حرب المسيّرات في الشرق الأوسط: من شاهد الإيرانية إلى الدرونات الليفية غير القابلة للتشويش
الدرونات والطائرات المسيرة


دخلت حرب المسيّرات في الشرق الأوسط مرحلة جديدة لم تعد فيها الطائرة غير المأهولة مجرد وسيلة استطلاع أو ضربة تكتيكية محدودة، بل أصبحت أداة استنزاف استراتيجية، ووسيلة ضغط سياسي، وسلاحاً اقتصادياً يطال القواعد العسكرية والموانئ والبنى التحتية وخطوط الملاحة. جوهر التحول يتمثل في ثلاث حقائق مترابطة: أولاً، أن إيران بنت خلال عقدين منظومة مسيّرات متعددة الطبقات تبدأ من الطائرات الاستطلاعية والتكتيكية مثل “مهاجر” وتصل إلى ذخائر الهجوم الأحادي الاتجاه من عائلة “شاهد”، مع قابلية واسعة للتصدير أو النقل إلى الوكلاء والشركاء؛ ثانياً، أن الدفاعات التقليدية باهظة الثمن ما زالت قادرة على إسقاط كثير من هذه الأهداف، لكنها لا تفعل ذلك دائماً بكفاءة اقتصادية أو تغطية هندسية كافية؛ وثالثاً، أن الانتقال من المسيّرات المعتمدة على الوصلة اللاسلكية إلى مسيّرات FPV الليفية، ومعها منصات منخفضة البصمة الرادارية والحرارية، يضغط على فعالية الحرب الإلكترونية ويُجبر الجيوش على بناء دفاعات طبقية جديدة تجمع بين الاستشعار الرخيص، والتشويش، والمدافع، والمسيّرات الاعتراضية، والطاقة الموجَّهة. هذا التحول لا يغيّر فقط تكتيكات القتال، بل يعيد تعريف الردع والتحالفات وكلفة حماية السماء في المنطقة.
مقدمة
منذ منتصف العقد الماضي، تحولت المسيّرات من “ملحق” في الحروب الإقليمية إلى أحد مراكز الثقل فيها. فالمشهد لم يعد يقتصر على طائرة تقوم بالتصوير أو تصحيح النيران، بل على منظومات مترابطة تشمل الاستطلاع، وتحديد الأهداف، والضرب الانتحاري، وإغراق الدفاعات، والعمل ضمن رزم هجومية مختلطة إلى جانب الصواريخ المجنحة والباليستية. وتُظهر قواعد بيانات وتحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن إيران أصبحت من أكثر الدول نشاطاً في نشر المسيّرات خارج حدودها، سواء إلى روسيا أو إلى حلفاء وشبكات مسلحة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، بينما تؤكد تقديرات وزارة الخزانة الأمريكية أن هذا البرنامج لا يعتمد على الاكتفاء الذاتي الكامل، بل على شبكات توريد خارجية لمكوّنات حرجة، كثير منها ذو استخدام مزدوج. والأهم أن الهجمات الكبيرة، من بقيق وخريص إلى البحر الأحمر ووصولاً إلى الضربات الإقليمية الواسعة في 2024 و2026، أظهرت أن الطائرة الأرخص تعيد تشكيل معادلة السماء الأغلى.
ومن الضروري، قبل الخوض في التفاصيل، الإقرار بحدود البيانات المفتوحة. فالمخزونات الفعلية، ومعدلات الإنتاج الشهرية، ودقة الإصابة الفعلية، ونسب الاعتراض الدقيقة، وقواعد الاشتباك، كلها ملفات يخفي جزءاً كبيراً منها الطابع السري أو الدعائي للحرب. لذلك يميّز هذا التقرير بين ثلاث فئات: معلومات مؤكدة بوثائق أو بيانات رسمية؛ تقديرات مفتوحة المصدر متداولة في تقارير بحثية وصحافة موثوقة؛ وادعاءات صادرة عن أطراف النزاع لم تُتحقق استقلالياً. هذا التمييز أساسي لأن حرب المسيّرات، أكثر من غيرها، حرب سرديات بقدر ما هي حرب إلكترونيات ومحركات.
