حرب الأنفاق: كيف تستعد وحدات النخبة للقتال تحت الأرض؟
العمليات الخاصة


أصبحت حرب الأنفاق أحد أبرز تحديات الصراعات المعاصرة، بعد أن وظّفت جماعات مثل حماس وحزب الله وشبكات متطرفة بأنفاق معقدة لشنّ هجمات مفاجئة وحماية قاداتها. استجابة لذلك، كثفت الجيوش المتقدمة جهودها لتطوير خطط مواجهة شاملة: من تجهيز وحدات خاصة وتدريب محاكٍ إلى استقدام تقنيات حديثة مثل الروبوتات وأجهزة الاستشعار لاستكشاف الأنفاق. هذا التقرير يستعرض خلفية وتاريخ حرب الأنفاق، التقنيات والأسلحة والمعدات اللازمة، مناهج تدريب القوات الخاصة، التحديات البيئية واللوجستية والأخلاقية، بالإضافة إلى دراسات حالات معاصرة، ويختتم بتوصيات عملية لوحدات النخبة.
في السنوات الأخيرة، كشفت صراعات عديدة أهمية «البعد تحت الأرض» في ميدان المعركة. ففي حرب غزة 2023، أنشأ حماس شبكة أنفاق تحتضن قيادة التنظيم وميليشياته، وصل طولها وفق تقديرات جديدة إلى نحو 350–450 ميلاً. كذلك اكتشفت قوات إسرائيلية مؤخراً عشرات الأنفاق العميقة التي حفرتها حزب الله تحت جنوب لبنان، بعضها محفور في الصخر وصل عمقه لأكثر من 80 متراً. وقد سمحت هذه الأنفاق للجماعات المسلّحة بالتحرك سراً وتأمين الإمدادات وتخزين الصواريخ بعيداً عن الرصد الجوي. من جهة أخرى، تدفع قوى عظمى مثل الصين وكوريا الشمالية وإيران ببنى تحتية عسكرية محصّنة تحت الأرض، ما يعكس اعتقادها بضرورة «الدفاع من تحت الأرض» في مواجهة قدرات التفوق الجوي للعدو.
في ضوء هذه التحولات، بات من الملح لوحدات النخبة والمدن العسكرية إعادة التفكير في قدراتها على القتال تحت الأرض. فخوض نزاع في نفقٍ مظلم يختلف كلياً عن المعارك التقليدية: فهو يكشف تحديات فنية فريدة ومخاطر كبيرة على الجنود. وقد بدأت بعض الجيوش بالفعل بتطوير منشآت تدريب تحت أرضية (مثل ميدان «راينج 68» في فورت ليبرتي بالولايات المتحدة) وتحديث عقائدها لتشمل «الحرب في الأنفاق». هذا التحوّل الاستراتيجي يجعل من القتال تحت الأرض قضية آنية وحاسمة للأمن المستقبلي.
الخلفية والتطور التاريخي
تاريخياً، لطالما استُخدمت الأنفاق في الحروب كوسيلة للمفاجأة والتخفي. ففي الحروب القديمة كان الحصار يتم عبر حفر أنفاق تحت أسوار المدن، وصولاً إلى القرن العشرين حيث شهد العالم حروبا طاحنة تحت الأرض مثل هاي فايتمانز في فيتنام (أنفاق كو تشي التي امتدّت مئات الكيلومترات)، أو الحصار والقتال تحت الأرض في جزر المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية. لكن البعد الحديث يختلف بأننا أمام شبكات أنفاق شاملة ومتداخلة داخل المدن نفسها، يحفرها العدو بعناية بالغة لاحتواء قواته ولتخزين مؤن وتعزيز موقفه السياسي.
