الصواريخ الباليستية الإيرانية بعد الحرب بين الاستنزاف وإعادة بناء القدرة الضاربة
أنظمة الدفاع الجوي


دخلت إيران مرحلة ما بعد الحرب وهي تحمل إرث استنزاف مزدوج: أولًا حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025، وثانيًا الحملة الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 وانتهت إلى هدنة هشة في أبريل/نيسان. النتيجة الأساسية ليست “تدميرًا كاملًا” للقدرة الصاروخية، ولا “تعافيًا كاملًا” كما توحي بعض الروايات الدعائية، بل انتقالًا إلى مرحلة وسطى: ترسانة تضررت بوضوح، ومنصات إطلاق ضُربت بكثافة، وبعض البنية الصناعية أصيبت، لكن القدرة الأساسية على الإنتاج والإخفاء والتجديد لم تُمحَ. التقدير الأكثر تحفظًا في المصادر المفتوحة يقول إن ما يمكن تأكيد تدميره يقينًا يبلغ نحو ثلث الترسانة، بينما يشير مسؤول إسرائيلي كبير إلى “تحييد” أكثر من 335 منصة إطلاق، أي نحو 70% من قدرة الإطلاق، في حين تقول طهران إنها أعادت ترميم المنصات وتحديثها بوتيرة أسرع من مرحلة ما قبل الحرب. هذا التباين بحد ذاته هو السمة الأوضح لصورة ما بعد الحرب: ضباب كثيف، لكن من غير الصحيح استنتاج أن القوة الصاروخية الإيرانية انتهت.
المسألة الحاسمة ليست فقط كم صاروخًا خسرته إيران، بل أي نوع من الصواريخ تستطيع إعادة إنتاجه أولًا، وبأي سرعة، وتحت أي ضغط عقابي وسلسلة إمداد. فإيران تمتلك قاعدة تصنيع محلية حقيقية تديرها شبكات مؤسسية داخل القطاع الدفاعي، لكنها ما تزال تحتاج إلى مواد أولية حساسة، وآلات متخصصة، ومكونات توجيه وملاحة وتحكم، كثير منها يأتي عبر شبكات التفاف دولية. لذلك فإن إعادة البناء السريعة تبدو ممكنة في عائلات الوقود الصلب القصيرة والمتوسطة المدى، بينما ستكون أبطأ وأكثر تعقيدًا في الأنظمة الأكبر، والأبعد مدى، والأكثر تطلبًا في المحركات، والمواد المركبة، والملاحة الدقيقة. في الوقت نفسه، غيّرت الحرب نفسها وظيفة الصواريخ: لم تعد أداة تُقاس بالعدد فقط، بل بعلاقتها مع المسيّرات، والتمويه، والمنشآت تحت الأرض، والإطلاق المتحرك، والرؤوس الأكثر قدرة على اختراق الدفاعات. هذا يعني أن ميزان الردع الإقليمي بعد الحرب لن يُبنى على السؤال التقليدي “كم بقي لدى إيران؟”، بل على سؤال أدق: “كم تستطيع إيران أن تُخرج إلى الميدان، وبأي دقة، وبأي قدرة على النجاة من الضربات الاستباقية؟”
صورة الخسائر بعد الحرب
للوصول إلى تقدير مهني، يجب أولًا تعريف “الحرب” المقصودة هنا. هذا التقرير يقصد أساسًا الحرب الأميركية الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، مع الأخذ في الحسبان أن خط الأساس الإيراني نفسه كان قد تآكل جزئيًا في 2024 و2025. فبحسب منصة Iran Watch، كانت إيران قد أنفقت مئات الصواريخ في حرب يونيو/حزيران 2025 وفي جولتي تبادل نار عام 2024، وكانت إسرائيل قد ضربت آنذاك مخزونات، ومنصات إطلاق، وقدرات إنتاج. كما نقلت رويترز عن مسؤولين إسرائيليين أن إيران كانت تملك قبل حرب 2026 نحو 2500 صاروخ باليستي قادر على الوصول إلى إسرائيل، بينما ذكّر Iran Watch بتقدير الجنرال الأميركي كينيث ماكنزي عام 2022 بأن إيران امتلكت “أكثر من 3000” صاروخ باليستي، وهو رقم لا يشمل الصواريخ الجوالة. لذلك فإن أي تقدير لما “بقي” بعد الحرب يجب أن يُعامل بوصفه تقديرًا تقريبيًا لا إحصاءً نهائيًا.
