الدور الروسي في إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية: حدود الدعم ومخاطر التصعيد
الحرب الحديثة والتكتيك


يتعامل هذا التقرير مع مرحلة ما بعد الحرب الإقليمية الأوسع التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، فوق إرث الضربات على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025 التي دفعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى وقف أنشطة التحقق وسحب مفتشيها من إيران لأسباب أمنية، قبل أن يستقر المشهد على وقف إطلاق نار هش أُعلن في 7–8 أبريل/نيسان 2026 وتخللته خروقات متكررة لاحقًا. في هذا السياق، لا تبدو موسكو مرشحة للتحول إلى “مظلّة أمنية” لإيران، لكنها تظل الطرف الخارجي الأكثر أهمية في أي مسار لإعادة بناء القدرة العسكرية الإيرانية، ليس عبر تحالف دفاعي صريح، بل عبر دعم انتقائي عالي القيمة في مجالات التدريب، والاستخبارات، والفضاء، وتكنولوجيا المسيّرات، وبعض المنظومات الجوية والدفاعية.
الخلاصة المركزية هي أن الدعم الروسي، إذا استمر ضمن المسار الأكثر ترجيحًا، لن يعيد لإيران بسرعة “قدرة سيادة” شاملة على المسرح الجوي أو حصانة كاملة ضد الضربات الإسرائيلية والأمريكية، لكنه قد يعيد بناء “قدرة الإيذاء المنظّم” على نحو أسرع: أي القدرة على الضرب المتكرر، وتحسين الدقة، وزيادة البقائية، ورفع كلفة الردع على الخصوم، خاصة عبر المسيّرات، والاستخبارات الفضائية، والحرب الإلكترونية، وشبكات الإمداد الفني. أما إعادة بناء سلاح جو حديث وطبقات دفاع جوي كثيفة وموثوقة على مستوى الدولة كلها، فهي مسألة أبطأ بكثير وأكثر كلفة وأكثر عرضة للعقوبات والاعتراضات والضربات الوقائية. هذا التقييم يستند إلى حقيقة أن روسيا كانت في 2020–2024 المورد الوحيد للأسلحة الرئيسية لإيران وفق معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، لكنه يستند أيضًا إلى حقيقة موازية لا تقل أهمية: أن معاهدة الشراكة الاستراتيجية الموقعة في يناير/كانون الثاني 2025 لا تتضمن بند دفاع متبادل، وأن الصناعة العسكرية الروسية ما زالت مثقلة بأولوية الحرب في أوكرانيا، وبقيود التصدير والعقوبات وسلاسل التوريد.
الخلفية التاريخية للتحول العسكري بين موسكو وطهران منذ 2015
بدأ المنعطف الحقيقي في العلاقات العسكرية الروسية–الإيرانية بعد 2015 على مسارين متوازيين. المسار الأول كان سوريًا: فالتدخل الروسي في سبتمبر/أيلول 2015 وفّر قوة جوية حاسمة دعمت القوات الإيرانية والقوات الحليفة لها على الأرض في سوريا، ورسّخ واقعية العمل العسكري المشترك، ولو ضمن تفاهمات غير متماثلة ومشحونة أحيانًا بالتنافس وسوء الفهم. والمسار الثاني كان تسليحيًا: ففي أبريل/نيسان 2015 رفع الرئيس الروسي الحظر عن تصدير منظومات إس-300 إلى إيران، ثم اكتمل تسليم المنظومات في 2016، وهو تطور رفع مستوى الثقة المتبادلة ورسّخ موقع روسيا بوصفها شريكًا قادرًا على تزويد إيران بأنظمة استراتيجية ترفضها الأسواق الغربية أصلًا.
ثم جاءت محطة أكتوبر/تشرين الأول 2020، حين رُفعت قيود حظر السلاح الأممي المرتبطة بخطة العمل الشاملة المشتركة، ما وسّع نظريًا هامش التعاقد الإيراني على السلاح، لكنه لم يخلق سوقًا متنوعة فعليًا لطهران؛ فالعقوبات الأمريكية والأوروبية والاعتبارات السياسية أبقت روسيا تقريبًا المنفذ الوحيد الواقعي للتسليح الثقيل، وهو ما يفسر أن حصة روسيا بلغت 98% من واردات السلاح الإيرانية في 2015–2019، قبل أن تصبح المورد الوحيد في 2020–2024 بحسب بيانات SIPRI. وفي 2021 أُضيف بعدٌ جديد غير تقليدي عبر تفعيل اتفاق التعاون في مجال أمن المعلومات، وهو ما ظهر لاحقًا في نص معاهدة 2025 كجزء من بنية أشمل للتعاون الاستخباري والرقمي والعسكري-التقني.