من شاهد إلى مهاجر وقاصف وسومار
تكنولوجياً، لا تتحدث إيران عن “مسيّرة واحدة” بل عن عائلات تؤدي أدواراً مختلفة. فـ“مهاجر” تمثل خطاً أقدم تطور من الاستطلاع إلى الاستطلاع المسلح؛ وتشير مادة مرجعية لدى “إيران ووتش” إلى أن “مهاجر-6” قادرة على حمل ذخائر صغيرة موجهة، ومدى يصل إلى نحو 200 كيلومتر، مع قدرة على الطيران حتى 12 ساعة والعودة بعد إطلاق الحمولة. أما “مهاجر-10”، فقد أعلنت طهران عند كشفها عنه في آب/أغسطس 2023 أنه يمتلك مدى عملياتي يبلغ 2000 كيلومتر وحمولة تصل إلى 300 كيلوغرام، لكن هذه الأرقام تظل، حتى الآن، إعلاناً إيرانياً يحتاج إلى تثبيت مستقل. وفي المقابل، تمثل عائلة “شاهد” الذراع الأبرز للهجوم الأحادي الاتجاه، أي المسيّرات التي تُطلق نحو الهدف لتنفجر فيه بدل أن تعود إلى القاعدة. أما “قاصف-1/2K” فهي، وفق تحليل CSIS وتقارير الأمم المتحدة، أقرب إلى نسخة أو اشتقاق من “أبابيل-T” الإيرانية، وقد استخدمت بكثافة في الجبهة اليمنية.
في جانب الحمولة والمدى والدقة، يجب التعامل مع الأرقام بحذر. فـ“قاصف-1”، بحسب CSIS، تُرجَّح لها خصائص مشابهة لـ“أبابيل-T”: مدى يقارب 150 كيلومتراً، حمولة بحدود 30 كيلوغراماً، زمن طيران نحو 120 دقيقة، واعتماد على نقاط مسار مبرمجة مسبقاً ونظام GPS، ما يجعلها مناسبة لأهداف ثابتة أو شبه ثابتة أكثر من كونها منصة اشتباك مرنة. أما “شاهد-136” فتتفاوت تقديرات مداها في المصادر المفتوحة تفاوتاً كبيراً: هناك تقديرات تتحدث عن 700 إلى 1000 كيلومتر لبعض النسخ التشغيلية الأحدث، فيما تذهب أدلة بصرية ومرجعيات مفتوحة إلى مدى أكبر يتجاوز 2000 كيلومتر لنسخ أخرى أو عند الحديث عن “مدى العبور” لا “نصف القطر القتالي”. كذلك تتفاوت تقديرات الكلفة: بعض تحليلات CSIS ومواد رويترز تضع كلفة المسيّرة الواحدة بين 20 ألفاً و50 ألف دولار تقريباً، وهذه الفجوة بحد ذاتها تكشف صعوبة الوصول إلى رقم قاطع في غياب بيانات إنتاج رسمية منشورة. أما بالنسبة إلى “الشبحية”، فمن الأدق لغوياً وعسكرياً الحديث عن “انخفاض البصمة” rather than stealth بالمعنى الجوي الكلاسيكي، لأن ما يُعلن غالباً هو انخفاض مقطع الرادار أو صعوبة الاكتشاف، لا امتلاك خصائص شبحية متكاملة كالتي نعرفها في الطيران المقاتل.