في الجانب المؤكد نسبيًا، أفادت رويترز في 27 مارس/آذار 2026، استنادًا إلى مصادر استخبارية أميركية، بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تؤكد بيقين سوى تدمير نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية، وأن ثلثًا آخر يُعتقَد أنه تضرر أو دُفن داخل منشآت تحت الأرض، بينما بقي ثلث محتمل النشاط. وفي المادة نفسها قال مسؤول عسكري إسرائيلي كبير إن أكثر من 335 منصة إطلاق “حُيِّدت”، وإن ذلك يمثل 70% من قدرة الإطلاق الإيرانية. في المقابل، قال مسؤول في البنتاغون إن الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات انخفضت بنحو 90% منذ بداية الحرب، وإن القيادة المركزية قالت إنها ألحقت ضررًا أو دمرت أكثر من 66% من مرافق إنتاج الصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية الإيرانية. هذه الأرقام لا تتطابق تمامًا، لكن جمعها يقود إلى استنتاج متزن: الحرب أصابت المخزون، وأصابت منصات الإطلاق، وأصابت جزءًا معتبرًا من الصناعة، لكنها لم تكسر شبكات البقاء والاحتياط والانطلاق بالكامل.
المؤشر الثاني المهم هو سلوك النيران خلال الحرب. فقد قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن إيران أطلقت أكثر من 2000 مسيّرة ونحو 500 صاروخ باليستي خلال الأيام الأربعة الأولى من حرب 2026، ثم هبطت الإطلاقات بعد أسبوع بنحو 83% في المسيّرات و90% في الصواريخ الباليستية. هذا لا يعني تلقائيًا نفاد المخزون؛ فهو قد يعني أيضًا أن إيران انتقلت من “القصف الكثيف” إلى “الرمي المحافظ” لتجنّب استنزاف المنصات والذخائر المتبقية. وتحليل CSIS نفسه يلمّح إلى ذلك عندما يربط الانخفاض بتفكك جزئي في القيادة والسيطرة، وبالضربات على القادة والمنصات، وباحتمال تعمد إيران الحفاظ على ما تبقى من الذخائر. بعبارة أكثر دقة: التراجع في وتيرة الإطلاق كان نتيجة خليط من الخسائر المادية وقرار تشغيلي بالحفاظ على القدرة الباقية.
وهنا يظهر أول افتراض واضح في هذا التقرير: بما أن حجم الخسائر غير معلن رسميًا من طهران، وبما أن التقديرات الأميركية والإسرائيلية نفسها متباينة، فإن التقدير المحافظ هو أن إيران خرجت من الحرب بخسارة مؤلمة في المنصات وبتراجع ملموس في حجم الذخيرة الجاهزة والقدرة الفورية على الرمي الكثيف، لكنها احتفظت بنواة صلبة من القدرة الضاربة، خاصة داخل المنشآت العميقة وتحت الأرض. هذا الافتراض لا يقطع بالأرقام النهائية، لكنه الأقرب إلى ما تسمح به المصادر المفتوحة الموثوقة.
كيف تعمل الصواريخ الباليستية الإيرانية وما أهم منظوماتها
تقنيًا، الصاروخ الباليستي يمر بثلاث مراحل مبسطة: مرحلة دفع أولى يدفع فيها المحرك الصاروخ إلى أعلى وبسرعة كبيرة، ثم مرحلة طيران “باليستي” على قوس شبه خارج الغلاف الجوي، ثم مرحلة عودة حربية يهبط فيها الرأس الحربي بسرعة عالية نحو الهدف. العنصران اللذان يحددان القيمة القتالية هنا هما الوقود والدقة. الوقود السائل يمنح مدى وحمولة جيدين، لكنه يتطلب بنية دعم وإجراءات تجهيز أكثر تعقيدًا، وقد يجعل الصاروخ أشد تعرضًا للرصد والاستهداف قبل الإطلاق. أما الوقود الصلب فيمنح ميزة الجاهزية والقدرة على الإطلاق السريع والتخزين الأسهل، ولهذا أصبح الخيار المفضل لأي قوة تريد النجاة من الضربات الاستباقية. أما الدقة فتُقاس غالبًا بمؤشر “الخطأ الدائري المحتمل” أو CEP: كلما انخفض الرقم كان السلاح أدق. كما أن الرؤوس الحربية ليست نوعًا واحدًا؛ فهناك رؤوس موحدة شديدة الانفجار، وهناك رؤوس بقدرات مناورة، وأخرى قد تحمل ذخائر فرعية، ما يعقّد الاعتراض والدفاع.