ابتداءً من 2022، غيّرت الحرب في أوكرانيا طبيعة العلاقة. لم تعد إيران مجرد مستورد محتمل لمنظومات روسية؛ بل أصبحت أيضًا مزودًا لروسيا بمسيّرات ومن ثم، وفق وزارة الخزانة الأمريكية، بصواريخ قصيرة المدى وعناصر لوجستية وتقنية مرتبطة بها. وفي سبتمبر/أيلول 2024 قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن روسيا تسلمت أول شحنة من الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى بعد تدريب عسكريين روس عليها في صيف 2024. هذا “الانعكاس في التدفق” خلق منطق المقايضة الاستراتيجية: إيران تمنح روسيا ذخائر ومسيّرات وخبرة تصنيع؛ وروسيا ترد بمنصات جوية، وتدريب، ومساعدة في الفضاء والاستشعار، وربما بخبرات تحسين تصميمات المسيّرات.
في 17 يناير/كانون الثاني 2025 وقع البلدان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ودخلت حيّز النفاذ في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وفق وزارة الخارجية الإيرانية. نص المعاهدة مهم لأنه يحدد سقف العلاقة بقدر ما يحدد مجالاتها: فهو ينص على تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، وتبادل المعلومات والخبرات بين الأجهزة الاستخبارية والأمنية، والتدريب العسكري وتبادل الوفود والطلبة العسكريين والمناورات المشتركة، وتطوير التعاون العسكري-التقني على أساس المصالح المتبادلة والالتزامات الدولية؛ لكنه لا يفرض على أي طرف الدفاع العسكري عن الآخر إذا تعرض لهجوم، بل يكتفي بمنع مساعدة المعتدي والدعوة إلى تسوية على أساس ميثاق الأمم المتحدة. هذه نقطة مفصلية لفهم حدود الدور الروسي بعد الحرب.
خرائط الإمداد الروسي: ما الذي سُلِّم، وما الذي نوقش، وما الذي بقي في المنطقة الرمادية
إذا جُمعت العناصر المعلنة أو المتداولة بشأن الإمداد الروسي لإيران منذ 2015 في سجل نصي واحد، فإنها تنقسم إلى ست فئات رئيسية: الطائرات المقاتلة والتدريبية والعمودية؛ منظومات الدفاع الجوي والرادارات والمجسات؛ تكنولوجيا المسيّرات والإلكترونيات ومحركاتها ومقاومة التشويش؛ الاستخبارات والفضاء والاستشعار عن بعد؛ التدريب والمناورات وتبادل الكوادر؛ ثم الدعم اللوجستي والصيانات وقطع الغيار والمواد الخام والمكوّنات الصناعية. الفارق الجوهري بين هذه الفئات أن بعضها مثبت تسليمه علنًا، وبعضها مؤكد الشراء دون وضوح في التسليم، وبعضها قائم على تقارير استخبارية أو تصريحات رسمية عامة أو مؤشرات غير مباشرة لا ترقى إلى توثيق كامل.
في فئة الطيران، الثابت علنًا أن إيران تسلمت في 2023 طائرتين من طراز Yak-130 للتدريب القتالي، وهو تطور قد يبدو محدودًا عدديًا لكنه مهم بنيويًا لأنه يفتح خط تدريب انتقالي على طائرات روسية أكثر تقدمًا. كذلك أكدت طهران في يناير/كانون الثاني 2025 لأول مرة شراء مقاتلات Su-35 من روسيا، من دون إعلان عدد الطائرات أو جدول التسليم. وإلى جانب ذلك، كانت إيران قد أعلنت في أواخر 2023 أنها أنهت الترتيبات الخاصة بانضمام Su-35 ومروحيات Mi-28 وطائرات Yak-130 إلى وحدات الجيش، لكن هذه النقطة تحديدًا لا تزال تعاني ضبابية علنية: فالتأكيد الإيراني موجود، أما التأكيد الروسي العلني التفصيلي على Mi-28 وجدول تسليمها فلا يزال أقل وضوحًا بكثير. لذلك فالموقف المهني الأدق هو الآتي: Yak-130 مسلّمة، Su-35 مؤكدة الشراء لكن تسليمها وكميتها غير محسومين علنًا، وMi-28 تقع حتى الآن في خانة “الترتيبات المعلنة إيرانيًا دون شفافية تنفيذية كاملة”.