ومن المهم أيضاً تصحيح خلط شائع: “سومار” ليست مسيّرة بل صاروخ كروز أرضي للهجوم البري. قاعدة بيانات CSIS الخاصة بإيران تصنف “Soumar” ضمن الصواريخ المجنحة بمدى يقدَّر بين 2000 و3000 كيلومتر. لكن إدراجها في أي تحليل لحرب المسيّرات يظل مفيداً لأن العقيدة الإيرانية لا تستخدم المسيّرات منفصلة عن بقية منظومة النيران؛ ففي هجوم نيسان/أبريل 2024 على إسرائيل، تشير تقارير “إيران ووتش” ووزارة الدفاع الأمريكية إلى استخدام طهران حزماً هجومية مختلطة شملت “شاهد-131” و“شاهد-136” إلى جانب صواريخ كروز وبراميل باليستية. المعنى هنا أن المسيّرة أصبحت طبقة افتتاحية أو مُشبِعة للدفاع الجوي داخل رزمة ضرب أوسع، لا بديلاً وحيداً عنها.
شبكات الصناعة والتوريد
الصورة الصناعية للبرنامج الإيراني أكثر تعقيداً من خطاب “الاكتفاء الذاتي” الرسمي. ففي أيار/مايو 2024، أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن منظمة الصناعات الجوية الإيرانية IAIO، التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، تشرف على مُصنّعين رئيسيين للمسيّرات هما HESA وQods Aviation Industries، وأن شبكات مرتبطة بشركة Rayan Roshd Afzar أمّنت أجزاء حرجة لبرنامج الطائرات غير المأهولة الإيراني. وتكمل هذه الصورة عقوبات أيلول/سبتمبر 2023 التي استهدفت شبكة موزعة بين إيران والصين وتركيا والإمارات العربية المتحدة وهونغ كونغ لتوريد أجزاء حساسة إلى برنامج “الطائرات الهجومية الأحادية الاتجاه”. الدلالة ليست فقط أن إيران تستورد مكوّنات؛ بل أن هذه المكوّنات غالباً ليست منصات كاملة بل محركات مؤازرة، وإلكترونيات بصريات، ومتحكمات، وأنظمة ملاحة، ومواداً أولية يمكن إخفاؤها داخل التجارة المدنية المشروعة.
وتؤكد وثيقة التقييم الأمريكي الوطني لمخاطر تمويل الانتشار لعام 2024 هذه النقطة بوضوح: إيران “تعتمد على المشتريات الأجنبية للمكوّنات الحرجة الخاصة بمسيّراتها”، كما تربط الوثيقة نفسها البرنامج الإيراني بتزويد روسيا ووكلاء إقليميين في العراق واليمن. ويأتي ذلك متسقاً مع قضايا جنائية أمريكية، منها اتهام أربعة صينيين في مطلع 2024 بتهريب مكوّنات إلكترونية أمريكية المنشأ إلى إيران وكيانات عسكرية مرتبطة بها. وفي المستوى الفني، تُظهر تحقيقات Conflict Armament Research أن المسيّرات الإيرانية والروسية القائمة على تصميم “شاهد” تحتوي على عدد كبير من الإلكترونيات المتعددة الأغراض المتاحة تجارياً في الأسواق الدولية، وأن كثيراً من القيود التصديرية التقليدية لم تُعامل هذه المكوّنات باعتبارها عالية الحساسية إلا بعد ظهورها في بقايا الأسلحة على الأرض. هذا يعني أن “شبكة التهريب” ليست دائماً شحنة سرية عظيمة، بل أحياناً سلسلة مشتريات صغيرة وموزعة يصعب إغلاقها دفعة واحدة.
أما الشق الروسي، فقد خرج من مرحلة الاستيراد المباشر إلى مرحلة الإنتاج المحلي والاستيعاب الصناعي. ففي آب/أغسطس 2023، ذكرت رويترز، استناداً إلى وثائق راجعتها مؤسسات بحثية، أن مصنعاً في ألابوغا كان يستهدف إنتاج 6000 مسيّرة بحلول صيف 2025. وفي نيسان/أبريل 2025، أشار IISS إلى أن مصادر أوكرانية قالت إن روسيا أنتجت أكثر من 6000 مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في 2024 وتسعى إلى زيادة الرقم في 2025. كما تؤكد CAR أنها وثقت في تموز/يوليو 2023 نسخة روسية محلية من “Geran-2” مبنية على “شاهد-136”. ومن اللافت أن تحليل CSIS في 2026 يلمح إلى احتمال تطور العلاقة من تدفق أحادي من إيران إلى روسيا إلى تبادل أكثر تقابلاً للتكنولوجيا، خصوصاً إذا ثبت استخدام نماذج روسية مطوَّرة أو مُصنَّعة محلياً في ساحات شرق أوسطية. إذا صحّ هذا الاتجاه، فنحن أمام “مجمع صناعي مسيّري” عابر للحدود، لا مجرد صفقة سلاح ثنائية.
