الفرق بين المدافع المقطورة والمدافع ذاتية الحركة

تحولات العقيدة العسكرية في عصر الحروب الرقمية

الأسلحة الثقيلة (المدفعية والراجمات)

تعتبر المدفعية، التي يشار إليها غالباً باسم "ملك المعارك"، الركيزة الأساسية للقوة النارية في العمليات البرية، حيث شهدت تطوراً مذهلاً منذ العصور القديمة وحتى الأنظمة الرقمية المعقدة التي نراها اليوم. إن الجدل القائم حول المفاضلة بين المدافع المقطورة والمدافع ذاتية الحركة ليس مجرد نقاش تقني حول الآليات، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في الاستراتيجيات العسكرية، واللوجستيات، والقدرة على البقاء في بيئة معارك تهيمن عليها رادارات كشف القذائف والطائرات المسيرة الانتحارية. في هذا التقرير المستفيض للمرصد العسكري العربي، سنقوم بتحليل الفوارق الجوهرية بين هذين النوعين من الأنظمة، مستندين إلى أحدث الدروس المستفادة من النزاعات المعاصرة، مع التركيز على الجوانب التقنية والتكتيكية والاقتصادية التي تشكل ملامح القوات المسلحة في القرن الحادي والعشرين.

الجذور التاريخية وتطور مفهوم الحركة في سلاح المدفعية

بدأ تاريخ المدفعية كأنظمة ثابتة تعتمد على الطاقة الميكانيكية لإطلاق المقذوفات، مثل المنجنيق والباليستا، قبل أن يغير اختراع البارود في القرن الرابع عشر وجه الحرب تماماً. ظلت المدافع لقرون طويلة أسلحة ثقيلة يصعب تحريكها، حيث كانت تتطلب جهوداً بشرية هائلة أو حيوانات لجرها، مما جعل دورها يقتصر غالباً على حصار الحصون أو الدفاع عن مواقع ثابتة. حدث التحول الأول الهام في القرن السابع عشر خلال حرب الثلاثين عاماً، عندما بدأت الجيوش في تجربة "مدفعية الخيالة"، حيث كان الطاقم يركب الخيول بجانب المدافع لضمان سرعة الانتشار وتقديم دعم مرن لسلاح الفرسان، وهو ما ألهم "فريدريك العظيم" لتنظيم أولى وحدات المدفعية المنتظمة القادرة على المناورة في عام 1759.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، واجهت الجيوش تحدي "حرب الخنادق" والتشكيلات المدرعة الوليدة، مما أدى إلى ظهور أول مدفع ذاتي الحركة في التاريخ، وهو البريطاني "Gun Carrier Mark I" في عام 1917، الذي استند في تصميمه إلى أول دبابة بريطانية ليحمل مدفعاً ميدانياً ثقيلاً يمكن استخدامه من فوق المركبة أو إنزاله منها. نضج هذا المفهوم بشكل كبير خلال الحرب العالمية الثانية مع ظهور تكتيكات "حرب البرق" (Blitzkrieg)، حيث أدرك المخططون العسكريون، خاصة في الولايات المتحدة وألمانيا، الحاجة إلى مدفعية يمكنها مواكبة سرعة تقدم الدبابات. أنتجت هذه الحقبة أنظمة أيقونية مثل "M7 Priest" الأمريكي و"Sturmgeschütz III" الألماني، والتي وضعت المدافع على شاسيهات مجنزرة ووفرت حماية مدرعة للطواقم، مما مثل بداية الفصل الحقيقي بين المدفعية المقطورة والذاتية.

المدافع المقطورة: البساطة والكفاءة الاقتصادية

تظل المدافع المقطورة، رغم قدم مفهومها، جزءاً لا يتجزأ من ترسانات أقوى الجيوش في العالم، بما في ذلك الجيش الأمريكي الذي لا يزال يعتمد على مدفع "M777" خفيف الوزن. يكمن السر في بقاء هذه الأنظمة في بساطتها الميكانيكية وتكلفتها المنخفضة، حيث تشير التقديرات التقنية إلى أن تكلفة المدافع ذاتية الحركة قد تصل إلى ضعف تكلفة المدافع المقطورة أو أكثر، فضلاً عن تكاليف الصيانة المعقدة للمحركات وأنظمة الهيدروليك والأسلاك الكهربائية والشاسيهات المجنزرة. في المقابل، يتكون المدفع المقطور من هيكل بسيط يضم الماسورة وآلية الارتداد والمنصة، ويتم جره بواسطة شاحنة تكتيكية يمكن استبدالها بسهولة في حال تعطلها، مما يقلل من العبء اللوجستي على وحدات الصيانة.