على سبيل المثال، اعتمدت قوات فيتنام الجنوبية والولايات المتحدة في الستينيات على (ما عُرف بـ) «رياضية الأنفاق»، حيث دخل جنود صغيري الحجم (المعروفين بـTunnel Rats) للتنقّل في تلك الأنفاق الضيّقة ومعاركة المقاتلين المختبئين. كذلك بنى تنظيم داعش ما يشبه البنى الأساسية تحت الأرض في معاقل مثل الموصل والرقة، وأطلق مسيرات وصواريخ من مخابئ تحت الأرض بعيداً عن أعين الأقمار الصناعية.
ومع بروز تهديد الأنفاق، بدأت الدول الكبرى تعترف بأهمية هذا البُعد الحربي. فقد أشار تقرير حديث إلى أن مقرّرات القوات البرية الأمريكية لم تهتم بالحرب تحت الأرض حتى عام 2017 حين صدر أول دليل تكتيكي خاص بهذه البيئات. أما باحثون عسكريون فقد حذّروا من أن الجيوش غالباً ما تفرض اعتمادها على قتال المفاجأة (كالمفخخات والأنفاق) لتجنب التفوق الجوي للهجوم، حسب توصيف ضابط في سلاح الجو الأمريكي. كما أن أنفاق الخصم تشكّل «وسيلة متقدمة للتخفي والتغطية» تجعل مهمة تدميره شبه مستحيلة ما لم تُعدّ الجيوش لمواجهته بنهج جديد.
على الأثر، بدأت حركة التحديث. فقد نشأت مدارس تدريب وتطوير خطط مشتركة تضاهي المجالات الرئيسية مثل البحري والجوي. فالإستراتيجية الحالية تسعى إلى فهم الأنفاق كبيئة قتالية مستقلة تتطلب عتاداً وتدريباً خاصاً. في هذا السياق، نشأت دوائر أبحاث خاصة (مثل مشروع الحرب الحضرية في أكاديمية ويست بوينت) ونشرت أوراق تحليلية عن «الحرب تحت الأرض» و«أسلحة مخصصة للبيئات المظلمة». خلاصة التطور التاريخي أنّ حرب الأنفاق، من الغزو في تونز في ليبيامدة لاجتياح إيتشالدونغر، تحوّلت من فنون محاصرة قديمة إلى عامل حاسم في الحروب غير المتماثلة التي نخوضها اليوم.
الجانب التقني (المعدات والأسلحة والاتصالات والاستشعار والتهوية والخرائط)
المعدات والتكنولوجيا اللازمة لأغراض القتال في الأنفاق تختلف جذرياً عن الحروب السطحية. أولاً، الأسلحة الصالحة لهذه البيئة يجب أن تكون مدمجة (حتى يسهل حملها في الأماكن الضيقة) وقابلة للعمل بصمت نسبي. غالباً ما تُستخدم بنادق خفيفة قصيرة الماسورة مثل بنادق التكتيك (Carbines) ورشاشات خفيفة معدَّلة ببطاريات صامتة (مع كاتم صوت) لتقليل التعرّف الصوتي. وقد يكون إطلاق قنابل دخان أو مُضاءة مفيداً للتشويش على العدو، لكن استخدامها محدود بسبب نقص الأكسجين في الأنفاق. الذخائر المتفجرة (قنابل تفجيرية صغيرة) أو «رذاذات الجاز» أحياناً تُستخدم لتطهير الغرف، لكن هناك تحفّظات أخلاقية وقانونية على أسلحة كيميائية أو غازية.
الاتصال يواجه مشكلة كبرى: الإشارة اللاسلكية لا تمر عبر الأرض. كما وصف ضابط أمريكي خلال تدريب في فورت براغ: «إذا كنت مغموراً تحت الأرض بمسافة 100 قدم، لن تصل إشارتك اللاسلكية. عليك إيجاد بدائل للتواصل». لذلك، تعتمد الوحدات على كابلات خاصة (كابلات ضوئية أو سلكية) تمتد مع الجنود، أو أجهزة اتصال عبر الموجات الأرضية (التي تستخدم الترددات المنخفضة القادرة على اختراق الصخور) مثل نظام «التليفون الأرضي». وتجرى أبحاث على طائرات درون صغيرة تستطيع حمل أجهزة تعيد بث الإشارات الضوئية أو الصوتية إلى السطح.