من القاعدة إلى الميناء
استخدامات المسيّرات الإيرانية ووكلائها تتوزع على مستويين. المستوى التكتيكي يشمل استهداف القواعد، والرادارات، ومنظومات الدفاع الجوي، والتجمعات الميدانية، والآليات، والسفن. أما المستوى الاستراتيجي فيطال ما هو أبعد من الأثر العسكري المباشر: حقول النفط، مصافي التكرير، المطارات، الملاحة التجارية، الخطوط النفسية للسكان، ورسائل الردع الموجهة للحلفاء قبل الخصوم. المثال اليمني كان حاسماً في هذا السياق: تقارير CSIS عن حرب اليمن توضح أن الحوثيين استخدموا المسيّرات لضرب حقول نفط، ومصافٍ، ورادارات دفاع جوي، ومطارات، بل وأصبحت هذه المسيّرات جزءاً مركزياً من حملتهم الجوية. وعلى امتداد 2023 و2024، انتقل هذا المنطق إلى البحر الأحمر، حيث سجلت وزارة الدفاع الأمريكية 25 هجوماً على سفن تجارية منذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2023 حتى مطلع كانون الثاني/يناير 2024، قبل أن تشير رويترز إلى أن عدد الهجمات تجاوز 70 بحلول تموز/يوليو 2024، مع غرق سفينتين واحتجاز أخرى ومقتل ثلاثة بحارة على الأقل.
الحالة الأوضح في هذا التقرير هي هجوم بقيق وخريص في السعودية يوم 14 أيلول/سبتمبر 2019. وفق بيانات أرامكو السعودية، أدى الهجوم إلى تعليق إنتاج 5.7 ملايين برميل يومياً من النفط الخام. ووفق رويترز، كان ذلك يعادل أكثر من نصف إنتاج المملكة ونحو 5% من الإمداد العالمي. أما تحليل CSIS، فاستند إلى الرواية السعودية التي قالت إن الهجوم على بقيق نُفذ بواسطة 18 مسيّرة، بينما استُخدمت سبعة صواريخ كروز في خريص، سقط أربعة منها قبل بلوغ الهدف. الأهمية العسكرية للهجوم لا تكمن فقط في الدقة أو الأثر الاقتصادي الفوري، بل في كشفه أن عدداً محدوداً من المقذوفات المنخفضة الارتفاع، إذا جاء من الزاوية الصحيحة وفي التوقيت الصحيح، قادر على تجاوز دفاعات موضوعة أساساً لتهديد مختلف. وفي مسألة المسؤولية، ينبغي التمييز بين الوقائع المؤكدة والاتهامات السياسية: الحوثيون أعلنوا المسؤولية، لكن واشنطن والرياض حمّلتا إيران المسؤولية المباشرة أو غير المباشرة، بينما نفت طهران ذلك.