تتميز المدافع المقطورة بمزايا استراتيجية هائلة تتعلق بالنقل الجوي، فأنظمة مثل "M777" الأمريكي المصنوع من التيتانيوم تزن حوالي 4.2 طن فقط، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 41% مقارنة بالأنظمة الأقدم مثل "M198". هذا الوزن الخفيف يسمح بنقلها عبر طائرات الشحن الصغيرة أو حتى تعليقها أسفل مروحيات النقل الثقيل مثل "CH-47 Chinook"، وهو أمر مستحيل بالنسبة للمدافع ذاتية الحركة التي قد تزن أكثر من 50 طناً. كما أن المدافع المقطورة أسهل بكثير في التمويه والاختباء داخل المواقع المحصنة بسبب صغر حجمها وشكلها غير المنتظم مقارنة بالمركبات الكبيرة، مما يجعلها أهدافاً صعبة للاكتشاف البصري في الغابات أو المناطق الوعرة.

ومع ذلك، تبرز نقاط الضعف القاتلة للمدافع المقطورة في بيئة العمليات عالية الكثافة، حيث تتطلب عمليات نصب المدفع وطيّه وقتاً طويلاً يتراوح بين عدة دقائق إلى 7.5 دقيقة في بعض الأنظمة، وهو ما يعتبر "حكماً بالإعدام" في ظل وجود رادارات كشف المدفعية الحديثة التي تحدد موقع الإطلاق في غضون ثوانٍ من خروج القذيفة الأولى. بالإضافة إلى ذلك، يضطر طاقم المدفع المقطور للعمل في العراء، مما يجعلهم عرضة بشكل مباشر لشظايا القذائف المعادية والنيران غير المباشرة، وحتى الرشقات الصاروخية التي قد لا تدمر المدفع نفسه ولكنها قد تقتل الطاقم أو تعطل النظام الناري تماماً.

المدافع ذاتية الحركة: ثورة المناورة والتحكم الرقمي

تمثل المدافع ذاتية الحركة الذروة التقنية لسلاح المدفعية، حيث تدمج المدفع مع نظام دفع خاص بها، سواء كان مجنزراً أو مدولباً، مما يمنحها قدرة فائقة على الحركة والانتشار الذاتي. تكمن الميزة الجوهرية لهذه الأنظمة في قدرتها على تنفيذ تكتيك "الإطلاق والفرار" (Shoot-and-Scoot)، حيث يمكن للمدفع مثل "Archer" السويدي أو "PzH 2000" الألماني أن يتوقف في الموقع، ويطلق الرشقة النارية الأولى في غضون 20 إلى 30 ثانية، ثم يغادر الموقع تماماً قبل أن تصل قذائف الرد المعادية. هذه السرعة في الانتقال من وضعية الحركة إلى الرماية وبالعكس تجعل هذه الأنظمة صعبة المنال حتى بالنسبة لأكثر رادارات كشف المدفعية تطوراً.

تزود المدافع ذاتية الحركة الحديثة بأنظمة تحكم رقمية متقدمة (AFCS)، وحواسب باليستية، وأنظمة تحديد مواقع مرتبطة بالأقمار الصناعية (GPS)، مما يتيح لها توجيه النيران بدقة متناهية دون الحاجة إلى عمليات المسح الطبوغرافي التقليدية التي تستغرق وقتاً طويلاً. كما توفر هذه الأنظمة حماية مدرعة للطاقم، مما يضمن بقاءهم آمنين داخل المركبة أثناء الرماية، ويحميهم من الانفجارات القريبة والهجمات بالأسلحة الخفيفة. وفيما يخص القدرة النارية، تتمتع المدافع ذاتية الحركة بمعدلات إطلاق نار عالية جداً بفضل أنظمة التلقيم الآلي؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للمدفع "PzH 2000" إطلاق 10 قذائف في الدقيقة الواحدة، بينما لا يتجاوز معدل الإطلاق العادي للمدفع المقطور "M777" قذيفتين إلى 4 قذائف في الدقيقة.

