشغيل خاصة بهذه الطائرات وقامت بتطوير نماذج محلية (مثل الطائرة “Stalker” الأوكرانية). على صعيدٍ آخر، جُرِّبت التقنية أيضًا خارج أوروبا؛ ففي الشرق الأوسط أعلن حزب الله استخدامها لأول مرة في نزاع 2026، إذ أظهر مقطع فيديو طائرة ليفية وهي تضرب مجموعة إسرائيليين، وقد لقّبها الصحفيون بـ”سلاح طفل” لأنها رخيصة الصنع (300–400$ فقط) ومصنوعة بطباعة ثلاثية الأبعاد ومكونات مدنية. واللافت أن المدوّنين الأمنيين الإسرائيليين علَّقوا على أنه “لا يمكن إسقاطها” بسهولة لأنها لا تصدر أي إشارة راديوية تُنبه الرادارات التقليدية. جدير بالذكر أن بعض الجيوش الأخرى بدأت أيضًا باهتمام بدراسة الدرونات الليفية؛ فعلى سبيل المثال أُبلغ عن نية الجيش الإسرائيلي توسيع استخدامها في مهام المراقبة والدفاع، ويعمل حلف الناتو على استخلاص الدروس من هذه التجارب لتعزيز خططه المستقبلية في مكافحة الدرونات.
نقاط الضعف والهجمات الممكنة
على الرغم من مناعتها الإلكترونية، تبقى الدرونات الليفية عرضة لهجمات فيزيائية. فالكابل البصري الرفيع شاحب القوة مقارنةً بالأسلحة النارية والمهاجمات الميكانيكية؛ فإذا علِق بالكائنات المحيطة (أشجار أو أسلاك) فقد يتعرض للتمزق أو يوقف الطائرة فجأة. ومن ذلك اشتهار تكتيك نشر أسلاك شائكة دوّارة على طول مسارات محتملة للدرونات لتجريد الكابل من لونه وقطع المسار. كما يمكن للقناصة أو مدافع الدفاع الجوي تحييد هذه الدرونات بإطلاق النار على المروحية نفسها أو على الكابل المترامي، وهو أمر يتطلب دقة استثنائية وسرعة رد فعل. ولا توجد فعلاً هجمات تشويش رقمي معروفة تقطع الإشارة، لأن البيانات محمولة داخل الكابل فحسب (كما تلاحظ المصادر: “الإشارة مادية وليست لاسلكية”). بالإضافة إلى خطر القطع المباشر، فإن الكابل بعد انتهاء مهمة الدرون يبقى مرميًا على الأرض؛ وهو ما يشكل خطرًا تكتيكيًا آخر، إذ لا يستطيع الجنود التمييز فورًا بين كبل عابر وكابل فخ متفجر، مما قد يبطئ الحركة أو يضطر إلى تنفيذ عمليات هندسية لإزالته بأمان. باختصار، تترك الهجمات الإلكترونية التقليدية (التشويش أو الاختراق) تأثيرًا ضئيلًا على الدرونات الليفية، لكن الهجمات المادية المكثفة والأجهزة المضادة للدرونات (الرادارات البصرية، والنيت المحمولة) تظل السبيل الأرجح لإسقاطها أو تحييدها.
تدابير الحماية والتخفيف
تتمثل الإجراءات المعروفة في مواصلة تطوير الدفاعات المادية الموجهة ضد الكابل. فإلى جانب الأسلاك الشائكة الدوّارة، لجأ جنود أوكرانيون أيضًا إلى تغطية الطرق بقوائم واقية وشبكات ميكانيكية لتعطيل مسارات الدرونات الليفية. من الناحية التقنية، يُنصَح باستخدام تشفير متطور لبيانات التحكم المرسلة عبر الألياف (كما في شبكات الألياف الضوئية المدنية)، وتطبيق أنظمة متعددة المسارات (مثل استخدام كابلين متناظرين لضمان استمرارية الربط في حال انقطع أحدهما). كما يطوّر الباحثون نماذج طائرات هجينة تجمع بين الربط الليفي والاتصالات اللاسلكية الاحتياطية: فالطائرة ستستخدم الكابل فقط عند وجود تشويش إلكتروني ورصد للتهديد، وتنشط ارتباطها اللاسلكي تلقائيًا إذا انكسر الوصلة. علاوةً على ذلك، يجب إلحاق دروات الليفية بأنظمة تحكم ذاتي بسيطة (Autopilot) تُمكّنها من الهبوط الآمن أو العودة إلى نقطة الانطلاق في حال انقطاع الاتصال. هذه التدابير المقترحة، بالإضافة إلى تدريب الجنود على التعرف على وتطويق خيوط الألياف في الميدان، تمثل خط الدفاع الأول لحماية القوات من أخطار الدرونات الليفية.