وتُبرز حالات أخرى كيف اتسع نطاق التأثير. ففي كانون الثاني/يناير 2022، أصاب هجوم بالصواريخ والمسيّرات على أبوظبي صهاريج وقود وأشعل حريقاً قرب المطار وقتل ثلاثة أشخاص، قبل أن يُعترض هجوم لاحق استهدف قاعدة الظفرة بواسطة صواريخ باتريوت أمريكية وإماراتية. وفي 28 كانون الثاني/يناير 2024، قُتل ثلاثة عسكريين أمريكيين وجُرح أكثر من 40 في هجوم بطائرة على موقع Tower 22 في الأردن؛ وبعد الفحص الجنائي، قال مسؤولون أمريكيون لرويترز إن التقييم الأمريكي خلص إلى أن المسيّرة التي ضربت القاعدة صُنعت في إيران، مع بقاء النموذج نفسه غير معلن رسمياً حتى ذلك الوقت. ثم جاء هجوم إيران الكبير على إسرائيل في نيسان/أبريل 2024 ليعرض في ليلة واحدة مدرسة تشغيل مختلفة: أكثر من 300 سلاح جوي، بينها أكثر من 150 مسيّرة، ضمن رزمة إشباع واسعة شاركت في اعتراضها الولايات المتحدة وإسرائيل وشركاء إقليميون. هذه الحالات الثلاث تُظهر باختصار أن المسيّرة قد تكون أداة قتل تكتيكية، أو قاطعة لإنتاج الطاقة، أو أداة لإغراق الدفاعات وخلق تحالفات اعتراضية عابرة للحدود.
لماذا تتعثر الدفاعات التقليدية
المشكلة ليست دائماً في “عدم وجود دفاع”، بل في أن كثيراً من الدفاعات صُمم لتهديد آخر. أنظمة مثل THAAD وPatriot ناجحة في أدوارها الأصلية ضد الصواريخ الباليستية أو بعض الصواريخ الجوالة، لكنها لا تُبنى أساساً لاصطياد أعداد كبيرة من الأهداف الصغيرة والبطيئة والمنخفضة البصمة على ارتفاعات واطئة جداً ومن اتجاهات متعددة. تحليل CSIS لهجوم بقيق يصف المسألة بدقة: طائرات الهجوم جاءت منخفضة جداً، ما قلّص زمن الإنذار إلى دقائق قليلة، بينما عانت بطاريات باتريوت من محدودية تغطية مرتبطة بهندسة المستشعرات؛ ووفق CSIS أيضاً، فإن رادار Patriot يمتلك مجال رؤية يناهز 120 درجة، وهو أمر قد يكفي أمام تهديد أكثر توقعاً، لكنه ليس مثالياً في ساحة تأتي فيها المقذوفات من أي اتجاه تقريباً. وحتى عندما ينجح النظام في الاشتباك، تظل الحاجة قائمة إلى حساسات مرتفعة، وتغطية 360 درجة، وربط شبكي جيد بين الرادارات والكاميرات والفرق الأرضية.
ثم تأتي معضلة الاقتصاد. فدراسة CSIS عن تكلفة الاعتراض توضّح أن عدم التماثل بين السلاح المهاجم الرخيص والذخيرة الدفاعية المعقدة هو مشكلة بنيوية، لا حادثة طارئة. وفي آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026، نقلت رويترز أن صاروخ Patriot الاعتراضي قد يكلّف قرابة 4 ملايين دولار، بينما قد تُقدَّر كلفة مسيّرة “شاهد” بين 20 ألفاً و50 ألف دولار. لهذا السبب تحديداً شددت CSIS على أن التصدي للموجات الكثيفة من المسيّرات لا يمكن أن يعتمد أساساً على الصواريخ الدفاعية التقليدية وحدها. الانتصار في اعتراض هجمة واحدة ممكن، لكن استدامة هذا النمط شهوراً تعني عملياً تحويل المدافع إلى طرف يستنزف نفسه مالياً وصناعياً أسرع من المهاجم. وهنا تظهر “حدود” الحماية التقليدية الأمريكية والإقليمية: ليست حدوداً مطلقة في إسقاط الهدف، بل حدود في الكلفة والمخزون وزمن إعادة الإمداد واتساع التغطية.