المقارنة التقنية بين الأنظمة المجنزرة والمدولبة

داخل عائلة المدافع ذاتية الحركة، يوجد انقسام تقني وعقائدي بين استخدام الشاسيهات المجنزرة والمدولبة، وهو انقسام تفرضه الجغرافيا والمتطلبات اللوجستية. المدافع المجنزرة، مثل "K9 Thunder" الكوري الجنوبي، تتفوق في القدرة على المناورة التكتيكية في الأراضي الوعرة والوحل والثلج، حيث توزع مساحة الجنزير الكبيرة وزن المركبة وتمنع انغراسها، كما توفر منصة إطلاق أكثر استقراراً بفضل وزنها الذي يتجاوز غالباً 40 طناً. ومع ذلك، تعاني المجنزرات من بطء الحركة الاستراتيجية، حيث تتطلب ناقلات دبابات ثقيلة لنقلها لمسافات طويلة لتجنب تآكل الجنازير واستهلاك المحرك.

على النقيض من ذلك، تشهد السوق العالمية توجهاً متسارعاً نحو المدافع ذاتية الحركة المدولبة (على عجلات)، مثل "CAESAR" الفرنسي و"RCH 155" الألماني، حيث توفر هذه الأنظمة سرعة هائلة على الطرق المعبدة تصل إلى 100 كم/ساعة، ومدى تشغيلي يصل إلى 700 كم دون الحاجة للتزود بالوقود، مقارنة بـ 360 كم فقط للمجنزرات. كما أن مقاومة التدحرج للإطارات على الطرق تبلغ حوالي 2% فقط من وزن المركبة، بينما تصل في المجنزرات إلى 4%، مما يقلل بشكل كبير من استهلاك الوقود. الأهم من ذلك هو الجانب الاقتصادي؛ فالمدافع المدولبة أرخص في الشراء بنسبة 30% إلى 40%، وتكاليف صيانتها خلال دورة حياتها أقل بكثير، مما يجعلها الخيار المفضل للدول التي تمتلك شبكات طرق جيدة أو ميزانيات دفاعية محددة.

تكتيكات "الإطلاق والفرار" والبقاء في عصر الرادار

أصبح بقاء المدفعية في ميدان المعركة الحديثة يعتمد على معادلة زمنية قاسية؛ فرادارات كشف المدفعية مثل "Zoopark-1" الروسي يمكنها تحديد موقع المدفع بمجرد خروج القذيفة من الفوهة، وغالباً ما يستغرق الرد المدفعي المعادي ما بين 5 إلى 12 دقيقة، وفي بعض الحالات المتقدمة ينخفض هذا الزمن إلى 3 دقائق فقط. هذا الواقع جعل من تكتيك "الإطلاق والفرار" ضرورة وجودية؛ حيث تقوم الأنظمة ذاتية الحركة بإطلاق عدة قذائف ثم التحرك لمسافة لا تقل عن 500 متر للاختباء في منطقة جديدة.

تشير الدراسات الرياضية المستندة إلى نماذج "ماركوف" و"مشكلة البائع المتجول" (TSP) إلى أن تحسين اختيار مواقع الإطلاق ومسارات الحركة يمكن أن يضاعف من فرص بقاء البطارية. تنص القواعد العسكرية الحذرة على عدم العودة مطلقاً لموقع إطلاق سابق، بل وعدم المرور بالقرب منه أثناء الانتقال لتجنب النيران العمياء التي قد تستهدف المواقع القديمة. وفي هذا الصدد، يمثل المدفع الألماني "RCH 155" ثورة حقيقية، فهو أول نظام مدفعي قادر على "الرماية أثناء الحركة" بسرعة بطيئة، مما يجعل التوقيع الراداري الخاص به هدفاً متحركاً باستمرار ويصعب قصفه بدقة.

المدفعية في حرب أوكرانيا: دروس من الميدان

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تعريف دور المدفعية في النزاعات عالية الكثافة، حيث تحولت المعارك إلى "مبارزات مدفعية" طاحنة استهلكت فيها أوكرانيا في ذروة الصيف الماضي حوالي 225 ألف قذيفة شهرياً. كشفت هذه الحرب عن هشاشة المدافع المقطورة أمام الطائرات المسيرة الانتحارية (Loitering Munitions) مثل مسيرة "Lancet" الروسية، التي أصبحت التهديد الأول لبطاريات المدفعية الأوكرانية. اضطر القادة الميدانيون إلى التخلي عن مفهوم البطارية التقليدية التي تضم 6 مدافع متقاربة، واستبدالها بتكتيك "المدافع الهائمة" (Wandering Guns)، حيث يعمل كل مدفع بشكل منفرد ومتباعد بمسافات تصل إلى كيلومترات لتقليل احتمالية الكشف والتدمير.