في وصف نصّي موجز لأهم المنظومات الإيرانية بعد الحرب، يمكن تلخيص الصورة هكذا: شهاب-1 بمدى يصل إلى 300 كلم ووقود سائل ودقة تقارب 500 متر، وهو نظام قديم مرجّح أن يبقى ثانويًا؛ شهاب-2 بمدى يقارب 500 كلم ووقود سائل ودقة أسوأ نسبيًا، وهو أيضًا من فئة الأجيال القديمة؛ قيام-1 بمدى 700–800 كلم ووقود سائل ودقة دون 500 متر في النسخ المعدلة، وهو ما يزال منتشرًا لكن أولوية إنتاجه بعد الحرب تبدو أدنى من عائلات الوقود الصلب؛ فاتح-110 بمدى 300 كلم ووقود صلب ودقة تقارب 100 متر، وفاتح-313 بمدى 500 كلم ودقة 10–30 مترًا، وهما من الأنظمة المرجح أن تستعيدها إيران بسرعة؛ رعد-500 اختبارًا بمدى 500 كلم ووقود صلب، وذو الفقار بمدى 700 كلم ودقة 10–30 مترًا، ودزفول بمدى ألف كيلومتر تقريبًا، وكلها تقع ضمن “منطقة الأولوية” الصناعية المنطقية لأنها تمثل قلب فئة الوقود الصلب المتوسطة؛ حاج قاسم بمدى 1400 كلم ووقود صلب، وخيبر شكن بمدى 1450 كلم، وكلاهما مهم لردع العمق الإقليمي؛ شهاب-3 بمدى 1300 كلم ووقود سائل ودقة ضعيفة نسبيًا، وقدر بمدى 1600 كلم ودقة تقارب 300 متر، وعماد بمدى 1800 كلم مع رأس عائد قابل للمناورة نسبيًا، وهذه الأنظمة السائلة تبقى مهمة لمديات أبعد لكنها أقل ملاءمة للإنتاج الكثيف تحت الضغط؛ خرمشهر بمدى بين 2000 و3000 كلم وحمولة كبيرة جدًا قد تصل إلى 1500 كلغ في بعض الروايات، وهو قوي من حيث الحمولة والردع لكنه أكثر تعقيدًا وأرجّح أن إعادة بنائه ستكون أبطأ؛ سجيل بمدى 2000 كلم ووقود صلب ثنائي المرحلة، وهو من أكثر الأنظمة أهمية استراتيجيًا إن ثبتت استمرارية إنتاجه على نطاق معتبر؛ أما Fattah-1 وFattah-2 وQassem Basir فتمثل اتجاهًا نحو مناورة أعلى وقدرات اختراق أفضل، لكن وضعها الكمي بعد الحرب أقل وضوحًا في المصادر المفتوحة. هذا “الجدول النصي” الأخير لا يدّعي إحصاء المخزون، بل يقدّم صورة وصفية عن الأولويات المحتملة في مرحلة ما بعد الحرب.
الاستنتاج التقني هنا بسيط لكنه مهم: إيران إذا أرادت إعادة بناء “القدرة الضاربة” بأسرع وقت، فلن تبدأ غالبًا من الأقدم أو الأثقل أو الأبطأ تشغيلًا، بل من عائلات الوقود الصلب ذات الدقة المعقولة والمرونة التشغيلية. هذا استنتاج تحليلي، لا تصريح رسمي، لكنه يستند إلى أن إيران نفسها ذهبت خلال العقد الأخير إلى تفضيل الجاهزية والنجاة والدقة أكثر من مجرد مطاردة المدى، وإلى أن أنظمة الوقود الصلب أقل تعرضًا للاختناق عند الإطلاق وأكثر ملاءمة للإخفاء والتحريك.