من التشويش إلى الليزر
الجواب العسكري على هذا التحدي لم يعد صاروخاً مقابل مسيّرة، بل “معمارية دفاع طبقي”. خبرة الحرب الأوكرانية، كما تلخصها CSIS، تشير إلى سلسلة متكاملة تبدأ باستخبارات الإشارات وكشف الطيف، ثم التشويش أو الخداع الملاحي إن أمكن، ثم الحواجز السلبية والشباك والتمويه، وأخيراً الاعتراض الحركي من مدافع أو أسلحة خفيفة أو منصات قصيرة المدى أو مسيّرات اعتراضية. ويؤكد خبراء الحرب غير المأهولة في CSIS أن الحرب الإلكترونية أثبتت فعاليتها، لكنها لا تعمل بمفردها؛ فهي تحتاج إلى نظام، وإلى تمييز سريع بين الهدف المعادي والودي، وإلى انضباط في الاتصالات لمنع “إسقاط الصديق”. وهذا درس يهم الشرق الأوسط مباشرة لأن كثيراً من الهجمات الإقليمية استغلت الارتباك الزمني والزحام الإشاري أكثر من استغلالها السرعة البحتة.
ومن أهم التحولات في هذا السياق بروز “المسيّرة ضد المسيّرة”. ففي نيسان/أبريل 2026، ذكرت رويترز أن قاعدة الأمير سلطان في السعودية أدخلت منصة أوكرانية للتحكم والكشف تُستخدم مع مسيّرات اعتراضية ضد تهديدات شبيهة بـ“شاهد”، مع منظومات أمريكية أخرى مثل FAAD وCoyote. وفي الشهر نفسه، تحدثت رويترز عن اهتمام خليجي متزايد بمسيّرات اعتراض منخفضة الكلفة، بعضها يُعرض بسعر لا يتجاوز بضعة آلاف من الدولارات للوحدة، مقارنة بملايين الدولارات للاعتراض الصاروخي التقليدي. وفي موازاة ذلك، تُظهر تجارب أمريكية داخلية أن الجيش الأمريكي يطوّر منصات اعتراض جو-جو صغيرة ذات قدرات تعرّف آلي على الهدف، مثل Bumblebee V2، لتقليل الاعتماد على مهارة المشغّل الفردية ورفع سرعة الاستجابة في الارتفاعات المنخفضة. هذه ليست بعدُ بديلاً كاملاً عن الدفاع الجوي التقليدي، لكنها تمثل الطبقة التي كان ينقصها المشهد خلال معظم هجمات العقد الأخير.
والطبقة الثالثة الصاعدة هي الطاقة الموجَّهة. ففي أيار/مايو 2026، أعلنت قوة المهام المشتركة الأمريكية 401 اختيار خمس قواعد لبرنامج تجريبي لنشر قدرات مواجهة المسيّرات بالطاقة الموجَّهة، تشمل الليزر عالي الطاقة والميكروويف عالي القدرة، مع تصريح واضح من قائد القوة بأن “لا توجد رصاصة فضية” واحدة لهذا التحدي. وقبل ذلك بشهرين، أجرت القوة نفسها مع إدارة الطيران الفيدرالية اختباراً لليزر مضاد للمسيّرات في White Sands، فيما كشفت رويترز عن استخدام نادر وميداني تقريباً لمنظومة LOCUST الليزرية قرب إل باسو، مع ما رافق ذلك من إغلاق للمجال الجوي بسبب اعتبارات السلامة. المغزى للشرق الأوسط واضح: الطاقة الموجهة لا تزال في طور النضج العملي، لكنها واعدة لسببين حاسمين؛ كلفة الاشتباك المنخفضة جداً مقارنة بالصاروخ، والقدرة النظرية على التعامل مع تتابع كثيف من الأهداف الصغيرة إذا توافرت الطاقة والتبريد وخط البصر والقيادة والسيطرة المناسبة.