أظهرت الأنظمة ذاتية الحركة الغربية مثل "PzH 2000" و"CAESAR" تفوقاً نوعياً بفضل دقتها العالية وسرعة انسحابها، مما أجبر القوات الروسية على تغيير عقيدتها من القصف الشامل إلى "القصف الدقيق الشامل" باستخدام قذائف "Krasnopol" الموجهة بالليزر وطائرات "Orlan-30" للاستطلاع. ومع ذلك، فإن الأنظمة ذاتية الحركة المعقدة عانت من مشاكل في الصيانة نتيجة كثافة النيران الهائلة التي أدت إلى تآكل السبطانات والأعطال الهيدروليكية، مما سلط الضوء على أهمية وجود سلاسل إمداد قوية وورش صيانة قريبة من الخطوط الأمامية.

التهديد الجديد: الطائرات المسيرة وحرب العصابات الإلكترونية

لم تعد رادارات كشف المدفعية هي العدو الوحيد، فقد أحدثت طائرات الدرون الانتحارية (FPV) ثورة في استهداف المدفعية بتكلفة زهيدة لا تتجاوز 500 دولار للقذيفة الواحدة. هذه المسيرات يمكنها ملاحقة المدافع ذاتية الحركة حتى أثناء محاولتها الانسحاب، واستهداف نقاط الضعف مثل فتحات المحرك أو مخازن الذخيرة. هذا التهديد جعل من "الحركة" وحدها غير كافية، مما دفع الأطقم لاستخدام "أقفاص الحماية" المعدنية وشبكات التمويه المعززة بالأسلاك لعرقلة المسيرات قبل اصطدامها بالمدفع.

أدت كثافة المسيرات الاستطلاعية في سماء المعركة إلى جعل ميدان القتال "شفافاً"، حيث يصعب تحريك أي بطارية مدفعية دون رصدها حرارياً أو بصرياً. استجابة لذلك، تطورت الحرب الإلكترونية (EW) لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الدفاع عن المدفعية، حيث تعمل أجهزة التشويش على حماية المدافع من المسيرات وتعطيل إشارات "GPS" التي تعتمد عليها القذائف الموجهة المعادية. وبشكل مثير للاهتمام، أثبتت التجربة أن المدافع المقطورة قد تكون أحياناً أكثر قدرة على البقاء في مواجهة المسيرات إذا تم تمويهها جيداً داخل خنادق مغطاة، لأنها تفتقر إلى التوقيع الحراري الكبير للمحركات الذي تمتلكه المدافع ذاتية الحركة.

سلاح المدفعية في العالم العربي: صفقات وتحولات استراتيجية

تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق استثماراً في سلاح المدفعية الحديث، مدفوعة بالنزاعات الإقليمية والحاجة لتعزيز الردع التقليدي. تبرز جمهورية مصر العربية كنموذج رائد في هذا المجال من خلال صفقة المدافع الكورية الجنوبية "K9 Thunder" بقيمة 1.7 مليار دولار، والتي لا تقتصر على مجرد الشراء بل تشمل "نقل التكنولوجيا" والتصنيع المحلي في "مصنع 200" الحربي. يتميز المدفع الكوري، الذي سُمي بنسخة "K9A1 EGY"، بمحرك محلي كوري بقوة 1000 حصان أثبت كفاءة عالية في الاختبارات الصحراوية القاسية لمسافة 10 آلاف كيلومتر، كما تم تطوير نسخة خاصة للقوات البحرية المصرية للدفاع الساحلي، وهو ما يمثل نقلة نوعية في قدرات الجيش المصري.

من جهة أخرى، استثمرت المملكة العربية السعودية بشكل كبير في مدافع "CAESAR" الفرنسية المدولبة، والتي أثبتت فاعلية كبيرة في العمليات الحدودية بفضل سرعتها في الانتشار والانسحاب. كشفت الدروس المستفادة من النزاع في اليمن عن أهمية المدفعية في فرض مناطق عازلة، ولكنها أظهرت أيضاً أن الاعتماد على المدفعية التقليدية دون استخبارات دقيقة وطائرات استطلاع يجعلها أداة "غير دقيقة" ضد التهديدات غير المتماثلة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية. كما تسعى الإمارات العربية المتحدة لتحديث ترسانتها من خلال دمج الأنظمة الكورية الجنوبية والصينية في شبكة "قيادة وسيطرة" رقمية موحدة لتعزيز دقة النيران المشتركة.