في مجال الاستشعار والكشف، ظهرت أجهزة رادار اختراق الأرض (Ground-Penetrating Radar) المحمولة، قادرة على رسم معالم الفراغات الجوفية قبل دخولها. كما تُستخدم حساسات بيئية وحركية (Motion Sensors) ونُظم ثنائية الأبعاد ثلاثية الأبعاد تُلقي كاشفًا داخل النفق عبر طائرة درون صغيرة أو روبوت متسلق، لتعطي خرائط فورية. وهناك تجارب لروبوتات مسيّرة (مثل «الكلاب الروبوتية» Boston Dynamics Spot) مهيأة للزحف في الأنفاق وكشف العوائق وإرسال الصور الحية. كما ذكرت مصادر أمريكية أن DARPA أطلقت تحدي تكنولوجي للأنفاق تحت الأرض «Subterranean Challenge» لتشجيع ابتكار تقنيات مساعدة في رسم الخرائط والتنقل الآمن في هذه البيئات.
التهوية والإمداد بالمؤن في الأنفاق موضوع حساس. الأنفاق العميقة تخلو عادة من تيارات هواء كافية؛ وإذا حدث انحشار لغازات (ناجمة عن المتفجرات أو موتى مسبقين) فقد ينفد الأكسجين بسرعة. ولذلك تُزوِّد فرق القوات الخاصة بمعدات قياس الغاز المحمولة، فتارة يختبرون الغازات السامة (مثل أول أكسيد الكربون أو الميثان) واتجاه تدفق الهواء، وتارة يركبون مراوح تهوية محمولة لدفع الهواء النقي داخل الفضاء الضيق. بتاريخ مقالات المعركة في غزة 2023، لاحظت قوات الاحتلال أن الأنفاق كانت «ضيقة منخفضة وجيدة التهوية [سيئة التهوية] بلا حمام»، مما يؤكد الحاجة إلى إعداد خطط تهوية جيدة ودورات تبادل هواء قصيرة عند العمليات تحت الأرض.
الخرائط ورسم التخطيط ضروريان أيضاً. يجب أن يكون لدى الوحدة نسخ من الخرائط الأرضية المبنّية، وإذا أمكن خرائط ثلاثية الأبعاد تصدرها أجهزة المسح الليزري أو الخرائط الطوبوغرافية للمنطقة. وأصبح الاعتماد على نظم تحديد المواقع التقليدية غير مجدٍ داخل الأنفاق؛ لذلك قد تلجأ الفرق إلى تركيب بوصلات رقمية مدمجة في خوذ الجنود تعمل بتقنية MEMS لتعقب الحركة والمسار. باختصار، كل هذه الأجهزة والعتاد يجب اختيارها لتكون خفيفة وقوية ويمكن الاعتماد عليها في الظلام والصقيع والرطوبة التي تعتري بيئة الأنفاق.
التكتيكات والتدريب
قوة الوحدات الخاصة تتطلب منهجية صارمة للقتال تحت الأرض. غالباً ما يتم تكوين فرق صغيرة جداً (قد تكون مجرد 3–5 أفراد) تدرب على مداهمة الأنفاق وإخلائها بشكل متسلسل ومنظم. تشمل التكتيكات المعتمدة: اكتساب الوضع النفسي (جعل المقاتلين مرتاحين في الظلام والضجيج) وفحص الممرات خطوة بخطوة. من الأساليب المتبعة أن يتحرك الجندي الأول بحرص شديد وفي اتصال دائم مع زميله الثاني، مع عدم فصلهما أكثر من مدى السلاح، للحفاظ على الاتصال البصري والصوتي. بعض الجيوش تُدرّب الجنود على وضع خراطيم السلك الخلفي (leash) أو الحبال لتأمين رجوعهم في حال تاهوا. كما تُستخدم قنابل دخان أو ضوء فلاش مؤقت لتشتيت المهاجمين قبل التقدم للحجرات التالية.
