الذكاء الاصطناعي العسكري

مفهوم الذكاء الاصطناعي في السياق العسكري

الذكاء الاصطناعي في التسليح والدفاع

A.M

2/9/2026

الذكاء الاصطناعي العسكري هو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (مثل التعلم الآلي والخوارزميات المتطورة) في المجال العسكري لتحسين القدرات القتالية واللوجستية والاستخباراتية. تهدف هذه التقنيات إلى تمكين الآلات والأنظمة من أداء مهام تتطلب عادةً قدرات بشرية كالتعرف على الأنماط واتخاذ القرارات. في السنوات الأخيرة، بات الذكاء الاصطناعي محور سباق تسلّح تقني بين الجيوش الحديثة، حيث تُدرك الدول الكبرى أن تبنّيه لم يعد ترفًا بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على التفوق. يتميّز الذكاء الاصطناعي بسرعته الفائقة في معالجة البيانات واتخاذ القرارات، مما يتيح للقادة التغلّب على محدودية البشر في مواكبة تعقيدات ساحة المعركة الحديثة. فمن المتوقع أن يؤدي إدماج AI في المنظومات العسكرية إلى زيادة هائلة في سرعة العمليات العسكرية وتقصير دورة اتخاذ القرار بشكل قد يغيّر شكل الحروب جذريًا. وبالرغم من أن التركيز الإعلامي كثيرًا ما ينصبّ على ما يُسمى “الروبوتات القاتلة”، إلا أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكري تمتد إلى نطاق أوسع بكثير يشمل كافة مجالات التخطيط والعمليات العسكرية. فيما يلي نستعرض أبرز هذه التطبيقات في السياق العسكري الحديث.

الأسلحة الذاتية التشغيل (القاتلة وغير القاتلة)

نظام المدفعية الدفاعية القريب (CIWS) يُعد مثالًا على سلاح ذاتي التشغيل قادر على اعتراض التهديدات جوًا وبحرًا بشكل تلقائي دون تدخل بشري مباشر
تشمل هذه الفئة الأسلحة والمنصّات العسكرية التي تعمل بشكل مستقل اعتمادًا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. في حالة الأسلحة الذاتية التشغيل القاتلة – التي يُطلق عليها أحيانًا أنظمة الأسلحة الفتّاكة الذاتية (LAWS) – تستطيع المنظومات تحديد الأهداف والاشتباك معها تلقائيًا دون حاجة لمصادقة فورية من الإنسان. ومن الأمثلة عليها الطائرات المُسيّرة الهجومية والذخائر الجوالة (الانتحارية) التي تبحث عن هدف محدد وتهاجمه بشكل مستقل. هذه التقنيات أثارت جدلاً واسعًا بسبب اعتبارات أخلاقية وقانونية، إلا أنها قيد التطوير لدى العديد من الجيوش. على سبيل المثال، شهدت حرب أوكرانيا أول استخدام قتالي واسع لـLAWS في ميادين القتال، حيث استعانت أطراف الصراع بطائرات درون ذاتية التوجيه لمهاجمة أهداف معادية. في المقابل، هناك أنظمة مستقلة غير قاتلة أو دفاعية مصممة لحماية القوات والمرافق دون إيقاع خسائر بشرية مباشرة؛ منها منظومات الدفاع الجوي القريب مثل نظام فالانكس CIWS الأمريكي المنتشر على السفن منذ الثمانينات. يقوم هذا المدفع الرشاش الآلي برصد الصواريخ والطائرات المعادية آليًا واعتراضها خلال ثوانٍ معدودة. كما طوّرت عدة دول روبوتات مستقلة لنزع الألغام أو حراسة محيط القواعد تستطيع أداء مهامها دون تحكم بشري مستمر. الجدير بالذكر أن إسرائيل تُعد من الدول السباقة في تطوير قدرات مستقلة، مثل منظومات الدفاع الصاروخي القبة الحديدية التي تستخدم خوارزميات ذكية لاعتراض القذائف تلقائيًا (مع إبقاء قرار الضربة النهائية بيد المشغل البشري). هذه الأمثلة تبين أن الأسلحة الذاتية التشغيل أصبحت واقعًا تقنيًا، وتدفع باتجاه وضع معايير جديدة لاستخدام القوة المميتة في الحروب.

تحليل البيانات الاستخباراتية والاستطلاعية

تولّد منصات الاستطلاع الحديثة – من أقمار صناعية وطائرات دون طيار وأجهزة اعتراض الاتصالات – كمًا هائلًا من البيانات والصور والمعلومات الاستخباراتية. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في فرز هذه البيانات وتحليلها بسرعة ودقة تتجاوز القدرات البشرية. تستخدم خوارزميات التعلم الآلي لتحليل صور الاستطلاع الجوي وتحديد الأهداف المهمة تلقائيًا (مثل العربات المعادية أو منصات إطلاق الصواريخ) من بين آلاف الصور الملتقطة. على سبيل المثال، أطلق البنتاغون مشروع Maven عام 2017 للاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تحليل فيديوهات الطائرات المسيرة وتمييز الأهداف المحتملة تلقائيًا، مما خفّض العبء على محللي الاستخبارات البشر وسرّع استخراج المعلومات. كذلك تُستخدم تقنيات معالجة اللغة الطبيعية لتحليل الاتصالات واعتراض الرسائل وفهم محتواها لاستخلاص معلومات عن نوايا العدو. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الجيوش باتت توظّف الذكاء الاصطناعي في رصد أنماط نشاط الخصم وحتى قياس معنوياته عبر تحليل منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي مثلًا. هذا النوع من الاستخبارات المعززة بالذكاء الاصطناعي يمنح القادة صورة أوضح عن سلوك العدو ومواضع ضعفه، بل ويساعد في التنبؤ بالخطوات المستقبلية المحتملة على أساس المعطيات التاريخية والأنماط المكتشفة. يُطلق البعض على هذا النهج “الاستخبارات 2.0” حيث تتكامل قدرات الآلة مع التحليل البشري لتوفير فهم غير مسبوق لساحة المعركة وضمان عدم تفويت المعلومات الحرجة وسط بحر البيانات. في المحصلة، يساهم الذكاء الاصطناعي اليوم في تحويل البيانات الخام إلى معرفة قابلة للاستثمار عملياتيًا بشكل أسرع وأدق من أي وقت مضى.