التحديات اللوجستية وتكلفة دورة الحياة

إن اختيار نوع المدفع ليس قراراً عسكرياً فحسب، بل هو قرار اقتصادي ولوجستي بامتياز. تتطلب المدافع ذاتية الحركة جيشاً من الفنيين المتخصصين في الميكانيكا والهيدروليك والبرمجيات، وتستغرق دورة تدريب طاقمها حوالي شهرين، مقارنة بـ 2-3 أسابيع فقط للمدافع المقطورة. كما أن استهلاك الوقود يمثل عبئاً هائلاً؛ فالأنظمة المجنزرة تستهلك كميات ضخمة من الديزل والزيوت، وتتطلب قطع غيار دورية للجنازير وأنظمة التعليق التي تتعرض لضغط هائل أثناء الرماية والحركة.

في المقابل، توفر المدافع المقطورة مرونة في إدارة الموارد؛ فإذا تعطلت الشاحنة التي تجر المدفع، يمكن ببساطة استبدالها بأي شاحنة أخرى أو حتى مركبة دفع رباعي قوية في حالات الطوارئ. هذا "التنوع اللوجستي" يجعل المدافع المقطورة خياراً مثالياً في الحروب الطويلة والاستنزافية حيث قد تنهار سلاسل الإمداد المتخصصة. ومع ذلك، فإن الفعالية القتالية للمدافع ذاتية الحركة قد تعوض هذه التكاليف؛ حيث تشير البيانات إلى أن نظاماً مثل "RCH 155" الألماني يحتاج إلى عدد جنود أقل بنسبة 83% لتنفيذ نفس المهمة القتالية مقارنة بالبطارية التقليدية، مما يقلل من الفاتورة البشرية والطبية في زمن الحرب.

مستقبل المدفعية: نحو الأتمتة والمدى الممتد

يتجه مستقبل سلاح المدفعية نحو ثلاثة محاور رئيسية: المدى الطويل، والأتمتة الكاملة، والذخائر الذكية. تسعى المشاريع الحديثة مثل "L60" لتطوير سبطانات بطول 60 عياراً (حوالي 9.3 متر) للوصول إلى مدى يتجاوز 80 كيلومتراً باستخدام قذائف تقليدية، وهو ما يضع المدفعية في منافسة مباشرة مع الأنظمة الصاروخية قصيرة المدى. كما أن تطوير مقذوفات مثل "XM1113" التي تستخدم محركات صاروخية مساعدة سيمكن المدافع من ضرب أهداف على بعد 70 كيلومتراً بدقة عالية.

أما على صعيد الأتمتة، فإن التوجه يسير نحو المدافع "غير المأهولة" أو المدارة عن بُعد؛ حيث يتم فصل الطاقم عن منطقة الذخيرة والمدفع تماماً ووضعهم في كبسولة مدرعة محمية، بينما يقوم روبوت داخلي بعمليات التلقيم والتوجيه. هذا التصميم، كما في "RCH 155"، يزيد من فرص بقاء الطاقم حتى لو تعرض المدفع لإصابة مباشرة. أخيراً، سيؤدي دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة إدارة النيران إلى خلق "محيط استشعار-رماية" لحظي، حيث يتم تحليل البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والمسيرات ورادارات الكشف وتوجيه المدافع آلياً نحو الأهداف الأكثر تهديداً في غضون ثوانٍ معدودة.

يظهر التحليل المعمق للمرصد العسكري العربي أن المفاضلة بين المدافع المقطورة والمدافع ذاتية الحركة ليست صراعاً بين "القديم" و"الحديث"، بل هي موازنة دقيقة بين "الكتلة النارية" و"الحركية الحذرة". تظل المدافع المقطورة خياراً اقتصادياً واستراتيجياً لا غنى عنه في حروب الاستنزاف وفي المناطق التي تتطلب نقلاً جوياً سريعاً، بينما تمثل المدافع ذاتية الحركة العمود الفقري للقوات المناورة التي تسعى للبقاء والفتك في ساحات معارك القرن الحادي والعشرين الرقمية. إن الجيش الناجح هو الذي يستطيع دمج كلا النوعين ضمن منظومة قيادة وسيطرة مرنة، مستفيداً من دروس الحرب في أوكرانيا وتحديات المسيرات الانتحارية، لضمان أن تظل "ملكة المعارك" مسيطرة على الميدان في المستقبل.