وسائل التدريب شملت بناء منشآت محاكاة متكاملة لأنفاق تحت أرضية. على سبيل المثال، افتتحت قاعدة فورت ليبرتي الأميركية ميداناً تدريبياً طوله أكثر من كيلومتر يتضمن أنفاقاً تفرُّعياً وتفرّعات متعددة، وبعض الممرات مليئة بالمياه الضحلة لزيادة الصعوبة. هناك يجري تدريب جنود المشاة وقوات العمليات الخاصة على حد سواء، بحيث يخرج الواحد كـ«فخّاز» (مستعيناً بالأجهزة المحمولة، ينصب كميناً وهمياً داخل النفق) وتنفذ الفرق المحاصرة التمرين لإيجاده. خبراء التدريب يؤكدون أن هذه التجربة «احترافية جداً، قمنا بجعل الأنفاق معقدة قدر الإمكان».
إضافة لذلك، تعتمد برامج التدريب الحديثة على التكرار والمحاكاة الافتراضية. فقد بدأت القوات المسلحة الأمريكية وبعض حلفائها باعتماد نظارات الواقع الافتراضي (VR) لتدريب الجنود على سيناريوهات تحت الأرض قبل الدخول في الميدان. كما يستعين بعض المعاهد بحواسيب متقدمة لمحاكاة الخرائط المجهولة داخل الأنفاق، وتوليد صعوبات مثل انفجار عبوات ومواجهات عشوائية. كما توجد وحدات خاصة تدمج في تدريبها أساليب الذكاء الاصطناعي لتحليل سيناريوهات متعددة، ولتقييم أداء الجنود بعد كل تمرين بهدف تحسين التكتيكات بشكل مستمر.
ومن أهم العوامل الناجحة في التدريب الاحترافي هو «المعنوية والقوة الذهنية». إذ إن المواجهة في الأنفاق تحبس الرعب النفسي: الظلمة تشتت الوعي، وصوت الرصاص بصوت عالٍ يقرب الجنود من الفوضى. لذلك يُشدد التدريب على ضبط النفس وإدارة الضغط، مع التركيز على العمل الجماعي (فقط من خلال الثقة والتواصل المباشر يمكن اجتياز مخاطر مثل الأسلاك المفخخة والحواجز). هناك أيضاً تدريبات مشتركة (مع الولايات الحليفة أو بين قوات المشاة والقوات الخاصة) لتبادل الخبرات، فيبني المقاتلون فهم المشكلات وآليات التعامل الناجحة. أخيراً، هناك فرق متخصصة تشكلها بعض الجيوش تُعرف بـ«وحدات محاربة الأنفاق» (Tunnel Warfare Units)، وقد يكون دربها فنيون ومهندسون مدنيون بعيدون عن المهام القتالية العادية، مثلما أنشأت إسرائيل وحدة “يديعوت” لمهام هندسية تحت الأرض، ووحدات تشبه المهندسين المجهزين بوسائل تفجير وتحليل للتربة، لرصد وتدمير الأنفاق المعادية بفعالية أكبر.
التحديات والقيود
القتال تحت الأرض يفرض عدة قيود جسام. بيئياً، الأنفاق مظلمة وحارة أو رطبة، تفتقر للإضاءة والأوكسجين. يتعرض المقاتل لمخاطر الانهيار الأرضي المفاجئ أو انفجار القنابل اللاصقة (الألغام). وكذلك النفايات البيولوجية والغازات تشكل خطراً: فالثاني يفقد صلاحيته بسرعة في الأنفاق. كما أن القتال بطابع ضيق يضاعف خطر وقوع أصابات حادة (الرصاصة تطلق على مسافة قريبة جداً).
لوجستياً، يعدّ النقل والإمداد تحدياً. لا يمكن إدخال مركبات ثقيلة، وغالباً يصعب إيصال المؤن والوقود للمعدات تحت الأرض. حتى الإخلاء الطبي للمصابين متعذر في المسارات الضيقة؛ إذ قد يحتاج الجرحى لرفع فيلة معدنية أو عربات شبيهة. بالإضافة لذلك، تفقد معدات الاتصالات اللاسلكية فعاليتها، ما يدفع إلى اعتماد أدوات خاصة أغلى الثمن.