دعم اتخاذ القرار ونظم القيادة والسيطرة (C4ISR)

تعتمد القرارات العسكرية الرشيدة على صورة موقف متكاملة تجمع معلومات الوحدات الصديقة والمعادية والموقف الميداني لحظيًا. تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء هذه الصورة عبر دمج بيانات أجهزة الاستشعار المتعددة وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR) في منصة موحّدة. تقوم خوارزميات دمج البيانات بربط معلومات قادمة من مصادر متنوعة (كالرادارات، والكاميرات الحرارية، وطائرات الاستطلاع، ووحدات المشاة) وتحليلها لتقديم مشهد ميداني لحظي للقادة. من خلال ذلك، يتمكن صانعو القرار من رؤية ساحة المعركة بشكل أشمل وأوضح، بحيث تنجلي “ضبابية الحرب” المعهودة. على سبيل المثال، طوّر الجيش الهندي حديثًا منظومات ذكاء اصطناعي تقوم بدمج بيانات 26 عامًا من إشارات الاتصالات للعدو مع تغذية مباشرة من المسيرات والرادارات والأقمار الصناعية، ما أتاح إنشاء صورة عملياتية مشتركة وتقييمات آنية للتهديدات خلال نزاع حدودي عام 2025. كذلك جرّبت الصين عام 2024 قيادة عسكرية افتراضية تعمل بالذكاء الاصطناعي تم تكليفها بدور “قائد أعلى” في مناورات حربية كبيرة لمحاكاة قدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتنسيق القوات في الزمن الحقيقي. وفي الولايات المتحدة، يُعد مفهوم JADC2 (القيادة والسيطرة المشتركة لكل المجالات) جزءًا من رؤية مستقبلية يندمج فيها الذكاء الاصطناعي لربط القوات البرية والبحرية والجوية والفضائية والسيبرانية عبر شبكة واحدة تتولى بسرعة تحليل البيانات وتقديم التوصيات للقادة. هكذا بات الذكاء الاصطناعي بمثابة مساعد افتراضي للقيادة يوفر مقترحات وتنبؤات (كاقتراح أفضل مسار لهجوم أو توقع رد فعل العدو) مما يعزّز ما يُعرف بـ“تفوق القرار” Decision Superiority في ساحات المعارك. وجدير بالذكر أن كل هذا الدعم لا يعني إلغاء دور القادة البشر، بل تمكينهم من اتخاذ قرارات أكثر وعيًا وسرعة مستندة إلى كمّ معلومات لا يمكن للعقل البشري استيعابه بمفرده في الوقت الفعلي.

الدفاعات السيبرانية والهجمات الإلكترونية

يشكّل الفضاء السيبراني ميدانًا خفيًا للحرب الحديثة، حيث تتصارع الدول عبر الاختراقات الإلكترونية وهجمات البرمجيات الخبيثة. دخل الذكاء الاصطناعي هذا الميدان بقوة من جانب الدفاع والهجوم معًا. فمن ناحية الدفاع، تُنشر خوارزميات كشف التسلل المعتمدة على AI لمراقبة الشبكات العسكرية واكتشاف أي نشاط غير اعتيادي يمكن أن يشير إلى محاولة اختراق أو زرع برمجية خبيثة. تمتاز هذه الخوارزميات بالقدرة على التعلم المستمر من أنماط الهجمات، وبالتالي رصد التهديدات السيبرانية في زمن شبه حقيقي والاستجابة لها آليًا قبل أن تُلحق الضرر. على سبيل المثال، يمكن لنظام ذكاء اصطناعي في مركز عمليات الشبكات العسكرية أن يحدد خلال ثوانٍ أنماط هجوم “يوم الصفر” غير المعروفة سابقًا عبر تحليل ملايين الأحداث، ثم يقوم تلقائيًا بعزل الأجهزة المصابة أو صدّ المهاجمين قبل تفشي الاختراق. أما في الهجوم، فتمنح تقنيات الذكاء الاصطناعي الهاكرز العسكريين أدوات أكثر قوة؛ حيث يمكن استخدامها لأتمتة عمليات المسح عن الثغرات في أنظمة الخصم بمعدل يفوق بكثير قدرة المهندسين البشر، أو حتى تطوير برمجيات خبيثة متكيّفة تستطيع تعديل نفسها لتجنب الاكتشاف. وقد تحدثت تقارير عن تجارب لذكاء اصطناعي قادر على توليد رسائل تصيّد إلكتروني شديدة الإقناع على نطاق واسع لاختراق حسابات الخصم. إضافة لذلك، تعمل وزارة الدفاع الأمريكية ووكالات مثل DARPA على برامج “الذكاء الاصطناعي لمواجهة الهجمات الإلكترونية” بحيث تُجهَّز الأنظمة الدفاعية بخوارزميات قادرة على مواجهة هجمات الخصم الإلكترونية بشكل تلقائي وسريع. من الأمثلة الرائدة خوارزمية STAP التي تستخدم التعلم الآلي للتعرف على التشويش الإلكتروني ضد الرادارات وابتكار إجراءات مضادة فورية له. وفي المقابل، تطوّر وكالات عسكرية تقنيات هجومية تعتمد على مفهوم “الحرب الإلكترونية الإدراكية” (Cognitive EW) حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لإرباك رادارات العدو واتصالاته بشكل ديناميكي عبر تغيير أنماط التشويش باستمرار بما يفوق قدرة الأنظمة التقليدية على التعامل. باختصار، أصبح الذكاء الاصطناعي درعًا وسيفًا في الفضاء السيبراني: فهو يحصّن الشبكات العسكرية ضد فيض التهديدات الرقمية من جهة، ومن جهة أخرى يمنح القوى الضاربة الإلكترونية قدرات غير مسبوقة لاختراق شبكات الخصم إذا ما اندلعت “حرب معلومات” بين الخصوم.