الصناعة الإيرانية وسلاسل الإمداد والعقد الحرجة
تُظهر الوثائق الرسمية الأميركية وتقارير وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية أن البرنامج الصاروخي الإيراني ليس ورشة مشتتة، بل منظومة مؤسسية. فـوزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية تشرف على قطاع الصناعات الدفاعية، وتُعد منظمة الصناعات الجوية الإيرانية مع الحرس الثوري الإيراني المظلة الأهم للتطوير والإنتاج. وداخل هذه المنظومة تقف مجموعة الشهيد باقري للصناعات باعتبارها الكيان الأساسي لبرنامج الوقود الصلب، بينما تُعد مجموعة الشهيد همت للصناعات الكيان الأساسي لبرنامج الوقود السائل. هذه ليست تفاصيل بيروقراطية؛ إنها خريطة عنق الزجاجة الحقيقي: إذا كنت تريد تعطيل الوقود الصلب، فأنت تضرب الشق الكيميائي والمواد المركبة والمغلفات والمحركات؛ وإذا أردت تعطيل الوقود السائل، فأنت تضرب المحركات والسوائل الدافعة والهياكل والدقة وأنظمة الأرض المساندة.
ويكشف “إرشاد مشتريات برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني” الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية مع وزارات وهيئات أميركية أخرى أين تقع النقاط الحساسة فعلًا. ففي جهة الوقود الصلب، تظهر شركات ومسارات مسؤولة عن صبّ ومعالجة الوقود الصلب، وصناعة أغلفة المحركات، والمواد الليفية الهيكلية، وأنظمة التوجيه والتحكم. وفي جهة الوقود السائل، تظهر كيانات مسؤولة عن تطوير وإنتاج محركات الصواريخ السائلة، والوقود السائل نفسه، ومكونات الهيكل، وأنظمة التوجيه. هذه الوثيقة نفسها تسرد قائمة السلع الحرجة التي ما تزال إيران تسعى إلى استجلابها من الخارج: معدات إنتاج ألياف الكربون، وآلات اللف الخيطي، وماكينات CNC، وغرف اختبار بيئي، وسبائك ألمنيوم عالية الجودة، وفولاذ فائق المقاومة، وراتنجات، ومساحيق تنغستن، إضافة إلى لوحات إلكترونية ومتحكمات ومعالجات وإلكترونيات قابلة للبرمجة، وأهم من ذلك كله: مقاييس التسارع، والجيروسكوبات، والمستشعرات الملاحية، وأنظمة القياس القصوري. هذه قائمة تقول شيئًا واحدًا: الصناعة الإيرانية محلية في البنية، لكنها لم تصبح مكتفية ذاتيًا تمامًا في المكونات الأدق والأكثر حساسية.
الشق الكيميائي أكثر حساسية مما يبدو. ففي أبريل/نيسان 2025 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية معاقبة شبكة اشترت من الصين بيركلورات الصوديوم ومواد أخرى تستخدم في صنع محركات الوقود الصلب، موضحة أن بيركلورات الصوديوم يُستخدم لإنتاج بيركلورات الأمونيوم، وهي مادة خاضعة لضوابط MTCR وتدخل في محركات الصواريخ الباليستية العاملة بالوقود الصلب. كما استهدفت عقوبات أخرى شبكات مرتبطة بألياف الكربون وبناء القدرة المحلية على إنتاجها، وعادت عقوبات فبراير/شباط ومايو/أيار 2026 لتقول إن طهران ما تزال تسعى لتأمين “المواد الأولية والآلات الحساسة” اللازمة لإعادة تشكيل القدرة الإنتاجية بعد الحرب. معنى ذلك عمليًا أن العقد الحرجة في إعادة البناء هي: كيمياء الوقود الصلب، والمواد المركبة، والمعدات الصناعية المتخصصة، وأنظمة التوجيه والملاحة، لا مجرد القدرة على تجميع هيكل صاروخ.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أثر العقوبات إلى درجة تجاهل البنية المحلية. فـDIA ذكرت أن إيران تطور وتنتج محليًا صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى بوقود صلب وسائل، وأنها تواصل تحسين المدى والفتك والدقة، وأنها تسعى إلى زيادة المحتوى المحلي وتقليل الكلفة والاعتماد على المورد الخارجي. كما يؤكد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن ما يميز برنامج إيران هو وجود قدرة محلية على التصميم والإنتاج تمنحه “استقلالًا نسبيًا” عن الموردين الخارجيين، وإن ظل يتلقى مساعدة تقنية من الخارج، خاصة من الصين وكوريا الشمالية. بعبارة أخرى: العقوبات لا توقف البرنامج تلقائيًا، لكنها ترفع كلفة التوسع السريع، وتبطئ القفزات التقنية، وتدفع إيران إلى إعطاء الأولوية لما تستطيع صنعه محليًا أولًا.