أخلاقياً وقانونياً، تحكم القتال تحت الأرض قوانين صارمة. فليس مسموحاً استخدام أسلحة كيماوية أو قذائف غازٍ بقصد تطهير الأنفاق؛ اتفاقيات جنيف تمنع استعمال الغازات المحظورة في ساحات الحرب. كذلك، كثيراً ما تكون الأنفاق تحت مناطق مأهولة بالسكان أو ملاصقة لمبانٍ مدنية (كما وقع في غزة)، مما يطرح أسئلة عن تمييز المدنيين. هنا تبرز مسؤولية القوات الخاصة في الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، حتى في مواجهة ارتباك الزمان والمكان. على سبيل المثال، قد يُخشى دخول نفق يؤدي إلى منشأة طبية أو مسجد أو مدرسة؛ ولهذا يبذل المحللون جهداً لتجنُّب الاستهداف العشوائي، مع مراعاة مبادئ «الضرورة العسكرية» و«التناسب». باختصار، يجب على المخططين أن يوازنوا بين تحقيق الأهداف وتجنُّب الأضرار الجانبية قدر الإمكان، وهذا أشد صعوبة عندما يكون العدو مختبئاً تحت بيوت المدنيين.
دراسات حالة مختارة
أبشع أمثلة الحرب تحت الأرض (حماس – غزة 2023): شنت حماس في الحرب الأخيرة هجمات عبر أنفاق شاسعة تحت غزة. فتحت البركة الداخلية لـ«الحي الراقي» في غزة، حددت القوات الإسرائيلية شبكة أنفاق متصلة بمساكن مسؤولي حماس. تضمنت شبكة الأنفاق أقساماً عميقة (بعضها بعمق 20 متراً يحتوي على سلالم دوارة وأبواب مضادة للانفجار) وغرف عمل وصيانة. وقد استخدم سكان الأنفاق كميات هائلة من الخرسانة لتدعيمها، وبنى خلالها ملاجئ بالكامل: بينها أنفاق رفاهية بجدران مرسومة ومراوح سقفية وتكييف هواء. بقيادة المقاومة، اجتاح المقاتلون والنشطاء الأنفاق لعدة أشهر، حيث أغرقوا متبنيين ميزة المفاجأة. وبحسب التقارير، اكتشفت قوات الاحتلال الإسرائيلية أكثر من 1,500 بئر وأنفاق طويلة تصل إلى ميلين ونصف ميل، واستغرقت تدمير البنى العميقة أسابيعاً. وتضمنت جهود التدمير استخدام معدات متخصصة: فرق هندسية مع كلاب مدربة، وأحياناً روبوتات تفكيك إبطال ألغام. ولإجبار الإرهابيين على الخروج، استُخدمت مياه ضخمة ومواد متفجرة سائلة. هذا المثال يوضح أن دقة المعلومات الاستخباراتية عن مخططات العدو وتعاونها مع التكنولوجيا المتقدمة أمر حاسم لنجاح العمليات الخاصة تحت الأرض.