إدارة اللوجستيات والصيانة التنبؤية

تعد المجالات اللوجستية والدعم الفني العمود الفقري لأي جيش فعال، وقد شهدت هذه المجالات ثورة هادئة بفضل الذكاء الاصطناعي. تستخدم الجيوش اليوم خوارزميات AI في إدارة سلاسل الإمداد والتوريد لضمان وصول المؤن والذخائر إلى الخطوط الأمامية بأكفأ الطرق وأسرعها. تقوم هذه الأنظمة بتحليل كم كبير من البيانات (كجداول الحركة، وحالة الطرق، ومعدلات الاستهلاك) لتخطيط مسارات القوافل وتوزيع الموارد بشكل يقلل الهدر ويختصر الزمن. على سبيل المثال، يمكن لنظام ذكي أن يتوقع بدقة أين ومتى ستحتاج كتيبة مدرعة إلى إعادة تموين بالوقود بناءً على وتيرة عملياتها وحرارة المحركات، فيرسل تنبيهًا مسبقًا لترتيب قافلة إمداد في الوقت المناسب. بالإضافة إلى ذلك، برز ما يُعرف بـالصيانة التنبؤية للمعدات العسكرية بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي. فبدلًا من الجداول الزمنية الجامدة للصيانة الدورية، تقوم المستشعرات المركبة على الدبابات والطائرات بجمع بيانات عن أداء المحركات والأجزاء الميكانيكية باستمرار؛ وتتولى خوارزميات تعلم الآلة تحليل هذه البيانات لاكتشاف أي أنماط شاذة أو مؤشرات مبكرة على أعطال محتملة. وبهذا الأسلوب، يمكن مثلًا للطائرة المقاتلة أن تُرسل تنبيهًا آليًا إلى ورشة الصيانة بأنها بحاجة لتبديل مضخة هيدروليكية خلال 10 ساعات طيران قادمة – قبل أن تتعطل فعليًا – مما يتيح استبدال القطعة في الوقت المناسب وتفادي عطل مفاجئ. مثل هذه الحلول التنبؤية أثبتت أنها تقلل بشكل ملموس من وقت خروج المعدات عن الخدمة وترفع الجاهزية القتالية للوحدات. وقد صرّح مسؤولون عسكريون أن قطاع اللوجستيات ربما يكون أكثر مجال ستحدث فيه قفزة نوعية بفضل AI لأنه مجال تقني بحت وقابل للأتمتة دون تعقيدات أخلاقية أو قانونية. ولا يقتصر الأمر على المعدات؛ بل تطبق بعض الجيوش خوارزميات لتنسيق إدارة الأفراد أيضًا، كتعزيز عمليات توزيع الأفراد على المهام والوحدات وفق تحليلات ذكاء اصطناعي تأخذ بعين الاعتبار مؤهلات الجندي ومساره التدريبي لتضعه في الموقع الأنسب تلقائيًا. باختصار، أصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة العقل المدبر الخفي وراء الكفاءة اللوجستية، فهو يقلل التكاليف ويرفع الأداء عبر التوقع المسبق للمشكلات واستباقها بحلول مدروسة.

أنظمة المحاكاة والتدريب

لم تبقَ تأثيرات الذكاء الاصطناعي محصورة في ميدان المعركة الفعلي، بل امتدت أيضًا إلى ميادين التدريب العسكري وإعداد القوات. أدخلت الجيوش أنظمة محاكاة متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتوفير بيئات تدريب واقعية وتفاعلية بأقل تكلفة وخطر ممكن. على سبيل المثال، في تدريبات المحاكاة القتالية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولّد قوات عدو افتراضية (حلف أحمر) تتصرف بذكاء ومرونة لمحاكاة تكتيكات الخصوم الحقيقيين، بدلًا من الاعتماد على سيناريوهات ثابتة أو مدربين بشريين يقومون بدور الخصم. بهذه الطريقة، يواجه الجنود والمتدربون مواقف تحاكي الواقع إلى حد كبير، حيث تتكيف القوات الافتراضية مع قرارات المتدربين وتتحرك بطرق غير متوقعة، مما يرفع مستوى الجاهزية. إحدى الشركات المتخصصة (CAE) أشارت إلى أن استخدام الخصوم والمحاكاة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مكّنها من تدريب الطيارين والجنود لساعات أطول وبنوعية أفضل دون الحاجة لتوفير قوات حقيقية تمثّل الأدوار المعادية أو الصديقة. كما تُوظَّف خوارزميات تحليل البيانات في تقييم أداء المتدربين تلقائيًا خلال التمرين؛ فمثلًا يستطيع نظام ذكي تتبع قرارات طاقم دبابة أثناء محاكاة معركة، وتحديد الأخطاء التكتيكية التي ارتكبوها أو الفرص الضائعة، ومن ثم تقديم تغذية راجعة فورية أو إنشاء تقرير ختامي يبرز نقاط الضعف والقوة لكل فرد. وإلى جانب تدريب الأفراد، تستخدم المؤسسات العسكرية الذكاء الاصطناعي في نمذجة التجارب القتالية واختبار سيناريوهات الخطط العملياتية. في الصين مثلًا، طوّر باحثون في كلية الأركان برنامج ذكاء اصطناعي لخوض تمارين المحاكاة الاستراتيجية بحيث يمكن اختبار خطط حرب على نطاق واسع ورؤية مخرجاتها المحتملة قبل اعتمادها. وحتى في تصميم الأسلحة والأنظمة الجديدة، باتت الشركات تستخدم محاكيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتجربة أدائها افتراضيًا آلاف المرات وتحسين التصميم قبل بناء نموذج حقيقي. مجمل هذه التطورات أدى إلى نقلة نوعية في أساليب التدريب العسكري؛ فبدلًا من المناورات التقليدية المكلفة، أصبح بالإمكان صقل مهارات الجنود والضباط في بيئات افتراضية غنية بالسيناريوهات، يقودها ذكاء اصطناعي يضمن الاستفادة القصوى من كل تمرين.

