الحرب الكهرومغناطيسية: ما هي ولماذا تسعى الجيوش للسيطرة على الطيف؟
الحرب الإلكترونية والسيبرانية


الحرب الكهرومغناطيسية هي العمل العسكري الذي يستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية لقطع اتصالات العدو أو مهاجمته، وهي تشكل اليوم أحد مجالات المعارك الحاسمة غير المرئية. في الحروب الحديثة باتت القدرة على ضبط «الطيف الكهرومغناطيسي» مرادفًا لهيمنة العمليات، فالجيوش التي تسيطر على الطيف تنقل بياناتها وتواصلها دون انقطاع، بينما تحرم الخصم من هذه القدرة. تكشف التجارب الأخيرة (في أوكرانيا وغزة والبحر الأحمر وغيرها) أن التشويش على الاتصالات والرادارات وتوجيه الأسلحة باستخدام تقنيات مثل التشويش (jamming)، وخداع الإشارات (spoofing)، والأسلحة النبضية EMP والليزر، يمكن أن يقرر مصير المعركة. خلاصة القول، الجيوش تتجه نحو السيطرة على الطيف لأن «المعركة غير المرئية» في هذا المجال قد تحدد مستقبل الصراع، وتجعل الجندي والأداة يعملان بثقة في بيئة إلكترونية آمنة.
في العقد الأخير تحوّلت الجيوش الحديثة إلى قوى رقمية معتمدة على شبكات اتصالات ورادارات وأقمار صناعية وأنظمة ملاحة. ومع هذا الاعتماد المتزايد، أصبح التحكّم بالطيف الكهرومغناطيسي ضرورة إستراتيجية. عمليًا، أي تواصل ميداني (من اتصالات راديوية وهاتفية إلى التوجيه الفضائي GPS واستخدام الطائرات دون طيار) يحدث عبر الطيف. فإذا فقد الجيش السيطرة على هذا المجال، يصبح «أعمى إلكترونيًا» تحت نيران الخصم. تبرز أهمية الموضوع اليوم من خلال تجارب الحرب، فكما يقول محللون: «السيطرة على هذا الفضاء غير المرئي يمكن أن تقرر نتائج الصراع».
المفهوم بات واضحًا: الحرب الكهرومغناطيسية ليست مجرد حجب إشارات؛ إنها استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية لتسريع جهودنا الدفاعية والهجومية وتأمين تفوقنا المعرفي. حلف الناتو يعرّفها بأنها أنشطة عسكرية «تستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية لتوفير الوعي بالموقف العملياتي ولخلق تأثيرات هجومية ودفاعية». بمعنى آخر، أي هجوم على رادار، أو تشويش على الاتصالات والملاحة، أو عمل تشويهي لإخفاء مواقع، أو تجميع معلومات استخباراتية عبر الطيف هو جزء من هذه الحرب. وبما أن كل ساحة معركة حديثة (جوًا، بحرًا، أرضًا، فضاءًا، وحتى الفضاء السيبراني) تعتمد على الطيف، فإن نجاح العملية يعتمد على سيطرته.
الخلفية والتطور التاريخي
الحرب الكهرومغناطيسية ليست جديدة: فقد كان للترددات دور منذ أوائل القرن العشرين. في حرب اليابان ضد روسيا (1905) مثلاً، ساهمت «الاستطلاعات اللاسلكية» في انتصار اليابان؛ ومثلها استخدم الحلفاء الرادارات واختراق الشفرات (مثل «إنيغما») في الحرب العالمية الثانية. تلا ذلك موسم طويل من التنافس البارد عبر الإشارات، حيث قام الأطراف بتشويش بثّ الإذاعات المعادية. كذلك في 1973، أبدت مصر وإسرائيل استخدام أولي لتشويش صواريخ التوجيه في حرب أكتوبر. وفي حرب الخليج 1991 تعرّضت أنظمة الملاحة GPS للتشويش من قبل العراق.