المصادر:

  1. المرصد العسكري - EBSCO: تاريخ المدفعية وتطور استخدام البارود في الحروب.

  2. KedGlobal: تفاصيل صفقة مدافع K9 Thunder بقيمة 1.7 مليار دولار لمصر.

  3. ويكيبيديا: المدفعية ذاتية الحركة (Self-propelled artillery) والأنظمة locomotive.

  4. Defense News: تحليل كفاءة نظام RCH 155 الألماني أمام رادارات كشف المدفعية.

  5. Military History Fandom: تطور مدفعية الخيالة وبدايات المدافع ذاتية الحركة في الحرب العالمية الأولى.

  6. The Armory Life: تطور المدفعية الأمريكية (M7 Priest) خلال الحرب العالمية الثانية.

  7. ويكيبيديا: المواصفات التقنية لمدفع M777 الأمريكي والذخائر الموجهة (Excalibur).

  8. Washington Institute: الدروس المستفادة من استخدام مدافع CAESAR في حرب اليمن.

  9. Reddit - WarCollege: التحليل اللوجستي لصيانة المدافع المقطورة مقارنة بالذاتية.

  10. RCA-ARC: دراسة حول بقاء المدفعية المقطورة أمام تهديدات الدرونات والرادارات الحديثة.

  11. Dupuy Institute: مقارنة معدلات الخسائر بين المدفعية المقطورة والذاتية في النزاعات عالية الكثافة.

  12. Research and Markets: توقعات سوق أنظمة المدفعية العالمية وآفاق التحديث الرقمي.

  13. Carmenta Geospatial: تكتيكات "الإطلاق والفرار" (Shoot-and-Scoot) واستراتيجيات الموقع.

  14. Euro-SD: التوجه العالمي نحو المدافع المدولبة (Wheeled Artillery) ومزاياها الاستراتيجية.

  15. SkyQuest: مستقبل المدفعية الذكية وأنظمة إدارة النيران المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

  16. YouTube - التحول العسكري: فيديو تحليلي عن القدرات التصنيعية المصرية في "مصنع 200".

  17. ResearchGate: الأثر التقني للمحركات الكورية الجنوبية STX على استقلالية أنظمة K9.

  18. Comw.org: مقارنة منهجية بين الحركية العملياتية للأنظمة المجنزرة والمدولبة.

  19. Poongsan Corporation: تطوير قذائف المدى الممتد (ERM-HE) لتصل إلى 60 كيلومتر.

  20. Army-Technology: صفقات Hanwha في الشرق الأوسط (IDEX 2025).

  21. Daimler Ferret: الجدل اللوجستي حول استهلاك الوقود وتآكل الجنازير.

  22. Christian Baghai - Medium: تطور تكتيكات المناورة في البطاريات المدفعية الحديثة.

  23. VPK Name: تقييم آفاق المدفعية المقطورة في الجيوش المعاصرة.

  24. Naval Research Logistics: النمذجة الرياضية لتكتيكات التمركز المدفعي.

  25. EDR Magazine: التحول نحو السبطانات الطويلة (L52) وتأثيرها على المدى.

  26. War on the Rocks: دروس استنزاف الذخيرة وإعادة البناء العسكري في أوكرانيا.

  27. CHACR: تطور نظام "رصد-رماية" الروسي واستخدام القذائف الموجهة (Krasnopol).

  28. Inside Unmanned Systems: أثر مسيرات FPV على شفافية ميدان المعركة.

  29. CNAS: الفجوة الاقتصادية بين تكلفة الدرونات وتكلفة الأنظمة المدرعة.

  30. Land Power Forum: أساطير وواقع حرب المسيرات في أوكرانيا.

  31. USMCU Press: التحديات الوظيفية للطواقم في ظل الانتشار الكثيف للدرونات.

  32. GCSP: عشرة دروس من حرب أوكرانيا حول تكتيكات القرن الحادي والعشرين.

  33. SIPRI: اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي وزيادة الطلب على أنظمة المدفعية.

  34. MarketsandMarkets: سوق الذخيرة في الشرق الأوسط وتوقعات 2026-2031.

  35. Stratfor: تقييم أداء القوات البرية في المناطق الحدودية الوعرة.

  36. ME Forum: الصراعات الإقليمية وأثرها على صفقات التسلح في الخليج.

  37. Zona Militar: استلام مصر لأول دفعة من مدافع K9 المصنعة محلياً.

  38. IAI: أثر الرادارات الأرضية والأقمار الصناعية على كشف تمركزات المدفعية.