أمثلة واقعية من مشاريع وتطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكري في جيوش كبرى

الولايات المتحدة الأمريكية

تعتبر الولايات المتحدة من الرواد في تبني الذكاء الاصطناعي عسكريًا، وقد وضعت استراتيجية شاملة للذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع منذ عام 2018 لتسريع إدماجه في جميع المجالات. من الأمثلة البارزة مشروع Maven الذي ذُكر سابقًا، والذي استُخدم لتحليل مشاهد الفيديو الجوية واستهداف إرهابيي داعش عبر خوارزميات رؤية حاسوبية. كذلك أسست وزارة الدفاع هيئة خاصة هي مكتب الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي (CDAO) لتعزيز قدرات الـAI عبر الأفرع المختلفة للجيش. في سلاح الجو، أطلق مشروع طموح باسم “القتال الجوي المتطور” (ACE) تحت رعاية DARPA، يهدف إلى تطوير مقاتلات ذاتية القيادة بالاستفادة من طائرات F-16 قديمة يجري تحويلها إلى منصات تجريبية يقودها الذكاء الاصطناعي. وقد أثبت هذا البرنامج نجاحًا أوليًا عام 2020 عندما تمكن نموذج ذكاء اصطناعي من التفوق على طيار بشري في محاكاة اشتباك جوي (dogfight). وفي 2023، أعلن عن اختبار طائرة F-16 حقيقية بقيادة طيار آلي ذكي حلّق بها لأكثر من 17 ساعة متواصلة، مما أظهر مدى التقدم في هذا المجال. على مستوى القوات البرية، طوّر الجيش الأمريكي منظومات مثل برج ATLAS المدفعي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الأهداف المعادية وتوجيه المدفع آليًا نحوها خلال أجزاء من الثانية – وقد جُرِّب هذا النظام على مركبات مدرعة كنموذج أولي. أيضًا يتم العمل على مبادرات “الجندي المعزز” حيث يتم دمج الذكاء الاصطناعي في خوذات ونظارات الجنود لتزويدهم بتنبيهات آنية عن الأهداف أو الأخطار المحيطة عبر الواقع المعزز. ومن الأمثلة المستقبلية المثيرة مشروع “الجناح المخلص” (Loyal Wingman) الذي تطوره القوات الجوية بحيث ترافق أسراب من الطائرات دون طيار الذكية المقاتلات المأهولة في المهام القتالية كأجنحة مساندة تنفذ أوامر القائد البشري وتتشارك معه المعلومات آنيًا. هذه المشاريع وغيرها تعكس استثمارًا أمريكيًا ضخمًا في الذكاء الاصطناعي العسكري – إذ يناهز الإنفاق السنوي الأمريكي عليه 2 مليار دولار، مع خطط لزيادته في السنوات المقبلة.

الصين

ترى الصين أن الذكاء الاصطناعي مفتاح التفوق في حروب المستقبل، وقد أعلنت صراحةً هدفها بأن تصبح الدولة الرائدة عالميًا في AI بحلول 2030. تبنّت الصين إستراتيجية “الحرب المؤتمتة” (الحرب المعززة بالذكاء) أو ما تسميه “الحرب الذكية” (智能化作战) في عقيدتها العسكرية. في السنوات الأخيرة، ضخّت استثمارات هائلة في مشاريع مشتركة بين الجيش والقطاع المدني (في إطار سياسة الدمج العسكري-المدني)، ما أتاح لجيش التحرير الشعبي الوصول لأحدث الابتكارات التقنية سريعًا. طوّر الصينيون عدة أنظمة متقدمة، منها على سبيل المثال زورق دورية ذاتي القيادة “المراقب II” المزود بذكاء اصطناعي للملاحة المثلى، والذي أعلنت الصين إكمال تطويره كواحد من أوائل الزوارق غير المأهولة المزودة بهذه التقنية. وفي مجال الطائرات دون طيار، تمتلك الصين ترسانة متنوعة تشمل درونات استطلاع وهجوم تستخدم خوارزميات متطورة للملاحة وتجنب العقبات واتخاذ قرارات الاشتباك محليًا. تركز الصين أيضًا على تكنولوجيا السرب؛ فحسب تقارير في 2024، عملت القوات البحرية الصينية على تطوير تكتيك “سرب القروش” الذي يتألف من عشرات الزوارق المسيرة المزودة بصواريخ تعمل بالتنسيق كخلايا هجومية لإغراق أهداف كبيرة كحاملات الطائرات المعادية. كما تعاونت شركات صينية مع روسيا لتطوير روبوتات مقاتلة مثل كلب آلي مسلح يتمتع بقدرات ذاتية، عُرضت نماذجه علنًا. وعلى مستوى القيادة والسيطرة، أفادت مصادر صينية بأن وحدات الجيش تختبر حاليًا أنظمة ذكاء اصطناعي للمساعدة في التخطيط العملياتي وإدارة ساحة المعركة في الزمن الحقيقي – كنظام يوفّر للقادة مقترحات آنية حول أفضل تحريك للقوات بناءً على قراءة فورية لموقف المعركة. هذه التطورات تثير قلق خصوم الصين الإقليميين والدوليين، إذ أنها تختصر الفجوة التقنية بشكل متسارع. ويرى مراقبون أن تحركات الصين في هذا المجال قد تطلق سباقًا إقليميًا للتسلح بالذكاء الاصطناعي خاصة في شرق آسيا، وهو ما يدفع قوى مثل اليابان والهند لتعزيز استثماراتها الدفاعية في التقنيات الذكية أيضًا.