زمن إعادة البناء المحتمل
إذا كان لا بد من وضع سيناريوهات زمنية، فالأدق أن تُبنى على نوع المنظومة لا على البرنامج كله. السيناريو السريع، ومدته التقريبية بين 6 و12 شهرًا، يفترض أن الأضرار اللاحقة بخطوط الوقود الصلب والمنشآت تحت الأرض كانت مؤلمة لكنها غير مدمرة بنيويًا، وأن شبكات الالتفاف عبر شركات وسيطة في الصين وتركيا والإمارات وهونغ كونغ ما تزال قادرة على تمرير المواد والمعدات الحرجة، وأن إيران ستعطي الأولوية لعائلات مثل فاتح-313 وذو الفقار ودزفول وخيبر شكن. هذا السيناريو ليس خيالًا؛ فالقائد في القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري قال في أبريل/نيسان 2026، وفق ما نقلته رويترز عن Nournews، إن إيران تُحدّث وتُعوّض منصات الصواريخ والمسيّرات بسرعة أعلى من مرحلة ما قبل الحرب. لكن هذه إفادة إيرانية لا يمكن التحقق منها كليًا، لذا تُسجل هنا بوصفها مؤشرًا لا إثباتًا نهائيًا.
السيناريو المتوسط، ومدته بين 12 و24 شهرًا، هو في تقديري السيناريو الأرجح. في هذا المسار، تستطيع إيران استعادة حجم معتبر من منصات الإطلاق، وإعادة ملء جزء مهم من مخزون الصواريخ القصيرة والمتوسطة العاملة بالوقود الصلب، وتحسين نسخ مختارة ذات دقة أفضل، لكنها ستحتاج وقتًا أطول لإعادة بناء مخزون مريح من الأنظمة الأكبر والأكثر تعقيدًا، خاصة تلك المرتبطة بمحركات سائلة، أو رؤوس مناورة متقدمة، أو مواد مركبة أكثر تطلبًا. هذا الاستنتاج يستند إلى حقيقة أن العقوبات الأميركية خلال 2025 و2026 لم تستهدف “الصاروخ” كمفهوم، بل استهدفت على وجه التحديد المواد الأولية، والآلات، والمكونات الملاحية، وشبكات التمويل والشحن، وهي العناصر التي تجعل إعادة البناء الكمي السريع أصعب وأعلى كلفة.
أما السيناريو البطيء، ومدته 24 إلى 36 شهرًا أو أكثر، فيفترض ثلاثة شروط معًا: أولًا تشديد فعلي في تطبيق العقوبات وقيود التوريد، بما في ذلك المواد الكيميائية والمواد المركبة والإلكترونيات الحساسة؛ ثانيًا تعرّض متكرر لخطوط الإنتاج والقيادات الفنية واللوجستية إلى موجات استهداف جديدة؛ وثالثًا بقاء روسيا والصين في موقع “الدعم المحدود غير الحاسم”، بدل الانتقال إلى دور المزود الكبير المباشر. ومع أن تاريخ البرنامج الإيراني يثبت قدرة طهران على التكيّف مع العقوبات، فإن إعادة بناء ترسانة واسعة ودقيقة وحديثة تحت مراقبة استخبارية وضغط بحري وجوي ومالي متصل ليست مهمة سهلة، حتى لبرنامج متجذر مثل البرنامج الإيراني.
العقوبات والحلفاء والتكتيكات الجديدة
في مسألة الحلفاء، تكشف الأرقام الحديثة لـمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن إيران ليست مستوردًا كبيرًا للسلاح التقليدي أصلًا؛ فقد مثلت في 2021–2025 نحو 0.2% فقط من واردات السلاح في الشرق الأوسط، وأن روسيا كانت الدولة الوحيدة التي زودتها بأسلحة كبرى خلال العقد الأخير. هذه الحقيقة لها دلالتان متعاكستان: من جهة، لا يمكن لطهران أن تبني خطة التعويض على “جسر تسليحي” مفتوح كما تفعل دول تعتمد جوهريًا على الاستيراد؛ ومن جهة ثانية، فإن اعتمادها الأقل على الاستيراد المباشر يعني أن قاعدة تعافيها الأساسية محلية. لذلك يبدو الدور الخارجي الأكثر ترجيحًا بعد الحرب هو دور “المساعد التقني والمورّد الجزئي” لا “المورّد البديل الكامل”. وهو ما ينسجم مع تقارير رويترز التي تقول إن الصين وروسيا ساعدتا تاريخيًا في بناء القدرة الإيرانية، لكن دعمهما العملي الحالي يبدو محدودًا ومحكومًا بحسابات عدم الانخراط المباشر.