في فئة الدفاع الجوي، تشكل S-300 PMU-2 أو النسخة التي انتهى الأمر بتسليمها لإيران في 2016 أساس الطبقة الروسية الثابتة في الدفاعات الإيرانية منذ عقد تقريبًا. الأهمية هنا ليست تقنية فقط بل مؤسسية؛ فإدخال S-300 رسّخ خبرة إيرانية في تشغيل منظومات روسية بعيدة المدى وربطها بهياكل القيادة والسيطرة المحلية. لكن بعد ذلك دخل النقاش مرحلة أكثر التباسًا: تقارير متعددة تحدثت عن اهتمام إيراني بـ S-400، ووكالة رويترز أشارت في يناير/كانون الثاني 2025 إلى أن الإعلام الإيراني تداول اهتمامًا بشراء نظم أكثر تقدمًا مثل S-400، من دون أدلة علنية على حدوث تسليم فعلي. وبالمعيار التحليلي، حتى لو تم تسليم عدد محدود من المنظومات المتقدمة مستقبلًا، فإن أثرها سيكون موضعيًا على حماية مواقع شديدة الحساسية، لا تحويليًا على مستوى بناء “مظلة وطنية” كاملة، لأن تلك المظلة تفترض كثافة رادارية، وذخائر اعتراضية، وطبقات قيادة وسيطرة، وصيانة مستدامة، ودمجًا بينيًّا مع دفاعات محلية متفرعة.
في فئة الاستخبارات والفضاء، يتسع الدور الروسي ويصبح أشد حساسية من أي صفقة سلاح تقليدية. فالمعاهدة تنص صراحة على تبادل المعلومات والخبرات بين الأجهزة الاستخبارية والأمنية، كما تنص على التعاون في أمن المعلومات. وعلى المستوى العملي، أطلقت روسيا عدة أقمار صناعية إيرانية أو لصالح إيران في 2025، كما تحدثت تقارير في 2026 عن شبكة أعمق من الدعم: رويترز، استنادًا إلى تقييم استخباري أوكراني راجعته، قالت إن أقمارًا روسية أجرت ما لا يقل عن 24 عملية مسح تفصيلية لـ46 هدفًا في 11 دولة شرق أوسطية بين 21 و31 مارس/آذار 2026، وإن جزءًا من الصور نُقل إلى إيران، إلى جانب وجود قناة اتصالات دائمة وتعاون سيبراني بين مجموعات روسية وإيرانية. هذه المعلومات مهمة للغاية لكنها تبقى، مهنيًا، في خانة التقارير الاستخبارية المفتوحة غير القابلة للتحقق المستقل الكامل، خصوصًا أن الكرملين نفى بعض هذه الروايات ووصفها بأنها “أخبار كاذبة”. مع ذلك، فإن تكرار هذه الاتهامات وتكاملها مع بنود المعاهدة ومع مسار التعاون الفضائي يجعل فرضية الدعم الاستخباري الروسي لإيران فرضية قوية، ولو بدرجات متفاوتة من اليقين التفصيلي.
أما فئة المسيّرات والإلكترونيات والمحركات فهي، على الأرجح، المجال الأسرع نموًا والأكثر قابلية للتأثير المتبادل. فقد أفادت تقارير AP في مارس/آذار 2026 بأن موسكو بدأت إرسال نسخ محسنة من مسيّرات الشاهد إلى إيران، وأن الخبرة الروسية في حرب أوكرانيا أنتجت تحسينات تشمل أنظمة ملاحة أفضل، ووسائل خداع وهمية، وأنظمة متقدمة مضادة للتشويش، وروابط راديوية، ومنصات حوسبة تعتمد الذكاء الاصطناعي، وربما استخدامًا لمنظومات اتصال فضائي وأشكالًا من الدفع النفاث في بعض النماذج. كما أشارت AP إلى أن الحطام الذي عُثر عليه في أوكرانيا يوحي بتعاون أوسع في أنظمة مقاومة التشويش والمحركات النفاثة الصغيرة. وفي موازاة ذلك، تظهر بيانات الخزانة الأمريكية أن شبكات شراء المكوّنات الإيرانية ما زالت تتحرك للحصول على مواد خام ومحرّكات سيرفو وألياف كربونية ومستلزمات صناعية تدخل في برامج الصواريخ والمسيّرات. الخلاصة هنا أن “إعادة البناء” في هذا المجال لا تتم بالضرورة عبر شحن منظومات كاملة، بل يمكن أن تتم عبر تحسين التصميم، وتعزيز مناعة المنصة ضد التشويش، وترقية الإلكترونيات، وتغيير برمجيات التوجيه، ورفع كفاءة القاعدة الصناعية.