روسيا

رغم التحديات الاقتصادية، تولي روسيا اهتمامًا كبيرًا لتطوير منظومات عسكرية ذكية كوسيلة لمجاراة التفوق التقني الغربي. صرح الرئيس فلاديمير بوتين منذ 2017 بأن “من يسيطر على الذكاء الاصطناعي سيحكم العالم”، في إشارة واضحة إلى أهمية AI في الحفاظ على مكانة روسيا كقوة عظمى. عمليًا، طوّرت روسيا عدة مشاريع، منها منصة الروبوت القتالي “Marker” – وهي عربة برية مجنزرة شبيهة بالدبابة تم تزويدها بذكاء اصطناعي يتيح لها التحرك ذاتيًا ورصد الأهداف المعادية. في التجارب، أظهر الروبوت Marker القدرة على تمييز الدبابات الغربية الصنع عن غيرها عبر كاميراته الحرارية، بل وفرز أولويات الاستهداف بشكل تلقائي واقتراح خطط الاشتباك. كما تختبر روسيا دمج AI في طائراتها المقاتلة المتقدمة؛ فمقاتلة الجيل الخامس سو-57 يُقال إنها ستعمل مستقبلاً بتناغم مع طائرة مسيرة مقاتلة مرافقِة (مشروع الصياد Okhotnik) حيث يتحكم الذكاء الاصطناعي في الدرون المرافق للتنسيق مع الطيار البشري. أيضًا كشفت روسيا عن تطويرها لمفهوم “النظام العصبي” للدفاع الجوي الذي يستخدم الخوارزميات للتنبؤ بمسارات الصواريخ والطائرات المهاجمة وتنسيق النيران المضادة لها عبر شبكة رادارات وبطاريات صواريخ متعددة. في سلاح البحرية، تعمل روسيا على غواصات غير مأهولة تستخدم ذكاءً اصطناعيًا في الملاحة وأداء مهام الاستطلاع تحت الماء بصفة مستقلة. وبسبب العقوبات وحدود الوصول للتقنيات الغربية، تحاول روسيا الاعتماد على كفاءاتها المحلية ومعارفها المشتركة مع الصين لتطوير هذه المجالات. ومع ذلك، ينظر القادة الروس للذكاء الاصطناعي كسبيل لتعويض النقص العددي أو النوعي في بعض النواحي؛ فمثلًا، روبوتات قتالية تنتشر على الحدود قد تقلل الحاجة لإرسال جنود بشريين، وأنظمة ذاتية قد تسرّع وتيرة الاستجابة الدفاعية حتى لو تأخر الاتصال بالقيادة بسبب حرب إلكترونية. إجمالًا، تسعى موسكو لمجاراة واشنطن وبكين في مضمار AI العسكري وإن بوتيرة أبطأ، معتبرةً أن عدم اللحاق بهذا الركب قد يعرّض أمنها القومي لمخاطر جسيمة على المدى البعيد.

إسرائيل

رغم صغر حجمها، تُعتبر إسرائيل من الدول الرائدة عالميًا في تبني الذكاء الاصطناعي عسكريًا. استثمرت قوات الدفاع الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين بقوة في تطوير أنظمة غير مأهولة وذكية، ما منحها تقدمًا نوعيًا ملحوظًا. من أبرز أمثلة ذلك منظومة الدفاع الجوي “القبة الحديدية” التي تعتمد على خوارزميات ذكاء اصطناعي لتقييم مسار كل صاروخ وارد وتحديد إن كان سيشكل خطرًا على المناطق المأهولة قبل قرار اعتراضه – مما يسمح بترشيد إطلاق الصواريخ الاعتراضية وإعطاء الأولوية للتهديدات الحقيقية. أيضًا طورت إسرائيل ترسانة من الطائرات دون طيار المزودة بقدرات ذاتية؛ مثل درونات الاستطلاع المتقدمة التي تستطيع التحليق لساعات طويلة مع قدرات رؤية حاسوبية لتحديد الأهداف الأرضية وإرسال الإحداثيات للقوات. وضمن ما يُعرف بأسلحة “الضربة المستقلة”، أنتجت إسرائيل ذخائر جوالة كطائرة Harop الانتحارية التي تحلق بشكل ذاتي في منطقة ما وتبحث عن إشارات رادار معادية ثم تنقض عليها ودمّرها تلقائيًا. وقد صدّرت هذه التكنولوجيا لعدة دول واستخدمت فعليًا في نزاعات (مثال: حرب ناغورني كاراباخ 2020 حيث استخدمتها أذربيجان). في مجال الاستخبارات والتحليل، كشف تحقيق صحافي مؤخرًا عن استخدام الجيش الإسرائيلي نظامي ذكاء اصطناعي باسم “حَبْسورة” و**“اللافندر”** خلال حرب غزة 2023. عمل النظام الأول على تجميع بنك أهداف من المباني المشتبه بأنها تحوي نشاطات معادية، فيما تولى الثاني رصد الأفراد وتحديد قائمة بأهداف شخصية بناءً على ضخامة البيانات المتوافرة – حيث يقال إنه صنّف 37 ألف شخص كأهداف محتملة. وقد أثار هذا الاستخدام نقاشات حادة نظرًا لما يرتبط به من مخاطر استهداف المدنيين إذا ما اعتمد بالكامل على المخرجات الآلية. وبجانب ذلك، تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة قواتها؛ فهناك مشاريع لـمركبات برية مستقلة لدوريات الحدود، بالإضافة إلى أنظمة مساعدة للضباط في ميدان المعركة تعطي توصيات آنية (كأفضل طريق للمناورة أو متى يكون توقيت الضربة المدفعية مناسبًا اعتمادًا على تحليل بيانات الاستطلاع). كل هذه الأمثلة جعلت من إسرائيل مختبرًا عالميًا حيًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية، وأكسبتها خبرة عملياتية دفعت بجيوش أخرى للتعاون معها أو شراء تقنياتها. ولكنها أيضًا وضعت إسرائيل في قلب الجدل الدائر حول أخلاقيات استخدام AI في الحروب، نظرًا لتجربتها المبكرة والفريدة في هذا المضمار.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي ومجالات أخرى