بعد هذين الجيلين التركيز تراجع مع الحروب ضد التمرد في أفغانستان والعراق (2001–2020)، حين انصرف الغرب عن تطوير قدرات EW بعمق. لكن الصدامات الأخيرة أعادت إحياء الاهتمام: سواء في القوقاز (كاراباخ 2020)، أو حرب أوكرانيا (2022) التي كشفت تفوّق روسيا في الإشارات، أو حتى في غزة والصراع الحوثي في البحر الأحمر. بات واضحًا أن «المعرفة والسيطرة على EMS (الطيف الكهرومغناطيسي) ضرورة أساسية للجيوش الرقمية تحت القصف».
مع بزوغ العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين غدت أنظمة الحرب الكهرومغناطيسية دَيكًا بارزا في منطق القتال. فروسيا حافظت على استثماراتها منذ التسعينات وطوّرت شبكات EW ضخمة (مئات الرادارات وآلاف الأفراد والأنظمة مثل “Krasukha”). وبدأ الغرب يعيد ترتيب أوراقه بسرعة، مدفوعًا بهزائمه الميدانية القريبة في الطيف.
الجانب التقني
تعريف الطيف الكهرومغناطيسي: يشمل الطيف جميع ترددات الإشعاع الكهرومغناطيسي من الموجات اللاسلكية (الراديو والمايكروموج) مرورًا بالأشعة تحت الحمراء والمرئية وحتى الأشعة السينية والغاما. عسكريًا، تركز جهودنا على نطاقات الراديو والمايكروموج (MHz وGHz) لأن معظم الاتصالات والرادارات وأنظمة الملاحة تعمل فيها. الطيف إذًا هو «محرك حرب» غير مادي؛ أي خلل به يوقف الأدوات الميدانية (طائرات بدون طيار، رادارات مضادة، أو أنظمة قيادة والسيطرة).
أشكال الحرب الكهرومغناطيسية: هنالك ثلاثة فروع رئيسية (وفق مصطلح DoD):
الهجوم الكهرومغناطيسي (EA – Electromagnetic Attack): أي بث إشارات مزعجة أو حزم موجية تستهدف تعطيل أجهزة العدو. ويشمل التشويش (jamming) وهو توليد ضوضاء واسعة النطاق تحجب الإشارة الأصلية؛ وتقنيات التكرار الرقمي (DRFM) التي تلتقط إشارة رادار العدو رقميًا ثم تعيد بثها لاحقًا مما يخدع الرادار ويضلله. كذلك يتضمن الهجوم «خداع الإشارات (spoofing)» مثل إغراق نظام التوجيه GPS بإشارات مزيّفة لخطئ تحديد المواقع. وأخيراً الأسلحة النبضية (EMP) التي تولد نبضة كهرومغناطيسية مفاجئة (نووية أو غير نووية) لتعطيل الأجهزة الإلكترونية المعادية.
الدفاع الكهرومغناطيسي (EP – Electromagnetic Protection): الإجراءات المساندة لحماية أنظمتنا من استهداف العدو. يتضمن ذلك مضادات التشويش والرصد المبكر للهجمات على الطيف.
الدعم الكهرومغناطيسي (ES – Electromagnetic Support): جمع المعلومات عن إشارات العدو (كالرادارات والاتصالات) وتحليلها لتحديد أماكن العدو ونوع أنظمته.
أدوات وأنظمة السيطرة على الطيف: تتنوع ماكينات الحرب الكهرومغناطيسية بين مركبات ومعدات ثابتة ومحمولة. على سبيل المثال، تستخدم الطائرات وصواريخ الـ“كروز” مضادات رادار (Anti-Radiation Missiles) تصيب مصدر الإشارة مباشرة؛ أما السفن الحربية فتجهز بأنظمة EW متكاملة (مثل منظومة AN/SLQ-32 على مدمرات أميركية) تبث تشويشًا على نطاق واسع لصد صواريخ كروز الجوية. وتطوّر عدة دول الآن أسلحة الليزر عالية الطاقة والأسلحة الميكروويفية عالية الطاقة (HPM) التي يمكنها تعطيل إلكترونيات العدو بشكل فوري. على سبيل المثال، جرى اختبار الولايات المتحدة لنسخة غير نووية من سلاح EMP عالي الطاقة (HiJENKS) يقصف معدات العدو بنبضة قوية دون تفجير نووي.