ومع ذلك، توجد مؤشرات يجب عدم تجاهلها. فقد نقلت رويترز في فبراير/شباط 2026 عن ستة أشخاص مطلعين أن إيران كانت قريبة من صفقة مع الصين للحصول على صواريخ CM-302 المضادة للسفن، وأنها تناقش أيضًا الحصول على أنظمة دفاع جوي ومعدات مضادة للصواريخ، بينما قالت رويترز في مايو/أيار 2026 إن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على شركات وأفراد في الصين وهونغ كونغ وبلدان أخرى بتهمة مساعدة إيران في الحصول على المواد الخام والمكونات اللازمة لبناء المسيّرات والصواريخ الباليستية. هذا يعني أن الصين، حتى لو لم تتحول إلى “رافعة إعادة تسليح” شاملة، تبقى العقدة الأهم في المواد والمكوّنات والوسطاء، بينما تبقى كوريا الشمالية ذات وزن تاريخي أكبر في الإرث التكنولوجي للبرنامج السائل، وروسيا أقرب إلى شريك خبرة وتبادل تقني جزئي منه إلى شريك إنقاذ صناعي شامل. كل ذلك يجب أن يُذكر بوصفه اتجاهًا مدعومًا بمؤشرات، لا بوصفه جسرًا جويًا موثقًا واسعًا.
أما على مستوى التكتيك، فالحرب الأخيرة أظهرت أن فعالية الصواريخ الإيرانية لا تُفهم منفصلة عن المسيّرات والتمويه والعمق تحت الأرض. فـCSIS وثّق أن إيران افتتحت الحرب بموجات كثيفة جدًا من الصواريخ والمسيّرات، ثم خفضت الإطلاقات بسرعة، بينما لفتت رويترز إلى أن المسيّرات قد تكون أسهل على إيران في الاستمرار لأنها تُنتج في منشآت ثنائية الاستخدام ويمكن إعادة تهيئتها أسرع من خطوط الصواريخ الأكبر. كما أن بعض الصواريخ الإيرانية استخدمت رؤوسًا حربية عنقودية أو ذخائر فرعية، ما يزيد صعوبة التعامل الدفاعي بعد لحظة الانفصال. وفي الوقت نفسه، يشير Iran Watch إلى أن إيران، بعد الأداء الضعيف لبعض صواريخها في اختراق الدفاعات خلال 2024 و2025، اتجهت إلى تحسين مناورة الرؤوس العائدة واختبار باحثات كهروبصرية في منظومات مثل Qassem Basir. بهذا المعنى، لم تعد الفعالية تقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق فقط، بل بدرجة اندماجها داخل “ضربة مركبة” تشغل الرادارات وتستنزف قدرات الاعتراض وتُربك توقيتات القرار.
أما الحرب الإلكترونية بالمعنى الدقيق، فالأدلة المفتوحة الأقوى في هذا الملف لا تثبت بعد وجود تحول إيراني صاروخي شامل قائم عليها بقدر ما تثبت شيئًا آخر أكثر وضوحًا: التمويه، والتشتيت، والتنقل، والدفاع السلبي. فتقرير DIA يصف عقيدة دفاع سلبي تشمل التمويه والإخفاء والتوزيع والمرابض تحت الأرض والوحدات شديدة الحركة، ويؤكد أن إيران تمتلك أوسع برنامج منشآت تحت الأرض في المنطقة، وأن هذه المنشآت تخدم عمليات التخزين والإنتاج والتمركز والإطلاق المحصن للصواريخ. هنا يكمن سر بقاء البرنامج بعد الحرب: ليس لأن كل منصة نجت، بل لأن المنظومة صُممت منذ سنوات لتبقى قابلة للاستمرار حتى بعد تلقي ضربات كبيرة.