سرب من الطائرات المسيرة ذاتية التحكم في مناورات بريطانية عام 2021 – مثال على تكامل الذكاء الاصطناعي مع الطائرات بدون طيار لأداء مهام الإمداد والقتال
في مجال الطائرات بدون طيار: يُعد دمج الذكاء الاصطناعي مع المنصات غير المأهولة من أقوى الاتجاهات الصاعدة. فالطائرات بدون طيار (المسيّرات) أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الخوارزميات الذكية لتحقيق استقلالية أكبر في المهام. يتيح AI لهذه الدرونات تجنب العقبات أوتوماتيكيًا، والتحليق على ارتفاعات مختلفة وفق ظروف المهمة، وحتى التعرف على الأهداف ميدانيًا عبر كاميراتها دون توجيه لحظي من المشغّل. أحد أبرز التطورات هو استخدام أسراب الدرونات المتناسقة ذاتيًا؛ حيث يعمل عشرات أو مئات الطائرات المسيرة معًا تحت إشراف خوارزمية تنسيق مركزي أو موزّع، بما يشبه تصرف سرب طائرات حقيقي بشكل تعاوني. أثبتت التجارب (مثل تجربة مختبر NPS الأمريكي عام 2015 بطيران 50 درونًا ذاتيًا) أن إدارة السرب بواسطة الذكاء الاصطناعي باتت ممكنة، الأمر الذي يمكن استثماره في تنفيذ هجمات جماعية تُربك الدفاعات التقليدية. وقد استعرضت مشاة البحرية الملكية البريطانية عام 2021 سيناريو تستخدم فيه سرب من الدرونات اللوجستية لنقل الإمدادات إلى قوات الخطوط الأمامية تلقائيًا، حيث يقوم الجنود بطلب ما يحتاجون عبر جهاز لوحي ويحددون الموقع، فتتولى المسيّرات الذكية إيصال الحمولة المطلوبة بدقة إلى الموقع المحدد دون حاجة لمشغّل بشري لكل درون. ومثل هذه التجارب تفتح الباب أمام تكتيكات جديدة كليًا في ساحة المعركة تعتمد على أسراب آلية للمهام الهجومية أو الاستطلاعية أو الإمداد. كذلك ظهرت مفاهيم “السرب الموزع” التي تتواصل فيها المسيّرات مع بعضها وتتقاسم المهام آنًا بأآن وفق تطورات الموقف – فمثلًا إذا دُمّر بعض أفراد السرب، يعيد الباقون توزيع الأدوار تلقائيًا لتحقيق الهدف. كل ذلك بفضل خوارزميات ذكاء اصطناعي متقدمة تجعل التنسيق الآني ممكنًا بسرعات عالية (سرعة الآلة). أخيرًا، لا يقتصر التكامل على الجو؛ فهناك أيضًا مركبات برية وبحرية ذاتية يتم تطويرها. مثلًا قامت البحرية الأمريكية بتجربة سفينة Sea Hunter غير المأهولة، المزودة بذكاء اصطناعي يمكّنها من الإبحار مسافات شاسعة بشكل مستقل والقيام بدوريات مضادة للغواصات لأشهر دون طاقم. هذه التكاملات بين المنصات الروبوتية والذكاء الاصطناعي ستغيّر شكل الوحدات القتالية مستقبلًا بحيث نشهد فرقًا عسكرية هجينة من جنود وأنظمة ذاتية تعمل بتناغم.

في مجال الحرب الإلكترونية: يُستخدم الذكاء الاصطناعي لدخول ميدان السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي بفعالية أكبر. في الحروب الحديثة، يتنافس الخصوم للسيطرة على الاتصالات والرادارات عبر التشويش والخداع الإلكتروني. وقد بدأت تظهر أنظمة حرب إلكترونية مدعومة بالذكاء الاصطناعي توصف بأنها “تكيفية” أو “إدراكية” (Cognitive EW). تمكن هذه الأنظمة القوات الصديقة من رصد إشارات الرادار أو الاتصالات المعادية وتحليل خصائصها بسرعة هائلة، ثم توليد تشويش مضاد مثالي في الزمن الحقيقي. فعلى سبيل المثال، بدلاً من استخدام تدابير إلكترونية ثابتة ضد رادار معين – قد يغير العدو تردداته أو تقنياته لتجاوزها – يقوم نظام حرب إلكترونية ذكي بتجريب عدة أنماط تشويش مختلفة في ثوانٍ وتحليل رد فعل الرادار عليها، ثم يستقر على النمط الأكثر فعالية لإسكاته. هذا النهج شبيه بوجود عقل إلكتروني يفكر بالمعركة الطيفية بدل الاقتصار على إجراءات معدّة سلفًا. وقد وصفه أحد الباحثين بأنه “الكأس المقدسة” للحرب الإلكترونية لصعوبة تحقيقه تقنيًا. أيضًا على صعيد الدفاع الإلكتروني، تواجه الجيوش تحديًا متزايدًا مع كثافة الإشارات (بسبب ازدحام الأجهزة اللاسلكية المدنية والعسكرية). يساعد الذكاء الاصطناعي في إدارة موارد الطيف عبر تخصيص الترددات ديناميكيًا للوحدات المختلفة وتجنب التضارب، كما يساعد في كشف محاولات التشويش من قبل الخصم وعزل تأثيرها. من جهة أخرى، للهجوم الإلكتروني المعتمد على AI دور في التشويش والخداع؛ إذ يمكن لخوارزميات التعلم الآلي زرع إشارات وهمية في أجهزة العدو لإرباكها أو تزوير مواقع القوات (كما في تضليل أنظمة GPS المعادية عبر بث بيانات زائفة مدروسة). إن تكامل الذكاء الاصطناعي مع أنظمة الحرب الإلكترونية يرفع المعركة الإلكترونية إلى مستوى جديد من التعقيد والسرعة، قد يصعّب على البشر مجاراته بدون الاعتماد على أنظمة ذكية مضادة. وعليه، يُتوقع أن نشهد سباقًا خفيًا لتطوير ذكاء اصطناعي وأذكی مضاد بين القوى الكبرى في ساحات الحرب الإلكترونية غير المرئية.