وفي فئة التدريب واللوجستيات، تمنح المعاهدة إطارًا رسميًا لتبادل المدربين والطلبة العسكريين والمناورات والزيارات البحرية، بينما أظهرت التطورات اللاحقة استمرار المناورات البحرية المشتركة في خليج عمان في فبراير/شباط 2026. هذا النوع من التعاون أقل صخبًا من صفقات المقاتلات، لكنه أحيانًا أشد أثرًا على المدى البعيد؛ لأن بناء كفاءة تشغيلية على طائرة حديثة أو دمج دفاع جوي طبقي أو تحسين دورات الصيانة والجاهزية يحتاج مدربين، ومناهج، ومحاكيات، وقطع غيار، وسلاسل دعم فني، لا مجرد منصة تُسلَّم في احتفال رسمي. لذلك فإن جزءًا معتبرًا من الدور الروسي في إعادة بناء القوة الإيرانية قد يُمارَس تحت عنوان “التمكين” لا “التسليح”.
تقييم أثر هذه الإمدادات على إعادة بناء القدرة الضاربة الإيرانية
إذا سُئل السؤال بصياغة صارمة: ما الذي تستطيع روسيا أن تساعد إيران على استعادته بسرعة، وما الذي لا تستطيع استعادته إلا ببطء أو لا تستطيع استعادته أصلًا؟ فالإجابة الأكثر اتساقًا مع الأدلة الحالية هي أن روسيا تستطيع أن تساعد إيران على استعادة “كمّ ونوعية الضربات المنخفضة الكلفة” أسرع بكثير من قدرتها على إعادة بناء “أداة جوية استراتيجية متفوقة”. المجال الأول يشمل المسيّرات الانتحارية والاستطلاعية، وشبكات التوجيه، والحرب الإلكترونية، والصور الفضائية، وتحديثات البرمجيات، والروابط الراديوية، والمواد الخام والمكوّنات. وهذه كلها عناصر ترفع فاعلية الضربات وتزيد قدرتها على التشبع والخداع واختراق الدفاعات، حتى إن لم تغيّر ميزان القوى الجوي جذريًا. لذلك، وفي تقدير هذا التقرير، فإن أخطر مساهمة روسية في الأمد القريب ليست تسليم سرب من المقاتلات، بل جعل المسيّرة الإيرانية التالية أذكى وأصعب تشويشًا وأفضل توجيهًا وأكثر اندماجًا مع الاستطلاع الفضائي.
أما في المجال الجوي المأهول، فالأثر سيكون أبطأ وتراكميًا. Su-35، إذا وصلت بأعداد ذات معنى عملياتي، ستمنح إيران تحسينًا واضحًا في القتال الجوي، والوعي الظرفي، وقدرة الإطلاق من خارج مدى بعض التهديدات، ومرافقة الضربات أو حماية المجالات الحيوية. لكن هذه القفزة تصطدم بخمسة عوائق معروفة: العدد غير المعلن؛ الحاجة إلى تدريب طويل وذخائر متخصصة؛ صيانة معقدة تحت العقوبات؛ ضرورة دمج الطائرة مع بنية قيادة وسيطرة وإنذار مبكر ودفاع جوي متماسكة؛ وإمكانية أن تتحول القواعد التي تستضيف هذه الطائرات إلى أهداف استخبارية وضربات استباقية. بالألفاظ المهنية، حتى وصول Su-35 لا يصنع وحده “سلاح جو جديدًا”، بل يضيف عقدة متقدمة داخل هيكل أقدم وأضعف بنيويًا. لهذا فإن أثرها المحتمل معتبر، لكنه ليس انقلابيًا بالضرورة.