الجيل الجديد: الدرونات الليفية والستيلث ومقاومة التشويش
الانتقال الأهم في 2024 و2025 و2026 ليس فقط في نوع المسيّرة، بل في وصلة التحكم نفسها. فبحسب Atlantic Council وCSIS، ظهرت المسيّرات الليفية على نطاق أوسع في جبهة كورسك خلال 2024 بوصفها حلاً مباشراً لمشكلة التشويش الكثيف. الفكرة بسيطة وفعالة: بدلاً من الاعتماد على وصلة راديوية قد تُشوش أو تُكتشف، تحمل المسيّرة بكرة ألياف ضوئية تبقي الاتصال بالمشغّل قائماً حتى لحظة الإصابة. نتيجة ذلك أن الحرب الإلكترونية التقليدية، المبنية على قطع الإشارة أو إغراقها، تفقد الكثير من فعاليتها. لكن هذا لا يجعل السلاح “غير قابل للهزيمة”، بل “غير قابل للتشويش الراديوي بالمعنى الكلاسيكي”. فهو يبقى محدود المدى مقارنة ببعض المنصات الطويلة، وأكثر حساسية للعوائق الفيزيائية، وقد يُهزم بالنيران المباشرة، أو الشباك، أو كشف بصري/حراري جيد، أو مسيّرات اعتراضية أسرع.
وما يهم الشرق الأوسط هو سرعة انتقال هذا الابتكار خارج أوكرانيا. ففي أيار/مايو 2026، ذكرت رويترز أن حزب الله نشر أكثر من 45 هجوماً موثقاً بمسيّرات FPV في جنوب لبنان، 28 منها خلال أقل من أربعة أسابيع بعد وقف إطلاق نار هشّ، مع إشارة التقرير إلى سقوط ثلاثة جنود إسرائيليين ومتعاقد واحد وفق ما أعلنته إسرائيل. وفي تقرير آخر، أوضحت الجزيرة أن هذه المسيّرات الليفية لا تُرسِل إشارة لاسلكية يمكن التشويش عليها، وأن بعضها مصنوع من ألياف زجاجية منخفضة البصمة الحرارية والرادارية. هذا هو المعنى الحقيقي للموجة الجديدة: لسنا أمام “شبحية” كاملة، بل أمام مركّب من خصائص تجعل المنصة أصعب على الرادار، وأقل تأثراً بالتشويش، وأقرب إلى سلاح استنزاف ميداني دقيق. وإذا امتزج هذا النمط مع الذخائر الأحادية الاتجاه الأكبر مثل “شاهد” أو مع صواريخ كروز في رزم مشتركة، فإن دفاعات القواعد والسفن والمنشآت ستضطر إلى القتال على ارتفاعات وسرعات وأنماط تهديد متباينة في اللحظة نفسها.
توازن الردع والتبعات وسيناريوهات القرار
أثر المسيّرات على الردع الإقليمي يتجاوز مسألة “من أسقط كم هدفاً”. هجوم إيران على إسرائيل في نيسان/أبريل 2024، وردود الفعل الإقليمية في الأردن وغيرها، أظهرت أن الدفاع ضد الموجات الواسعة من المسيّرات والصواريخ بات يُنتج تحالفات تشغيلية مؤقتة أو دائمة بين دول كانت علاقاتها العسكرية أقل انكشافاً. فقد تحدثت وزارة الدفاع الأمريكية عن أكثر من 300 سلاح جوي أُطلق في تلك الليلة، بينها أكثر من 150 مسيّرة، مع تدمير أمريكي لأكثر من 80 مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه وستة صواريخ باليستية على الأقل، فيما أعلنت الأردن أنها اعترضت أجساماً دخلت مجالها الجوي لحماية مواطنيها. وفي البحر الأحمر، قادت التهديدات الحوثية منذ أواخر 2023 إلى بنية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة. المعنى الاستراتيجي هنا أن المسيّرة لا تُجبر الخصم فقط على الإنفاق، بل قد تُجبر الجوار أيضاً على الاصطفاف العملي أو تبادل البيانات أو فتح الأجواء أو تعديل قواعد الاشتبـاك.