التحديات التقنية والأخلاقية والقانونية والعقائدية

رغم الفوائد والمزايا العديدة للذكاء الاصطناعي العسكري، تبرز تحديات جوهرية ينبغي معالجتها قبل الاعتماد الكامل على هذه التقنيات في ميادين الحرب. يمكن تصنيف أبرز هذه التحديات إلى:

  • تحديات تقنية: تشمل مدى موثوقية أنظمة الذكاء الاصطناعي في ظروف الحرب الحقيقية. فالأنظمة قد تواجه بيئات عملياتية معقدة وغير متوقعة تختلف عن بيانات التدريب، مما قد يسبب أخطاء قاتلة. على سبيل المثال، قد تخطئ خوارزمية تعرف على目标 فتميز بين دبابة وصديق أو مركبة مدنية. كذلك هجمات الخصم الإلكترونية تشكل خطرًا؛ إذ يمكن التشويش على مجسّات الأنظمة الذاتية أو خداع خوارزمياتها عبر ما يسمى الهجمات الخصمية (Adversarial Attacks) – كوضع أنماط تمويه خاصة تجعل الذكاء الاصطناعي يرى دبابة حيث لا توجد، أو لا يتعرف على قاذفة صواريخ حقيقية. أيضًا تعتمد معظم حلول الـAI على اتصال البيانات المستمر، وهنا قد تتسبب بيئة الحرب الإلكترونية (التشويش على الاتصالات أو قطع الشبكات) في شل قدرة النظام الذكي إذا لم يُصمَّم للعمل بشكل منعزل. ومن التحديات كذلك أمن البيانات المستخدمة لتدريب هذه الخوارزميات؛ إذ قد يلجأ الخصم إلى تلويث بيانات التدريب (Data Poisoning) لإدخال انحيازات أو ثغرات في نماذج الذكاء الاصطناعي. أخيرًا هناك مسألة قابلية التفسير؛ فمعظم خوارزميات التعلم العميق تعمل كصندوق أسود يصعب على المهندسين تفسير قراراته. هذا الغموض يثير قلق القادة عند اعتماد توصيات AI في قرارات مصيرية.

  • تحديات أخلاقية وقانونية: يطرح استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب أسئلة عميقة حول المسؤولية والمساءلة. في حالة قيام سلاح ذاتي التشغيل بقتل أبرياء عن طريق الخطأ، من يُحاسب؟ هل هو القائد الذي نشره أم المبرمج أم الصانع؟ المجتمع الدولي أيضًا منقسم حول شرعية السماح للآلة باتخاذ قرار القتل. كثير من المنظمات الإنسانية تدعو إلى حظر الأسلحة الذاتية القاتلة تمامًا، معتبرةً أنها لا تستطيع الامتثال لقانون النزاعات المسلحة في وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين. فعلى سبيل المثال، إذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تمييز هدف عسكري وسط منطقة مدنية وقصف الموقع، فسيعد ذلك خرقًا لمبدأ التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني. كما أن هناك مخاوف أخلاقية أوسع حول نزع العنصر البشري من قرارات الحياة أو الموت، وما إذا كان ذلك ينزع الصفة الإنسانية عن الحرب ويخفض عتبة اللجوء للقوة المسلحة. في المقابل، يجادل البعض بأن الذكاء الاصطناعي قد يقلل الأخطاء ويجنب المدنيين عبر دقة أعلى وسرعة استجابة، لكن هذا الادعاء لم يُختبر كفاية بعد. على الصعيد القانوني أيضًا، توجد تحديات تتعلق بسيادة القرار؛ فإذا اعتمدت دولة ما بشكل كبير على AI في منظومات أسلحتها، فهل تستطيع ضمان السيطرة البشرية في جميع الظروف؟ هذه الأسئلة دفعت 31 دولة (بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا) في أواخر 2023 إلى توقيع إعلان مبادئ حول الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي العسكري، تعهّدت فيه بمراعاة القانون الدولي وإخضاع أنظمة AI لمراجعات قانونية وتقنية قبل نشرها. ومع ذلك، يظل هذا الإعلان طوعيًا وغير ملزم، وما زالت الحاجة قائمة لوضع أطر تنظيمية دولية واضحة في هذا المجال.

  • تحديات عقائدية وتنظيمية: إدخال الذكاء الاصطناعي يفرض تغييرًا في ثقافة الجيوش وعقيدتها القتالية. كثير من القادة وضباط الصف متخوفون من هذه التقنيات الجديدة، سواء لعدم فهمها الكامل أو خشية أن تنتقص من دورهم التقليدي. لذا يتطلب الأمر برامج تدريب شاملة لإعداد الكوادر العسكرية لفهم عمل منظومات AI والتعامل معها بثقة. كذلك ستحتاج العقيدة العسكرية إلى التطوير لاستيعاب مفاهيم عملياتية جديدة تنتج عن قدرات AI، مثل عمليات الأسراب غير المأهولة أو الحرب عالية السرعة (حرب الخوارزميات) التي قد تتخذ فيها آلاف القرارات القتالية خلال دقائق. هذا التحول يتحدى هرم القيادة التقليدي؛ فقد تستدعي السرعة الفائقة للمعارك المدعومة بالذكاء تفويض صلاحيات أكبر للأنظمة الذاتية أو للوحدات الصغيرة دون انتظار موافقات من المستويات العليا، مما قد يتعارض مع بعض العقائد المركزية الصارمة. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر الإفراط في الثقة بالأنظمة الذكية – وهو تحدٍ عقائدي نفسي – حيث قد يميل البشر للاعتماد كليًا على توصيات الآلة دون تمحيص، مما قد يؤدي لكارثة إن كانت تلك التوصيات خاطئة. الحفاظ على دور العقل البشري النقدي كعنصر إشراف ومراجعة سيظل مبدأ عقائديًا مهمًا لتجنب هذا الفخ. أخيرًا من منظور هيكلي، سيتعين على الجيوش إعادة تنظيم وحداتها وإدماج تخصصات جديدة (مثل خبراء بيانات ومهندسي برمجيات) ضمن تشكيلاتها القتالية والفنية، بحيث يصبح فنيو الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من آلة الحرب الحديثة جنبًا إلى جنب مع الجنود التقليديين.