أنفاق حزب الله (جنوب لبنان 2024): في مواجهة الحملة الإسرائيلية على جنوب لبنان، عَثرت القوات على شبكة كبيرة من أنفاق حزب الله. هذه الأنفاق حفرت في صخر صلب، ما يشير إلى بنائها باحترافية وباستخدام معدات ثقيلة. كشف المراقبون أن الحفر استُخدم لتخزين صواريخ مضادة للدبابات وتحصينات حربية قرب الحدود. إحدى التقارير رصدت أن العديد من الأنفاق مزودة بأنظمة إضاءة وتهوية وحتى مواسير صرف صحي، مما يدلّ على أن المقاتلين كانوا يعدّون البقاء فيها لفترات طويلة. في عملية عام 2018، أكد الجيش الإسرائيلي اكتشاف ستة أنفاق حفرها حزب الله عبر الحدود، طالت إحداها إلى إسرائيل بطول كيلومتر وعمق 80 متراً. وشوهدت حتى دراجات نارية تُستخدم داخل أنفاق الإمداد، ما يشير إلى سعتها الكبيرة. عملت فرق هندسية بحذر على تفجير هذه الأنفاق أو سدها بالإسمنت، مع إجلاء المدنيين عند الضرورة. تعكس هذه الحالة مدى تعقّد شبكة الأنفاق وجعلها نقطة عمل إسرائيلية شائكة، وتؤكد أهمية الاستعداد للقتال في بيئات مختلطة من التربة والحجر الصلب.
معركة ماراوي (الفلبين 2017): استغل مسلّحو داعش في مدينة ماراوي (جنوب الفلبين) بنية حضرية ملائمة لأنفاق وشبكات تحت أرضية. فقد وُجد أن معظم المنازل هناك مبنية بالطريقة «البوهوس» (يعني جدرانها خرسانية مسلّحة)، مع أقبية وبلاطات خرسانية أعمق داخلها تصل إلى طابق سفلي كامل. استغل مقاتلو تنظيم الدولة هذه المنشآت؛ إذ حفرت الجماعة أثناء الاستعداد للهجوم مئات «الثغرات» الصغيرة (mouseholes) بين المنازل لتمكين الإرهابيين من التنقل داخل المدينة دون كشف. كما استخدموا هذه الأنفاق لتخزين العبوات والذخائر. استلزمت قوة العمليات الخاصة الفلبينية (مع دعم جوّي محدود) أشهراً من القتال الدؤوب لحصار وهدم هذه الملاجئ؛ فعلى سبيل المثال، لم يتمكنوا من عزل المقاتلين بسهولة لأن الشبكة البُنائية المكثفة سمحت للإرهابيين بالتحرك من مبنى لآخر تحت الأرض. هذا المثال يظهر كيف أن حتى البنية الحضرية المصممة أصلاً لمقاومة العواصف المتكررة (البيئة المعمارية في ماراوي) يمكن استغلالها عسكرياً كطوارئ عند بناء شبكة أنفاق محلية.
الاتجاهات المستقبلية
مع تنامي خطر الأنفاق، تتجه الجهود المستقبلية لتسخير الروبوتات والذكاء الاصطناعي. فالكثير من المعامل البحثية تعمل الآن على روبوتات شبه مستقلة تستطيع الدخول إلى الأنفاق وإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد في الزمن الحقيقي. مثال على ذلك: أعلنت DARPA تحدي الأبطال تحت الأرض، لتشجيع تصميم حلول مثل طائرات درون داخلية تسير على الأسلاك أو بدونها لالتقاط صور جرتسية. كما يقود الجيش الأمريكي تطوير «كلاب روبوتية حارس» مجهزة بأجهزة استشعار رادارية وكاميرات لرصد الحركة داخل الأنفاق.
ستشهد السنوات القادمة دمجاً أوثق بين الطائرات المسيرة الصغيرة وأجهزة المراقبة، بحيث يمكن إسقاط حساسات لاسلكية في مداخل الأنفاق قبل اقتحامها لقياس الحركة أو درجة الأكسجين. كذلك من المتوقع أن تستفيد الاستخبارات من تحليل البيانات الضخمة: ففي المستقبل القريب، ستستخدم الألواح الذكية والذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الاصطناعية وبيانات التواصل لتحذير مسبق عن مواقع محتملة لفوهات أنفاق، قبل وقوع المواجهة. من الناحية التقنية، قد يظهر حسّاسات اختراق أرضي متطورة أكثر فعالية، وأجهزة اتصال بتكنولوجيا «الراديو الأرضي» فائقة القدرة.