أمثلة تقنية: ـ رادارات معاديّة: مثل الرادارات الروسية “Murmansk-BN” بمدى 300 كم لتعطيل الاتصالات عالية التردد؛ وأنظمة “Krasukha-4” المحمولة أرضيًا لتعطيل الأقمار الصناعية المراقبة. ـ طائرات هجومية: طائرات MiG-31 المعدّلة الروسية والمجهزة بمنظومات EW ضخمة تشوش اتصالات الأعداء على مدى مئات الكيلومترات. ـ منظومات جوية: مروحيات مثل Mi-8MTPR-1 تحمل رادار تشويش للشطر العلوي من المجال الجوي. ـ أنظمة ملاحة: أجهزة GPS محصّنة ضد التشويش (Anti-Jam GPS) لجعل الصواريخ تقاوم المحاولات المعادية. بدوره، يستخدم العدو تقنيات مقاومة مشابهة.
ترجمة المصطلحات الأجنبية: عند ورود كلمات مثل EW (Electronic Warfare) أو EMP (نبضة كهرومغناطيسية) أو DRFM أو jamming – سنشرحها حسب السياق، كما في هذا القسم، لتوضيح الدور الذي تؤديه في حرب الطيف.
التطبيقات العسكرية الحالية
في النزاعات المعاصرة ظهر الطيف كميدان قتال بحد ذاته. نشير إلى بعض الأمثلة البارزة:
الحرب الروسية في أوكرانيا (2022-2024): حققت روسيا تقدمًا ملحوظًا في استخدام الحرب الكهرومغناطيسية. فقد لعب التشويش على اتصالات القيادة والسيطرة والتعمية على أنظمة تحديد المواقع دورًا محوريًا. على سبيل المثال، أفادت تقارير بأن منظومات GPS الأوكرانية التي تعمل بها صواريخ دقيقة من طراز HIMARS أصبحت «غير فعّالة تمامًا» بسبب التشويش الروسي المكثف. ونتيجة لذلك، سارعت القوات الغربية لإضافة أجهزة مضادة للتشويش إلى قذائفها وراجمات الصواريخ. تلجأ روسيا في أوكرانيا إلى العزل الإلكتروني لوحدات الأوكرانيين قبل قصفها بالمدفعية، وكذلك لتعطيل طائرات الدرون الأوكرانية عبر تشويش راداراتها وأنظمة GPS على حد سواء.
حرب غزة 2025 (إسرائيل–حماس): تكشّفت تحديات جديدة في الصراع الأخير. إذ كشفت مصادر إسرائيلية أن حماس عملت على نشر طائرات بدون طيار (مسيرات) تعتمد على توصيل بصري بكابلات ليّفية (FPV) بدلًا من الاتصال اللاسلكي. هذه «الدرونات الليفية» تنقل الفيديو والتحكم عبر كابل، مما يجعلها محصّنة عمليًا ضد أي محاولة تشويش إلكتروني. وفي الهجوم الأول لحماس في أكتوبر 2025، قُدمت هذه الدرونات لــ«تعميّة» وحدات المشاة الإسرائيلية وتشويش أنظمة المراقبة لديهم. أظهر هذا المثال أن الابتكارات التقنية يمكن أن تخلّف فجوات في الشبكات الدفاعية التقليدية.
الحرب في البحر الأحمر واليمن: مع تصاعد هجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية والناقلات في البحر الأحمر بين 2021–2024، اضطرت القوات البحرية الأمريكية والبريطانية إلى استخدام وسائل «غير قتالية» للدفاع. ففي عدة حوادث، أبلغت البحرية عن إسقاط طائرات مُسيرة حوثية باستخدام أنظمة حرب إلكترونية وموجات عالية الطاقة بدلًا من الصواريخ أو المدافع. فعلى سبيل المثال، استخدم مدمرات أميركية (USS Mason وUSS Gravely) «تأثيرات غير قتالية» غامضة لإعتراض وتحييد طائرات حوثية بين نوفمبر 2023 ومارس 2024. وقد تضمنت قدرات هذه السفن أنظمة تشويش متطورة تنشر ضوضاء إلكترونية في ترددات التواصل الخاصة بالطائرات المهاجمة. كما جهّزت سفن بحرية أوروبية وأنظمة الدفاع الساحلي بتشويشات وحزم ليزرية عالية الطاقة رداً على إطلاق الحوثيين صواريخ ومسيرات في المنطقة.