مقارنة مع تقنيات المراقبة والطائرات غير المأهولة الأخرى
تتفوق الدرونات الليفية على الطائرات التقليدية المرتبطة بالترددات اللاسلكية في مواجهة الهجمات الإلكترونية، لكنها تقترن بحدود في المناورة والموارد. ففي الطائرات اللاسلكية الاعتيادية (مثل تلك التي تستخدم موجات راديو أو شبكات GSM/5G)، تتوفر حرية حركة ونطاق طيران واسع، لكنها معرضة للتشويش والاعتراض (على سبيل المثال، يمكن لرادارات الإعتراض وأنظمة الاستخبارات اللاسلكية كشف إشارة الراديو بسهولة). بالمقابل، الطائرات التي تعتمد فقط على أنظمة الملاحة الفضائية (GNSS) قد تتعرض لتشويش يؤثر في دقة توجيهها، كما حدث مع صواريخ ذكية في السابق. أما الربط الليفي فهو خالٍ من بث إذاعي وبالتالي غير معرض للاعتراض التقليدي. جدول مقارنة مبسط (من شركة متخصصة) يؤكد أن الأنظمة السلكية (الكابلات) تتفوّق على النظائر اللاسلكية في أهم المقاييس: لديها زمن استجابة أقل (أقل من 1ms مقابل عشرات ms في الدرونات اللاسلكية)، وعرض نطاق ترددي أعلى (عشرات الـGbps مقابل بضع Gbps)، ولا تتأثر أبدًا بالتشويش، كما يمكنها التشغيل المستمر دون انقطاع للعمل بغير حاجه لشحن بطارية. هذا لا يعني أن الدرونات الليفية مثالية؛ فهي تقتصر على خطوط رؤية محدودة وتتطلب محطات أرضية، لكن مقارنتها بالأنظمة القائمة تظهر أنها أداة فريدة لمواجهة بيئات حرب إلكترونية عالية التعقيد.
الآثار التكتيكية والاستراتيجية على العقيدة العسكرية
على المستوى التكتيكي، أدت الدرونات الليفية إلى إعادة صياغة إجراءات مكافحة الدرونات. لم تعد وحدات التشويش تكفي لإيقافها، ما استلزم دمج قوات مضادة للطائرات صغيرة الحجم وأنظمة رصد بصرية متطورة. وقد لوحظ ميدانيًا أن إعداد دروع ميكانيكية على الطرق لم يعد مضمونًا لمنع الهجمات، مما يدفع إلى زيادة التركيز على التغطية النارية المباشرة والمنظومات المضادة المتنقلة. استراتيجياً، فإن انتصار إحدى الجيوش في معركة قد يعتمد الآن على حصتها من تكنولوجيا الدرونات الليفية. فجاء في تحليلات أتلانتيك كاونسل أن مواصلة روسيا لأساليبها بسلاح الدرونات الليفية قد يمكنها من اختراق الدفاعات الأوكرانية إذا لم تُجد حلول عاجلة لمواجهتها. ولذلك يرى المراقبون أن دروسَ هذه المعارك ستؤثر في عقائد التخطيط المستقبلي: فالجيوش مطالَبة بإعادة تقييم بنية القيادة والسيطرة (C2) بحيث تتكامل وسائل الاتصال المرئي مع اللاسلكي، والإسراع بتطوير مشاريع بحثية مشتركة لتعزيز القدرة على مواجهة الحروب الإلكترونية المعاصرة.
توصيات عملية للجيش وصناع القرار
نوصي بزيادة الاستثمارات في بحوث وتطوير أنظمة كشف متخصصة للدرونات الموصولة، مثل رادارات ليزرية أو حساسات ضوئية عالية الدقة قادرة على التعرف على خيوط الألياف في الجو. وينبغي تخصيص تمويل دفاعي دولي لدعم تسريع إنتاج نماذج محلية من هذه الدرونات أو نظم مضادة لها، ضمن برامج تعاون عسكري تقني مع الحلفاء. كما يفضل دمج وحدات خاصة في القوات الأرضية مدربة على التعامل مع خيوط الألياف، إلى جانب اعتماد حلول برمجية تتيح لـ”الطائرات الليفية” التحول إلى وضعية عمل مختلطة (هجين) عند فقدان الوصلة. من جهة أخرى، يُستحسن تطوير بروتوكولات تشفير عالية من المستوى العسكري لتأمين اتصال الألياف، والاستثمار في كابلات جديدة ذات قدرة شد أكبر ومقاومة أعلى للكسر. وأخيراً، ينبغي تحديث مناهج التعليم العسكري لمواكبة هذا التهديد، من خلال إضافة وحدات تدريبية تحاكي سيناريوهات مواجهة الدرونات الليفية، علماً بأن توعية القادة الميدانيين بهذه التقنية وتدريبهم على إجراءات إبطال مفعولها سريعاً ستقلل كثيراً من فعالية تهديدها.
أضحت الدرونات الليفية تُشكّل اليوم عنصرًا متناميًا في الترسانة العسكرية الحديثة، ويعني الطلب المتزايد عليها توسع استخدامها في الدول الكبرى والإقليمية على حد سواء. ويحذر الخبراء من أن السباق مستمر، إذ تتجه الأبحاث نحو ألياف أقوى ونماذج هجينة ومُستقلّة ذاتيًا. وفي ظل سعي الأطراف المتصارعة لتحقيق ميزة نوعية، يبقى تعزيز الدفاعات المضادة لهذه الدرونات أولوية قصوى. على صانعي السياسات والعسكريين أن يبقوا يقظين لأية استراتيجيات جديدة قد تفرضها هذه التقنية في المستقبل القريب.
المراجع
Joseph Trevithick & Tyler Rogoway, “Russia Now Looks To Be Using Wire-Guided Kamikaze Drones In Ukraine”, The War Zone, 8 مارس 2024.
David Kirichenko, “Fiber optic drones could play decisive role in Russia’s summer offensive”, Atlantic Council (UkraineAlert), 29 مايو 2025.
Jake Epstein, “Unjammable drones leave wires, force Ukrainians to move with caution”, Business Insider, 13 ديسمبر 2025.
Miriam McNabb, “Tethered and unstoppable: How fiber-optic drones are rewriting the rules of battlefield control”, DroneLife, 21 يوليو 2025.
Associated Press (Lidman & Mroue), “Hezbollah adopts a new weapon: Fiber-optic drones”, Los Angeles Times, 30 أبريل 2026.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