وفي ما يخص القدرة الصاروخية الإيرانية نفسها، لا توجد في المجال العام أدلة متماسكة على أن روسيا تعيد اليوم إلى إيران مخزونات كبيرة من الصواريخ الباليستية أو تنقل إليها خطوط إنتاج كاملة بعد حرب 2026. بل إن الصورة المعاكسة هي الأكثر وضوحًا علنًا: إيران هي التي دعمت روسيا بالمسيّرات والصواريخ القصيرة المدى، بينما ما يمكن أن تتلقاه إيران من موسكو في المقابل يبدو أقرب إلى المعرفة الفنية، وتحسين دقة الاستهداف، وبعض المكوّنات أو المواد والمساعدة الصناعية، وليس إلى “إعادة تسليح صاروخي شامل” من الخارج. وهذا يعني أن إعادة بناء الذراع الصاروخية الإيرانية ستبقى في أساسها مشروعًا محليًا إيرانيًا يعتمد على القاعدة الصناعية الوطنية، مع قابلية عالية للاستفادة من الدعم الروسي غير المباشر في التوجيه والإلكترونيات والمواد وسلاسل الاختبار، وقابلية أقل بكثير للاعتماد على شحنات روسية جاهزة واسعة النطاق.
القيود البنيوية على الدعم الروسي
أول القيود هو القيد السياسي-الاستراتيجي. فالمعاهدة الروسية–الإيرانية، على رغم لغتها الواسعة في الأمن والدفاع، ليست معاهدة دفاع مشترك، وروسيا نفسها شددت أكثر من مرة على هذا المعنى، سواء في تصريحاتها خلال 2025 أو في خضم حرب 2026. كما أن موسكو ما زالت حريصة على إدارة توازنات معقدة في الشرق الأوسط، فلا تريد أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب مفتوحة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية من جهة أخرى. وحتى حين أدانت موسكو الضربات على إيران وعرضت الوساطة أو استضافة اليورانيوم الإيراني المخصب، فإن سلوكها بقي أقرب إلى “حماية الشريك ومنع انهياره” منه إلى “القتال لأجله”. وهذا فارق حاسم.
ثاني القيود هو القيد الصناعي والاقتصادي الروسي. فروسيا نفسها تعيش اقتصاد حرب ممتدًا؛ ووفق SIPRI انخفضت صادراتها من السلاح 64% بين 2015–2019 و2020–2024، بينما أقرّ بوتين في مايو/أيار 2025 بضرورة تعزيز صادرات السلاح بعد سنوات من تركيز الصناعة على تلبية احتياجات الحرب الأوكرانية. وأفاد رئيس “روستيخ” في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بأن الصادرات الدفاعية الروسية انخفضت إلى النصف منذ 2022 لأن الأولوية ذهبت للجيش الروسي. وفي موازاة ذلك، قدّر SIPRI الإنفاق العسكري الروسي المخطط لعام 2025 عند 15.5 تريليون روبل، أي ما يعادل 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تنامي الضغوط على الاقتصاد وارتفاع الفائدة ومؤشرات السخونة الزائدة. معنى ذلك ببساطة أن أي التزام كبير وطويل الأمد لإعادة تسليح إيران سيقتطع من قدرة روسية مطلوبة أصلًا في جبهة أخرى أكثر إلحاحًا للكرملين.
ثالث القيود هو قيد العقوبات وسلاسل الإمداد العابرة للحدود. فالعقوبات لا تستهدف فقط المنصات الكبرى بل العقد الدقيقة في جسد الصناعة العسكرية: الشبكات المالية، والوسطاء، والمحركات الصغيرة، والمواد الخام الجوية، والسيرفو-موتورات، والإلكترونيات، وشركات الشحن، والكيانات الموجودة في الصين وهونغ كونغ والإمارات وتركيا وبيلاروس وغيرها. وفي مايو/أيار 2026 أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أنها تعمل على منع إيران من إعادة تكوين قدرتها الإنتاجية وإسقاط سلاسل الشراء التي تغذي برامج الصواريخ والمسيّرات. هذا يعني أن حتى الدعم الروسي إذا أُريد له أن يكون فعالًا، فإنه يحتاج المرور عبر بيئة لوجستية ومالية مُعقّدة ومكشوفة نسبيًا للاستخبارات والعقوبات، ما يرفع الكلفة ويبطئ التنفيذ ويقلل الشفافية.