تبعات استراتيجية على ميزان الردع وخيارات الردع المضاد
استراتيجيًا، خرجت إسرائيل والولايات المتحدة بانتصار ناري واضح، لكن ليس بانتصار إنهائي على القوة الصاروخية الإيرانية. فحتى عندما أسقطت الدفاعات الجزء الأكبر من الهجمات، دفعت واشنطن وإسرائيل ثمنًا اعتراضيًا ضخمًا. تقدير أسوشيتد برس وCSIS يشير إلى أن الولايات المتحدة استخدمت في حرب يونيو/حزيران 2025 أكثر من 150 معترض THAAD ونحو 80 من صواريخ SM-3، بينما يقدّر AP أن نحو 25% من مخزون THAAD كله ربما استُهلك في الدفاع عن إسرائيل في تلك الحرب. وهذا يعني أن الصاروخ الإيراني، حتى عندما لا يحقق خرقًا واسعًا، يستطيع أن يفرض كلفة استراتيجية على الطرف المقابل، وأن يستنزف المخزون الاعتراضي، وأن يدفع خصومه إلى مراجعة هندسة دفاعهم الصناعي وميزانياتهم ووتيرة إنتاجهم. لذلك فإن الردع الإيراني بعد الحرب لم يعد ردع “الإصابة الحتمية” فقط، بل ردع “الاستنزاف القسري”.
بالنسبة إلى الخليج العربي، تكشف بيانات CSIS أن جزءًا كبيرًا من الهجمات اتجه نحو البنية الاقتصادية والطاقة، وأن قرابة 70% من اعتراضات السعودية المعلنة كانت في مسارات نحو المنطقة الشرقية الغنية بالنفط أو نحو مرافق محددة. ومعنى هذا أن الصاروخ الإيراني بعد الحرب سيبقى أداة ضغط على الاقتصاد والطاقة والموانئ والممرات البحرية، حتى إذا تراجع خطر الضربات الكثيفة على المدن. أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالقضية لم تعد فقط حماية قواعدها، بل حماية سلاسل الإمداد العالمية ومضيق هرمز والقدرة على خوض صراع آخر دون الدخول إلى الحرب المقبلة بمخازن دفاع جوي مستنزفة. وبالنسبة إلى إيران نفسها، فإن الوظيفة الاستراتيجية للصواريخ ستتحول على الأرجح من “مطرقة كثيفة” إلى “مشرط باهظ الكلفة على الخصم”: عدد أقل، دقة أعلى، ونجاة أفضل.
من هنا تبدو سيناريوهات المستقبل ثلاثة. السيناريو الأول هو “تعافٍ متدرج مع ردع متكيف”: تعيد إيران بناء عائلات الوقود الصلب أولًا، وتحتفظ بالسائلة والبعيدة المدى كطبقة نخبوية أو احتياطية، وتواصل مزج الصواريخ بالمسيّرات. السيناريو الثاني هو “حرب منع متكررة”: تستمر إسرائيل والولايات المتحدة في استهداف خطوط الإنتاج والمخازن والموصلات اللوجستية كلما رصدت موجة تعافٍ خطرة، ما يمنع العودة إلى مخزون كبير لكنه لا يوقف البرنامج نهائيًا. السيناريو الثالث هو “صفقة تقييد جزئي”: تضغط واشنطن لفرض قيود على المدى أو على بعض المنظومات، كما قالت رويترز إن أحد مطالبها الرئيسية قبل الحرب كان تقليص مدى الصواريخ كي لا تصل إلى إسرائيل، لكن طهران رفضت دومًا إدخال الصواريخ الباليستية في التفاوض. والواقعية تقول إن السيناريو الأول والثاني أقرب من الثالث، على الأقل في الأجل القصير.
توصيات سياسية واستراتيجية للجهات العربية
للعواصم العربية، الدرس الأول هو أن التعامل مع التهديد الصاروخي الإيراني بعد الحرب لا يجوز أن يبنى على فرضية “الفراغ”. إيران أُضعفت، نعم؛ لكنها لم تُفرّغ. وعليه، فإن الموقف العربي الرشيد يجب أن يجمع بين أمرين في آن واحد: الاستفادة من إضعاف البرنامج الآن لرفع كلفة إعادة بنائه، ومنع الفراغ الأمني الذي قد يدفع إلى سباق تسلح أعنف أو إلى مغامرات إيرانية تعويضية. هذا يتطلب أولًا بنية إنذار مبكر وقيادة وسيطرة مشتركة عربيتين أعمق مما هو قائم اليوم، خاصة في المجال البحري والجوي والطبقات الدنيا للدفاع ضد المسيّرات.