آفاق المستقبل والاتجاهات المتوقعة في الأعوام القادمة

مع التقدم التقني المتسارع، يُتوقع أن يتعمّق دور الذكاء الاصطناعي في الجوانب المختلفة للحروب خلال السنوات القليلة المقبلة. من أبرز الاتجاهات المتوقعة استمرار تطور المركبات والروبوتات ذاتية التحكم في البر والبحر والجو. سنرى أعدادًا أكبر من الطائرات المقاتلة المسيرة المتقدمة التي تعمل بالتنسيق مع الطائرات المأهولة كفريق مشترك (Manned-Unmanned Teaming)، بحيث تقوم المسيّرات بمهام الاختراق الخطرة أو توفير الإسناد الناري بينما يركّز الطيار البشري على القرارات التكتيكية الأعلى. كما ستصبح أسراب الدرونات ظاهرة معتادة في ميادين القتال، سواء لتنفيذ ضربات جماعية أو لأغراض الاستطلاع المشترك وتبادل البيانات فيما بينها لحظيًا. وسيواكب ذلك تقدم في مجالات البنية التحتية للاتصالات العسكرية (مثل شبكات 5G/6G والأقمار الاصطناعية) لضمان اتصال آمن وموثوق بين مئات المنصات غير المأهولة ومنظومات القيادة المدعومة بالـAI. في ميدان الدفاع الجوي، سيتعاظم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لمواجهة التهديدات الأسرع من الصوت (كالصواريخ الفرط صوتية) والتي تتطلب ردود فعل في أجزاء من الثانية خارج نطاق الاستجابة البشرية. ومن المرجح تطوير أنظمة اعتراض ذاتية تستطيع تحليل مسار الصاروخ المعادي الخاطف والتصدي له ذاتيًا قبل إصابة الهدف. على صعيد القيادة والسيطرة، ستشهد الأعوام القادمة انتشار أوسع لمنصات “مراكز قيادة رقمية” تستخدم الذكاء الاصطناعي لابتلاع فيضان المعلومات من مستشعرات متعددة وتقديم تنبؤات واستشرافات للقادة – ربما عبر واجهات واقع معزز تعرض للقائد سيناريوهات “مستقبلية” محتملة الحدوث خلال المعركة بناءً على نماذج AI لمحاكاة رد فعل العدو. كذلك من المنتظر أن يصبح الذكاء الاصطناعي مستشارًا استراتيجيًا في غرف العمليات العليا، حيث يقدم تحليلات لسنياريوهات الحرب على المستوى الكلي (مثل التنبؤ بتداعيات خطوة عسكرية معينة على توازن القوى إقليميًا ودوليًا).

على الجانب الآخر، ستتعاظم المساعي الدبلوماسية والتنظيمية لمواكبة هذا التطور التقني. فمع بروز مخاوف عالمية من سباق تسلح خارج الضوابط، قد نشهد محاولات جادة لوضع قيود أو اتفاقيات دولية حول بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحروب – على غرار اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية سابقًا. ورغم أن التوافق على معاهدة ملزمة بشأن حظر الأسلحة الذاتية القاتلة لا يزال بعيد المنال في الوقت الحالي، إلا أن الضغوط الشعبية والحقوقية ستستمر على صانعي القرار لإيجاد صيغة تضمن “إبقاء الإنسان في الحلقة” وضمان الامتثال للقانون الإنساني الدولي. من التطورات المنتظرة أيضًا دخول الذكاء الاصطناعي الكمّي (عند نضوج الحواسيب الكمّية) الخدمة، مما قد يمنح قدرات هائلة في فك تشفير اتصالات العدو أو تحسين تخطيط المسارات واللوجستيات في وقت قياسي – وهذا قد يحدث في أفق أبعد قليلًا.

في المحصّلة، يبدو أننا نقف على أعتاب عصر تتداخل فيه الخوارزميات مع البنادق بشكل غير مسبوق. سيظل الإنسان الجندي والقائد في قلب المعركة، لكن سيصاحبه شريك جديد ذو طبيعة رقمية يضاعف قوته ويمكنه من رؤية أبعد واتخاذ القرار أسرع. وإذا ما أُحسن استخدام هذا الشريك – ضمن إطار من الضوابط الأخلاقية والقانونية – فقد يساعد في حسم المعارك بخسائر أقل وزمن أقصر. أما إساءة استخدامه أو التساهل في ضبطه فقد يفتح الباب لأخطار عظمى وانفلات تكنولوجي مخيف. السنوات القادمة ستكون حاسمة في رسم معالم هذا التوازن الدقيق بين اغتنام فرص الذكاء الاصطناعي العسكري وبين درء مخاطره وضبط تحكّمه، لضمان أن يبقى خادمًا للأمن والسلام لا مُهدِّدًا لهما.

المصادر:

  1. دافني ريكموند-باراك – «ما وراء الروبوتات القاتلة: كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على الأمن والشؤون العسكرية» – موقع C4ISRNet الإخباري (سبتمبر 2022).

  2. إويسون هوانغ – «الأسلحة الفتاكة الذاتية: الحدود الجديدة في الأمن الدولي وضبط التسلح»Stanford International Policy Review (يناير 2025).

  3. مايكل هورويتز – «أنظمة الأسلحة الذاتية: تفنيد خرافة ضرورة وجود الإنسان في دائرة القرار» – موقع War on the Rocks (مايو 2025).

  4. تقرير «الذكاء الاصطناعي في التدريب والتصميم العسكري» – موقع Breaking Defense (أكتوبر 2025).

  5. هاري ديفيز وبيثان ماككيرنان – «“البشارة”: كيف تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي لاختيار أهداف القصف في غزة» – صحيفة The Guardian (ديسمبر 2023).

  6. ويل نايت – «الولايات المتحدة و30 دولة أخرى تتفق على وضع ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا» – مجلة Wired (نوفمبر 2023).

  7. تقرير «سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي: كيف تلحق روسيا والصين بالولايات المتحدة» – مركز CIGI للدراسات (فبراير 2025).

  8. ويكيبيديا الإنجليزية – «التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي» – (أحدث تعديل 2025).