عسكرة الطيف ضد الجيوش التقليدية: في تدريبات الناتو الحالية، يتم إبراز أن التحكم بالطيف الكهرومغناطيسي يعادل السيطرة على الأجواء. فبذل الجهد لإشعاع إشارة معادية يؤدي إلى استهدافها بالأسلحة. تظهر التقارير الحديثة أن الجيوش الكبرى (كالولايات المتحدة وروسيا والصين) تعمل على بناء قدرات EW شاملة: رادارات متقدمة، وتعزيز قدرات الطائرات الحربية للاشتباك الإلكتروني، وتطوير أسلحة EMP/DEW. التقنيات الدفاعية تتطور أيضًا؛ فالقادة العسكريون يشددون على تجديد أجهزة الملاحة بعوامل حماية وإطلاق تدريبات إلكترونية منتظمة .
التحديات والقيود
بالرغم من أهميتها، تواجه الحرب الكهرومغناطيسية عدة تعقيدات:
قانونية ودولية: لا توجد حتى الآن اتفاقيات دولية خاصة بتحريم التشويش الإلكتروني بحد ذاته، لكن هناك حدوداً عامة للقانون الدولي الإنساني. فالأسلحة التي تسبّب دمارًا هائلاً (كالسلاح النووي) محظورة، ومن ضمنها الأسلحة النووية التي تُنتج نبضة EMP واسعة النطاق. إنما الأسلحة الكهرومغناطيسية المتطورة ليست ملوثة إشعاعيًا بطبيعتها وعادةً ما تُصنّف كسلاح تقني عادي ضمن قواعد الحرب. لكن استخدام التشويش الواسع قد يقترب من الحظر إن تسبب في إصابة مواطنين أو تعطيل بنية تحتية حرجة. مثلاً، تشويش أنظمة الملاحة المدنية أو الاتصالات المحلية بشكل عشوائي يمكن أن يُعتبر استهدافًا للبنية المدنية المحمية بالقانون الدولي. وإجمالًا: الاستخدام التكتيكي للـEW مسموح بشرط الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب؛ أي عدم إضرار الأبرياء أو المرافق المدنية بشكل كبير.
الأخلاقية والإنسانية: ترتبط المخاوف أيضًا بالتأثير على المدنيين. تشويش الملاحة أو الاتصالات قد يعرقل خدمات الطوارئ أو يسبب حوادث جوية وإنذارات خاطئة. وبرغم أن التشويش والاعتراض تظل مؤقتة وغير مميتة في العادة، إلا أن انهيار الاتصالات يشكل خطراً إنسانيًا أحيانًا. ولهذا، تسعى الجيوش لوضع ضوابط داخلية لتفادي الفوضى مثل تخصيص ترددات طوارئ أو اختبار الأنظمة مسبقًا.
تقنية ومدى: أقصى فعالية للتشويش تحدث ضمن نطاق محدود (خط نظر، وسط خالٍ من العوائق). المحطات الضخمة مثل رادارات تشويش بقدرة عالية يمكنها التأثير على مدى مئات الكيلومترات، لكن التنقل بهذه المعدات غير عملي دائمًا. كما يتطلب إنتاج موجات كهرومغناطيسية عالية الطاقة استهلاكًا ضخمًا للطاقة، ما يقيد استخدامها في الميدان. وبالإضافة، تطور خصومنا أساليب تجنب التعرض (مثل استخدام أنظمة ملاحة بالقصور الذاتي بدل GPS، أو كما رأينا الدرونات الليفية). علاوة على ذلك، ازدحام الطيف بشبكات الاتصالات المدنية والعسكرية يجعل تنسيق استخدامه معقدًا، فالعديد من التطبيقات العسكرية الآن تتنافس على أجزاء محدودة من الترددات.