رابع القيود هو القيد التكنولوجي-التشغيلي. فالمسألة ليست فقط شراء طائرة أو منظومة دفاع جوي، بل تشغيلها القتالي المتكامل. لقد أظهرت الحرب أن القدرة الضاربة الحديثة هي نتاج شبكة مترابطة: استطلاع، واتصالات مؤمنة، ودمج بيانات، وذخائر دقيقة، وإدامة فنية، وقيادة وسيطرة مرنة، وقدرة على العمل تحت التشويش وضربات الاستباق. وهذه المنظومة الكاملة أصعب بكثير من مجرد استيراد منصة. لذلك فإن أي تحليل يفترض أن تسليم عدد محدود من الأنظمة الروسية سيعيد تلقائيًا بناء القوة الإيرانية يقع في خطأ “مغالطة المنصة الواحدة”. في المقابل، فإن الخبرة الروسية في تحسين المسيّرات ورفع مناعتها الإلكترونية قد تكون أكثر قابلية للترجمة السريعة إلى قدرة عملياتية إيرانية فعلية.
ويجب هنا تسجيل حدّ معرفي واضح: كثير من تفاصيل الإمداد الفعلي، ولا سيما أعداد Su-35 وMi-28 التي سُلِّمت إن سُلِّمت، وحجم تبادل الصور الفضائية، ونوع النسخ المسيّرة المطورة التي نُقلت إلى إيران، لا تزال غير محددة علنًا. وبعض أهم الادعاءات في هذا الملف يستند إلى تقييمات استخبارية أو إلى مسؤولين تحدثوا من دون إعلان كامل للأدلة، بينما نفى الكرملين بعض تلك الروايات. وعليه، فإن التقرير يميّز عمدًا بين “ما هو مؤكد”، و“ما هو راجح”، و“ما هو متداول لكنه غير محسوم”.
مخاطر التصعيد وميزان الردع الإقليمي وأدوار اللاعبين الآخرين
الأثر الأهم للدعم الروسي على ميزان الردع في المنطقة لا يتمثل، في الأمد القريب، في منح إيران تفوقًا هجوميًا ساحقًا، بل في منع سقوطها إلى ما دون عتبة الردع المؤلم. فبعد الحرب، تعرضت البنية الإيرانية لهزات كبيرة، لكن إيران ما زالت قادرة على تهديد خصومها بالصواريخ والمسيّرات، وما زالت تحتفظ بقدرة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية تقريبًا. لذلك فإن أي دعم روسي يرفع دقة الضربات الإيرانية أو قدرتها على الصمود تحت التشويش أو على استعادة وتيرة الإنتاج الصناعي، سيعني عمليًا رفع كلفة أي حملة مستقبلية ضد إيران، حتى لو لم يغير ميزان القوى النوعي جذريًا. بكلمات أخرى: موسكو قد لا تعيد إلى طهران “الهيمنة”، لكنها تستطيع أن تساعدها على استعادة “الإزعاج الاستراتيجي” بفعالية أعلى.
السيناريو الأكثر ترجيحًا، في تقدير هذا التقرير، هو الاحتواء المضبوط عبر دعم انتقائي منخفض الظهور، باحتمال يقارب 50%. في هذا المسار، تواصل روسيا تقديم صور واستشعار، ودعمًا إلكترونيًا وسيبرانيًا، وتحسينات في المسيّرات، وبعض التدريب والصيانات وقطع الغيار، وربما دفعات محدودة من المنصات الجوية المتفق عليها سابقًا، من دون الانزلاق إلى تعهد عسكري مباشر أو نقل أنظمة فائقة الحساسية بأعداد كبيرة. تداعيات هذا السيناريو تتمثل في تعاظم تدريجي لقدرة إيران على الضرب المتكرر والدقيق نسبيًا، مع بقاء القيود البنيوية التي تمنع تحولها السريع إلى قوة جوية حديثة متكاملة. وهو السيناريو الأرجح لأنه ينسجم مع نص المعاهدة، ومع تصريحات الكرملين بأن إيران لم تطلب أسلحة، ومع أولوية الجبهة الأوكرانية للصناعة الروسية.