أخيراً، يبقى مجال الدمج بين القوات التقليدية والوحدات الخاصة واعداً. فقد تتعاون الطائرات المسيرة القتالية مع فرق الجيش في تنفيذ استهدافات دقيقة لمخارج الأنفاق، بينما تقدم وحدات الاستطلاع السيبراني تحليلات بلحظاتها حول احتمال وجود أنفاق عند مناطق ساخنة. المناهج المستقبلية ستعتمد بشكل متزايد على تبادل المعلومات الفوري (جهاز إلى جهاز، وجهاز جوّ إلى جهاز تحت الأرض) وتصميم حزمة متكاملة للقتال تحت الأرض تضم الجنود والآلات.
تُظهر الحالة الراهنة أن حرب الأنفاق لم تعد امراً ثانوياً، بل عنصراً استراتيجيّاً يحسم نتائج الصراع. لذا يتعيّن على وحدات النخبة دمج قدرات مكافحة الأنفاق في كل خططها التدريبية. والتوصيات العملية تتضمن: بناء أو الوصول إلى منشآت تدريب محاكاة للأنفاق (كما فعلت بعض الجيوش المتقدمة)، واكتساب أحدث أجهزة الكشف والاستشعار تحت الأرض، وتطوير وسائل اتصالات تتخطّى الحجب الأرضية (مثل الكابلات الضوئية أو ترددات النفاذ الأرضي)، إضافة إلى تعزيز التعاون بين القوات البرية والهندسة العسكرية والاستطلاع التقني. وبالتوازي، يجب اعتماد برامج تدريب نفسي تصقل مقاومة التوتر في الظلمة والضجيج. لا بد أيضاً من تبني تكتيكات مرنة: فمثلاً، يمكن استخدام فرقتين تشكلان معاً «الوضاع الضبابية» (فريق يقود والفريق الآخر داعم في الخارج) أو فرق تضرب من مدخلين متقابلين لتضييق الخناق.
ختاماً، إن الهيئات القيادية مدعوة إلى إقرار عقيدة خاصة بالقتال تحت الأرض وتحديث بروتوكولات المشاركة الحسية للاعبين. فالسنوات القليلة القادمة ستشهد انتقال سلاح الحرب إلى بطون الأرض كما نقرأ الآن. ومن يُجاهر بالجاهزية اليوم هو من يضمن تفوّق قواته غداً.
دعوة للتواصل
للمهتمين بتعمق أكثر في هذا الموضوع أو لطلب تقارير وتحليلات مخصصة حول مواجهة تهديد الأنفاق وغيرها من القضايا الأمنية والعسكرية، يدعو المرصد العسكري العربي قراءه للتواصل معنا. نحن نقدم استشارات وتحليلات معمّقة تخدم صانعي القرار والباحثين؛ يمكنكم زيارة موقعنا الإلكتروني أو التواصل عبر البريد الالكتروني للحصول على تقارير ودراسات مفصلة بحسب الاحتياج.
المراجع
John Spencer, “Gaza’s Underground: Hamas’s Entire Politico-Military Strategy Rests on Its Tunnels,” Modern War Institute (U.S. Military Academy, 18 Jan. 2024).
Daphne Richemond-Barak, “The Army Has Stepped Up Its Training for Tunnel Warfare,” American Homefront/KPBS, 19 June 2024.
U.S. Army, “Tunnel Rats: Warfighters Can Now Train in Subterranean Warfare,” Army.mil (1 Sept. 2020).
Israeli Defense Forces (IDF), “Tunnel Network Used by Hamas’ Senior Leadership in Gaza’s ‘Elite Quarter’ Revealed,” 20 Dec. 2023.
VOA News, “Israel Unearths Hezbollah’s Web of Tunnels in Southern Lebanon,” 2024.
John Spencer, Jayson Geroux, Liam Collins, “Urban Warfare Case Study #8: Battle of Marawi,” Modern War Institute (West Point, 23 May 2024).
Haley Britzky, “The Army Wants Robots to Help Soldiers Map Underground Tunnels,” Task&Purpose, 23 Apr. 2019.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
