القوات الخاصة في حروب الظل: استخدام القوة عندما لا تُعلَن المسؤولية

العمليات الخاصة

A.M

1/22/20261 min read

a man riding a skateboard down the side of a ramp
a man riding a skateboard down the side of a ramp

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة توسعًا ملحوظًا في استخدام القوات الخاصة ضمن ما يُعرف بـ«حروب الظل»، وهي أنماط من الصراع المسلح تُدار تحت عتبة الحرب التقليدية، وتُنفَّذ دون إعلان رسمي للمسؤولية السياسية أو العسكرية. يهدف هذا المقال إلى تحليل الدور المتزايد للقوات الخاصة في هذا النوع من النزاعات، وبيان أسبابه الاستراتيجية، وأبعاده القانونية والسياسية، إضافة إلى تقييم مخاطره بعيدة المدى على النظام الدولي واستقرار العلاقات بين الدول.

لم يعد الصراع المسلح في النظام الدولي المعاصر مقتصرًا على الحروب المُعلنة بين الدول، بل بات يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وغموضًا. في هذا السياق، برزت «حروب الظل» كأداة مفضلة لتحقيق أهداف استراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. وتُعد القوات الخاصة العنصر التنفيذي الأبرز في هذا النمط من الصراع، نظرًا لقدرتها على العمل بسرية، وبصمة محدودة، ومرونة قانونية وسياسية نسبية.

1. الإطار المفاهيمي لحروب الظل

تُعرَّف حروب الظل بأنها أنشطة عسكرية أو شبه عسكرية:

تُنفَّذ خارج إطار إعلان الحرب الرسمي

تقع تحت عتبة النزاع المسلح التقليدي

تعتمد على قابلية الإنكار السياسي (Plausible Deniability)

تشمل هذه الأنشطة عمليات دعم غير معلن، ضربات محدودة، مهام استخباراتية ذات طابع قتالي، أو تدخلات موضعية عبر قوات خاصة أو وكلاء محليين.

تشير دراسات صادرة عن مراكز أبحاث استراتيجية إلى أن غالبية النزاعات المسلحة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تضمنت عناصر من هذا النمط غير المعلن، ما يعكس تحوّلًا هيكليًا في طريقة استخدام القوة في العلاقات الدولية.

2. القوات الخاصة كأداة مركزية في حروب الظل

تمتلك القوات الخاصة خصائص تجعلها الأداة الأنسب لإدارة حروب الظل، أبرزها:

2.1 الحجم والبصمة المنخفضة

تعمل القوات الخاصة ضمن تشكيلات صغيرة نسبيًا، ما يقلل من الظهور العسكري، ويحد من ردود الفعل السياسية والإعلامية.

2.2 المرونة التشغيلية والقانونية

غالبًا ما تُدار مهام القوات الخاصة ضمن أطر قانونية مختلفة عن العمليات العسكرية التقليدية، مثل:

تفويضات أمن قومي

أوامر سرية

عمليات مشتركة مع أجهزة استخبارات

2.3 قابلية الإنكار السياسي

تتيح طبيعة عمل القوات الخاصة للدول هامشًا سياسيًا يسمح بتجنّب الإقرار الرسمي بالمسؤولية، مع الحفاظ على القدرة على التأثير الميداني.

3. البعد السياسي والاستراتيجي

لا يُمكن فهم حروب الظل بمعزل عن حسابات السياسة الدولية. فاللجوء إلى القوات الخاصة يهدف غالبًا إلى:

تحقيق أهداف محددة دون تصعيد شامل

اختبار ردود فعل الخصوم

إدارة الصراع بدل حسمه

تشير تحليلات استراتيجية إلى أن استخدام القوة غير المعلنة يقلل احتمالية الانزلاق إلى حرب تقليدية، لكنه في المقابل يساهم في إطالة أمد النزاعات منخفضة الشدة.

4. الإشكاليات القانونية والأخلاقية

يثير استخدام القوات الخاصة في حروب الظل جملة من الإشكاليات:

4.1 غموض المسؤولية القانونية

غياب الإعلان الرسمي يخلق إشكالًا في تحديد المسؤولية القانونية عند وقوع أخطاء أو انتهاكات، سواء على مستوى القانون الدولي الإنساني أو المساءلة الوطنية.

4.2 تآكل قواعد النظام الدولي

الاعتماد المتكرر على العمليات غير المنسوبة يُضعف مبدأ سيادة الدول، ويُعيد تعريف مفهوم استخدام القوة خارج الأطر التقليدية.

4.3 المعضلة الأخلاقية

غياب الشفافية والمساءلة العلنية يطرح تساؤلات حول الحدود الأخلاقية لاستخدام القوة، حتى عندما تُبرَّر بدواعٍ أمنية.

5. المخاطر الاستراتيجية بعيدة المدى

رغم الفوائد التكتيكية والسياسية قصيرة الأمد، تحذّر دراسات صادرة عن مراكز بحثية دولية من أن الإفراط في استخدام القوات الخاصة ضمن حروب الظل قد يؤدي إلى:

تطبيع الصراع غير المعلن

خفض عتبة استخدام القوة

زيادة احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي بين الدول

وهو ما قد يفضي إلى نتائج عكسية تتمثل في عدم الاستقرار طويل الأمد.

تُجسّد القوات الخاصة في حروب الظل تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراع المسلح المعاصر، حيث باتت القوة تُستخدم بوصفها أداة سياسية مرنة أكثر من كونها وسيلة حسم عسكري مباشر. غير أن هذا التحول، رغم فعاليته الظرفية، يحمل في طياته مخاطر بنيوية على النظام الدولي، إذا ما تحوّل من استثناء محسوب إلى قاعدة دائمة في إدارة النزاعات.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود حروب الظل بحد ذاتها، بل في كيفية ضبطها، وتقييدها، ومنعها من إعادة تشكيل العلاقات الدولية على أساس الغموض الدائم بدل الاستقرار القائم على القواعد.