السيناريو الثاني هو إعادة تسليح نوعية محدودة لكن مرئية، باحتمال يقارب 35%. هنا قد نشهد وصولًا أو إعلانًا أوضح بشأن بعض مقاتلات Su-35، وتوسيعًا للقدرات التدريبية، وتكثيفًا للدعم الفضائي، وربما تزويدًا بعناصر دفاع جوي أو رادارية متقدمة بصورة موضعية حول مواقع شديدة الحساسية. تداعيات هذا السيناريو أكبر بكثير من حجمه المادي؛ لأنه سيرفع احتمال الضربات الوقائية والعمليات التخريبية ضد مسارات النقل والتمركز والتشغيل، وقد يدفع إسرائيل إلى تكثيف الاستهداف الاستباقي للمنشآت والقواعد والمخازن ومراكز القيادة، فيما ستسعى واشنطن إلى توسيع العقوبات الثانوية على أي جهة وسيطة تساعد إيران على إعادة بناء صناعتها العسكرية. هذا السيناريو لا يعني حربًا إقليمية شاملة بالضرورة، لكنه يعني دورة تصعيد مزمنة وأكثر علنية.
السيناريو الثالث هو الاندفاعة التصعيدية الكبرى، باحتمال أدنى يقارب 15%. في هذا المسار تنتقل موسكو من الدعم الانتقائي إلى دعم يقترب من “الرعاية العملياتية”، مثل تكثيف تبادل الاستهداف في الزمن شبه الحقيقي، أو نقل نسخ مسيّرة متطورة على نطاق واسع، أو تقديم طبقات دفاع جوي بعيدة المدى على نحو يراكم حصانة حول مواقع محددة، أو بناء وجود فني/عسكري روسي أثقل داخل إيران. تداعيات هذا السيناريو ستكون شديدة: مخاطر صدام إسرائيلي–روسي غير مباشر سترتفع، والعقوبات الغربية ستتسع، وقد تتشجع دول المنطقة على خطوات عسكرية وعملياتية أكثر خشونة، بينما سيتزايد خطر تدويل النزاع حول هرمز والطاقة والممرات البحرية. لكنه يظل الأقل احتمالًا لأن كلفته على روسيا مرتفعة، ولأن الوقائع المتاحة حتى الآن تؤكد حدود الالتزام الروسي أكثر مما تؤكد استعداد موسكو لتجاوزها.
في هذا المشهد، تلعب الأطراف الأخرى أدوارًا حاسمة. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يتمثل الدور في الجمع بين الضغط العسكري وقدرة التعطيل الصناعي والمالي؛ فواشنطن لا تركز فقط على ضرب المنصات، بل على منع إعادة تكوين القاعدة الصناعية الإيرانية، كما يظهر في جولات العقوبات المتلاحقة على المواد الخام والمكوّنات والشبكات المالية. أمّا إسرائيل، فقد أثبتت الحرب قدرتها على استهداف قيادات ومنشآت وبنى عسكرية إيرانية حساسة، ما يجعل أي دعم روسي عالي القيمة مرشحًا لأن يصبح هدفًا سريعًا للملاحقة أو الضرب. وبالنسبة إلى الصين، فهي ليست بديلًا كاملاً لروسيا في التسليح الثقيل، لكنها تمثل شريانًا اقتصاديًا وتقنيًا مهمًا، وقد أفادت رويترز في مارس/آذار 2026 باتهامات أمريكية لشركة SMIC بتوريد تكنولوجيا تصنيع رقائق إلى الجيش الإيراني، فيما تُظهر قراءات Brookings أن بكين حريصة على عدم التورط المفرط، مع سعيها في الوقت نفسه لحماية مصالحها النفطية والملاحية. أما دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فقد أظهرت الحرب أنها لم تعد تكتفي بالاحتماء بالمظلة الأمريكية، بل باتت أكثر ميلًا إلى الرد والاحتواء الذاتي وتعزيز التنسيق البحري والجوي، خصوصًا بعد تعرض منشآت وبنى تحتية في الإمارات والسعودية وقطر وغيرها للتهديد أو الضرب.