ثانيًا، يجب الانتقال من منطق “شراء المنظومات الغالية فقط” إلى منطق “الهندسة الطبقية للدفاع”. الصاروخ الإيراني مكلف، لكن اعتراضه غالبًا أكثر كلفة، والمسيّرة الإيرانية أرخص بكثير من الصاروخ الاعتراضي الذي يُطلق عليها. المصادر الأميركية نفسها باتت تؤكد الحاجة إلى طبقة دفاع رخيصة ضد المسيّرات تحفظ المعترضات الثمينة للصواريخ الباليستية والجوالة. بالنسبة للدول العربية، هذا يعني الاستثمار في الرادارات الموزعة، والمستشعرات السلبية، والمنظومات القصيرة المدى، واعتراض المسيّرات بمسيّرات، وربط ذلك كله ببنية قرار أسرع لا تُدار فقط على مستوى كل دولة منفردة.
ثالثًا، من الضروري بناء سياسة عربية موحدة في مجال مراقبة سلاسل الإمداد والعبور المالي والشحن التجاري الذي يمر عبر وسطاء وشركات واجهة. فالعقوبات الأميركية والوثائق الرسمية أظهرت أن البرنامج الإيراني يستفيد من شبكات شحن وتمويل وتجارة في دول ثالثة للحصول على الكيميائيات والمواد المركبة والمعدات الإلكترونية. والدول العربية، خصوصًا التجارية والبحرية منها، تملك قدرة كبيرة على رفع كلفة هذا المسار إذا وُجد تنسيق سياسي وتقني وقانوني جاد، بدل الاكتفاء برد الفعل العسكري لاحقًا.
رابعًا، يجب أن تبقى الأولوية السياسية العربية منع تحوّل ملف الصواريخ إلى مدخل لصفقة دولية تتجاهل أمن الخليج وحرية الملاحة والبنية الاقتصادية العربية. فكما قالت رويترز في مايو/أيار 2026، تخشى دول الخليج من أي اتفاق يترك إيران قادرة على ضربها أو فرض سيطرة فعلية على هرمز، أو أن تُهمَّش مصالحها في مفاوضات ثنائية أميركية إيرانية. ولذلك فإن المطلوب عربيًا ليس فقط شراء دفاعات، بل فرض مقعد عربي واضح في أي ترتيبات أمنية تخص الممرات البحرية والصواريخ الباليستية والإنذار المبكر وقواعد الاشتباك. ومن دون ذلك، قد يوقَّع اتفاق كبير في مكان ما، ثم نستيقظ في المنطقة على “سلام ورقي” وصواريخ حقيقية.
حدود التقدير وأسئلة مفتوحة
أكبر قيد في هذا الملف هو أن إيران لا تنشر جردًا رسميًا شفافًا لعدد الصواريخ والمنصات والخطوط العاملة، وأن التقديرات الأميركية والإسرائيلية نفسها تتفاوت بحسب المنهج والوقت والغاية السياسية. لذلك فإن الأرقام الواردة هنا يجب قراءتها كمدى تقديري مدعوم بأفضل المصادر المفتوحة المتاحة، لا كقائمة جرد نهائية. كما أن “حالة الإنتاج بعد الحرب” لكل منظومة على حدة تبقى في جزء منها استنتاجًا تحليليًا مبنيًا على نوع الوقود، وسلاسل الإمداد، وما هو معروف عن البنية الصناعية، لا على إعلان إيراني موثوق.
السؤالان المفتوحان الأكثر أهمية هما: هل استطاعت إيران فقط إعادة “الوصول” إلى جزء كبير من مواقعها تحت الأرض، أم أنها أعادت أيضًا ملأها بذخيرة جاهزة على نحو واسع؟ ثم: هل ستنجح الضغوط على سلاسل التوريد في اختناق كيمياء الوقود الصلب والإلكترونيات الدقيقة بما يكفي لإبطاء التعافي، أم ستنجح طهران مرة أخرى في تحويل العقوبات إلى حافز لمزيد من الإحلال المحلي؟ الجواب عن هذين السؤالين هو ما سيحدد ما إذا كانت إيران في طور “التعافي السريع”، أم “الردع المحدود”، أم “إعادة البناء الطويلة الأمد”.
المصادر والمراجع
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