الأمن السيبراني والتداخلات: بالرغم من اختلافها عن الحرب الإلكترونية (cyberwarfare)، إلا أن حرب الطيف قد تتشابك معها؛ فمثلاً إذا اخترق العدو مركز قيادة يستطيع جافًا وقف إشعاع أو تشويش. بالمقابل، يمكن للأنظمة الإلكترونية المعادية التأثير على جنگور النطاق عبر البرمجة أو التصيّد الإلكتروني. باختصار، السيطرة على الطيف تتطلب حماية إلكترونية واعية.
دراسات حالة بارزة
أوكرانيا 2022–2024: كما ذكرنا، أثبتت الحرب الأوكرانية أن فقدان السيطرة على الطيف يعني تعطيل أسلحة دقيقة. إضافة إلى تشويش GPS على HIMARS، استخدم الطرفان مسيرات استشعار معادية وأساليب خداع الطيف. تقريرٌ صدر عن الكونغرس الأميركي عام 2022 صنف EW كدعامة رئيسية لأعمال الحرب الإلكترونية، مشددًا أنها تسمح للقائد بالاتصال بقواته بينما تحرمه عن العدو. بعبارة أخرى: إتاحة الطيف لقواتنا وحجبه عن العدو صار هدفًا إستراتيجيًّا محوريًّا.
قضية درونات غازية (إسرائيل 2025): في أكتوبر 2025، أصبحت الدرونات الليفية محور نقاش عسكري. استغلت حماس هذه التقنية في ضربات أولى، حيث استخدمت المسيرات لنقل تغذية فيديو حية عبر كابلات إلى مشغليها، ما جعلها «مناعة كاملة» ضد أي محاولات تشويش. درسُ هذه الحالة: حتى أفضل الأنظمة الإلكترونية يمكن أن تُخدع بتقنيات بديلة تنقل البيانات خارج الطيف. لذلك عمدت قوات الدفاع الإسرائيلية لاحقًا إلى تحسين أنظمة المراقبة البصرية وتقنيات الكشف الأخرى، وليس الاعتماد الكلي على EW.
المسيرات البحرية الحوثية (البحر الأحمر 2021–2024): صعد الحوثيون استخدام طائرات مسيرة بحرية وصواريخ كروز لاستهداف السفن التجارية. ردًا على ذلك، عمد الأسطول الأميركي والبريطاني إلى تجربة سبل قتالية غير تقليدية. وفق تحقيقات، استخدمت السفن المدمرة الأميركية خلال مهمة عام 2023–2024 أنظمة تشويش متقدمة وعدة هجمات طاقة موجهة لإسقاط المسيرات الحوثية بعيدًا عن استخدام الأسلحة التقليدية. تشير هذه العمليات إلى أن البحرية تُدرب الآن سفنها على إطلاق «صواريخ إلكترونية» (تشويش) بدلاً من الصواريخ الحربية، مما يوفر وقتًا وسعة تخزين بالإضافة إلى تجنب المخاطر الناتجة عن الدمار الجسدي.
الحرب النفسية والتضليل الكهرومغناطيسي: تبرز ظواهر جديدة مثل التضليل البصري من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد استُخدمت الخوارزميات لإنشاء صور ومقاطع فيديو مزيفة بهدف خداع منظومات الرصد المستقلة (كاميرات ذكية، طائرات مراقبة). هنا تتقاطع الحرب الكهرومغناطيسية مع أمن المعلومات: إذا حصل العدو على مقاطع زائفة للحركة (مثلاً باستبدال لقطات طائرات حقيقية بصورية)، فقد يُشتت انتباه منظوماتنا ويتم توجيه الطائرات المسيرة إلى أهداف وهمية. هذا الأمر يرفع من أهمية كشف أنماط المعلومات المزيّفة ضمن جهد EW الأوسع.
الاتجاهات المستقبلية والتوصيات
البيئة الرقمية تسير بوتيرة سريعة، ومعها تتسارع الابتكارات في حرب الطيف. نتوقع في القريب: الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي العسكري سيندمج مع EW ليصنع ذكاءً اصطناعيًا في الطيف: أنظمة قادرة على تعلم تشفير إشارات العدو وكشفها ثم الرد في الزمن الحقيقي. كما قد تنتشر شبكات الاستشعار واسعة النطاق (Wide-Area RF Sensing) التي تربط العديد من المجسات الموزعة لتوفير إنذار مبكر ضد هجمات الطائرات المسيرة أو محاولات التشويش الإقليمي. على المستوى المكوّن: ستبرز أسلحة الطاقة العالية (مسدسات المايكروويف، ليزرات الليفة الضوئية) لتدمير الأهداف الإلكترونية من بعد دون ضجيج.