التوصيات الاستراتيجية وحدود المعلومات
السياسة الإقليمية والدولية الأكثر جدوى ليست تلك التي تنشغل فقط بعنوان الصفقة الكبرى ــ “هل وصلت Su-35؟ هل وصلت S-400؟” ــ بل تلك التي تضرب قلب عملية إعادة البناء نفسها. أولًا، يجب نقل مركز الثقل الرقابي والعقابي إلى “عنق الزجاجة الصناعي”: المحركات الصغيرة، السيرفو-موتورات، المواد المركّبة، مضادات التشويش، البصريات، مكوّنات التوجيه، أدوات الاختبار والمعايرة، وشبكات الدفع والشحن التي تربط الوسطاء في الصين وهونغ كونغ والإمارات وتركيا وبيلاروس وغيرهم بالبرنامجين الصاروخي والمسيّر الإيرانيين. ثانيًا، تحتاج المنطقة إلى بنية اندماج عملياتي أوسع بين الدفاع الجوي والإنذار المبكر والمراقبة البحرية والحساسات الرخيصة والسلبية، لأن مواجهة المسيّرات المطورة لا تُحسم فقط بالصواريخ الاعتراضية الغالية. ثالثًا، ينبغي صياغة خطوط حمراء دبلوماسية واضحة مع موسكو — مباشرة أو عبر قنوات أوروبية وخليجية — تفصل بين “التعاون السياسي المقبول” و“الدعم العسكري الذي يغير قواعد اللعبة”، وخصوصًا في مجالات الاستهداف الفضائي في الزمن الحقيقي، والمنظومات الدفاعية بعيدة المدى، ونقل الخبرة الإنتاجية الحساسة. رابعًا، يجب إشراك الصين في ترتيبات الضغط الخاصة بالممرات البحرية والتصدير المزدوج الاستخدام، لأن مصالح بكين في الاستقرار الطاقوي والملاحي تمنحها نفوذًا لا يُستهان به. خامسًا، يتعين دعم آليات التوثيق والشفافية الدولية، بما في ذلك ما يتصل برقابة المواد والمكونات وحرية الملاحة واستئناف أعمال الرقابة الفنية الدولية حيثما أمكن.
أما حدود المعلومات في هذا الملف فيجب التصريح بها بوضوح. لا توجد بيانات علنية موثوق بها حول عدد مقاتلات Su-35 التي سُلِّمت فعلًا لإيران إن كان التسليم قد بدأ، ولا حول مصير صفقة Mi-28 على نحو تنفيذي واضح، ولا حول أي تسليم فعلي لمنظومات S-400. كذلك فإن كثيرًا من المزاعم المتعلقة بالصور الفضائية الروسية، والقناة الدائمة لتبادل المعلومات، وأنواع المسيّرات المنقولة من روسيا إلى إيران، تستند إلى مسؤولين غربيين أو تقييمات استخبارية أوكرانية أو مصادر لم تُكشف، في مقابل نفي روسي علني لبعض هذه الروايات. لذلك فإن أي تحليل مسؤول يجب أن يتعامل مع “الدور الروسي” بوصفه مزيجًا من وقائع مثبتة، ومؤشرات قوية، ومساحات رمادية لا يجوز ملؤها بأرقام سرية أو افتراضات يقينية. لكن حتى مع هذه التحفظات، تبقى النتيجة العامة ثابتة: موسكو قادرة على أن تساعد طهران على استعادة القدرة الضاربة الإيرانية، ولكن ضمن سقف واضح؛ سقف يمنع الانهيار ويطيل قدرة الردع، من دون أن يضمن انتصارًا أو حصانة شاملة.
وزارة الدفاع الإيرانية
The Wall Street Journal
The New York Times
تقرير SIPRI حول صادرات السلاح الروسية إلى إيران بعد 2022.
تقرير RUSI عن استخدام المسيّرات الإيرانية في أوكرانيا وتأثيره على التعاون الروسي الإيراني.
تقرير CSIS حول مستقبل الدفاع الجوي الإيراني بعد الحرب الأخيرة.
دراسة RAND حول إعادة بناء القدرات العسكرية للدول الخاضعة للعقوبات.
تقرير IISS Military Balance الخاص بإيران وروسيا للأعوام 2024–2026.
تقارير ISW اليومية الخاصة بالتعاون العسكري الروسي الإيراني.
تقارير وزارة الخزانة الأمريكية حول شبكات التهريب العسكري والتقني بين موسكو وطهران.
تقارير الأمم المتحدة حول برنامج الصواريخ الإيراني والطائرات المسيّرة.
تصريحات فلاديمير بوتين حول “الشراكة الاستراتيجية” مع إيران.
تصريحات سيرغي لافروف المتعلقة بالتعاون العسكري والتقني.
تصريحات علي خامنئي حول “الاعتماد على الشرق”.
تصريحات مسعود بزشكيان المتعلقة بإعادة بناء الاقتصاد والدفاع.
تقارير عن صفقة مقاتلات Sukhoi Su-35 ومنظومات S-400 Triumf.
ملفات التعاون في مجال المسيّرات الانتحارية من طراز Shahed-136.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