نوصي الجيوش العربية بعدة خطوات: تعزيز التدريب والتدريب المشترك على أعمال EW في المناورات، بما يُكوّن خبراء محليين. الاستثمار في معدات حديثة: أنظمة رصد الطيف (ESM/RF sensors)، جواهرية الـGPS المقاومة للتشويش، وأجهزة تشويش محمولة. تطوير بنية تحتية تقنية موحدة لمشاركة المعلومات: مثلاً، دمج رادارات أرضية مع أقمار صناعية استشعار لتكوين «خريطة طيف حية» واضحة. دمج الموقف مع مجال الأمن السيبراني: لأن أي اختراق إلكتروني قد يربك نظم EW. تحسين التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات حول نشاطات التشويش المعادي، فالموجات لا تعترف بالحدود.
فضلاً عن ذلك، يتعين على المطوّرين تحري الدقة في تصميم أسلحتهم للحد من التأثير على المدنيين. ودراسة تشريعات عربية موحدة تنظم استخدام EW في الحروب (مثل إنشاء قوائم ترددات محظورة للتشويش المدني). كذلك يُنصح بتأمين البنية التحتية الأساسية ضد هجمات الطيف: شبكات كهرباء ذكية تقاوم نبضات EMP، وأنظمة اتصالات طوارئ تعمل على ترددات آمنة أو عبر أقمار محصنة.
الحرب الكهرومغناطيسية اليوم هي حرب معلومات بالأساس، وفرصة ونقطة ضعف في آنٍ واحد. لم تعد السيطرة على الطيف رفاهية بل شرط إجباري، والمشاهد الميدانية تشير إلى أن من فقدت هذه السيطرة قد تجد أسلحته مشلولة ومشغليه معزولين. كما يقول محللون: «الطيف هو ميادِنناّ الخفيّة الجديدة». الجيوش العربية وكل العِلماء العسكريين مدعوون الآن لفهم هذه الحرب وتبني أدواتها؛ فالجاهزية الإلكترونية قد تُصنع الفارق بين النصر والهزيمة في الصراعات القادمة.
عنوان صورة الغلاف المقترح: "المعركة غير المرئية: السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي"
وصف الصورة: خَيال فني لمشهد حرب إلكترونية: رادار عسكري أو هوائي ضخم ينبعث منه حزم من الأمواج الضوئية والميكروويف المتلألئة في الفضاء، تعبر نحو قمر صناعي أو منصة قتالية مجهولة، لتجسِّد فكرة معركة الطيف الخفية التي تحدث فوق رؤوسنا.
المراجع
NATO, “Electromagnetic warfare” (الموقع الرسمي لحلف الناتو، تحديث 22 مارس 2023).
Patience Wait, “Bringing U.S. Dominance to the Spectrum”, AFCEA Signal, 1 أغسطس 2024.
U.S. Department of Defense, “Electromagnetic Spectrum Superiority Strategy”, أكتوبر 2020.
Clara Le Gargasson و James Black, “Electromagnetic Warfare: NATO’s Blind Spot Could Decide the Next Conflict”, RAND, 24 نوفمبر 2025.
Linus Höller, “US, allies rush to refit their big guns with GPS protections”, Defense News، 13 مارس 2025.
Jake Epstein, “US destroyers in the Red Sea conflict defeated enemy weapons without firing a shot”, Business Insider، 6 فبراير 2025.
Amir Bohbot, “Hamas likely possesses, uses fiber-optic drones”, Jerusalem Post، 29 مايو 2026.
Thomas Withington, “Special Report: RF Sensing & Electronic Warfare in the Middle East”, Armada International، 6 مارس 2026.
Robert Lawless و Hitoshi Nasu, “Electronic Warfare and the Law of Armed Conflict”, Lieber Institute (West Point)، 28 أكتوبر 2024.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