اقتصادياً، لا تحتاج المسيّرات دائماً إلى تدمير واسع كي تُحدث أثراً كبيراً. يكفي أن تعطل مصفاة كبرى لبضعة أيام، أو ترفع أقساط التأمين البحري، أو تدفع شركات الشحن إلى تغيير المسار، أو تُغلق مطاراً أو قاعدة كبارية لساعات. هذا ما رأيناه في بقيق، وفي أبوظبي، وفي البحر الأحمر. قانونياً وسياسياً، تطرح هذه الحرب ثلاث عقد مزمنة: أولها مشكلة الإسناد، لأن المسيّرات الرخيصة والمهرّبة والوكلاء المتعددين يسمحون بدرجات من الإنكار المعقول؛ وثانيها أن انتهاء القيود الأممية المرتبطة بالشق الصاروخي في القرار 2231 في تشرين الأول/أكتوبر 2023 لم ينهِ القيود الأمريكية والأوروبية الأوسع ولا شبكات الاعتراض والعقوبات، بل زاد التنازع عليها؛ وثالثها أن استهداف السفن التجارية والمنشآت المدنية يضع استخدام المسيّرات في تماس مباشر مع قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون الملاحة، وقد وصفت المنظمة البحرية الدولية هذه الهجمات في البحر الأحمر بأنها “غير قانونية وغير مبررة”.
أما على مستوى القرار العسكري، فالتوصية الأساسية ليست شراء منظومة واحدة أغلى، بل إعادة بناء البنية الدفاعية من الأسفل إلى الأعلى. أولاً، يجب أن تنتقل الجيوش العربية من منطق “الدفاع الصاروخي” إلى منطق “مواجهة الأنظمة غير المأهولة” بوصفها فئة مستقلة لها حساسات وقنوات قيادة وذخائر واعتراضات مختلفة. ثانياً، ينبغي الاستثمار في طبقة رخيصة ومكثفة من الاعتراض: رادارات قصيرة المدى، كاميرات كهروبصرية، مدافع منخفضة الكلفة، مسيّرات اعتراضية، وشبكات تشويش وخداع ملاحي قابلة للنشر الواسع. ثالثاً، يجب دمج حماية القواعد والمنشآت النفطية والموانئ والمطارات ضمن شبكة واحدة لا تُدار كجزر منفصلة. رابعاً، ينبغي التعامل مع سلسلة التوريد على أنها ساحة قتال بحد ذاتها: تعقب المكوّنات، والضغط على الوسطاء التجاريين، ورفع الرقابة على السلع ذات الاستخدام المزدوج. خامساً، يجب تحديث التدريب والمفاهيم، لأن سرعة اتخاذ القرار عند مواجهة هدف صغير ومنخفض قد تكون أهم من سرعة الصاروخ نفسه. وأخيراً، على صانعي القرار أن يفترضوا أن المسيّرات الليفية، والمنصات منخفضة البصمة، والذخائر ذاتية التوجيه ستنتشر إقليمياً أسرع من انتشار الأنظمة القادرة على هزمها.
ويبقى حدٌّ يجب التصريح به بوضوح: لا توجد حتى الآن في البيانات المفتوحة صورة يقينية عن عدد المسيّرات الإيرانية الجاهزة دائماً، أو عن معدلات إنتاج كل فئة على حدة، أو عن الدقة الحقيقية لبعض النماذج في القتال الفعلي، أو عن مدى الدمج الفعلي بين الذكاء الاصطناعي وأوضاع العمل المستقلة. كما أن بعض الأرقام المنشورة عن مدى “شاهد” وسرعتها وبصمتها الرادارية تختلف بين المصادر باختلاف النسخة وطريقة القياس والغرض الدعائي أو التحليلي. لذلك فإن أي استنتاج نهائي يجب أن يبقى مفتوحاً على التحديث مع كل حملة جديدة ومع كل بقايا تُفحص على الأرض. لكن ما أصبح مؤكداً بالفعل هو الآتي: السماء الإقليمية لم تعد تُدار فقط بالصواريخ والمنصات المقاتلة، بل أيضاً بأدوات رخيصة، قابلة للاستهلاك، وقابلة للتكاثر الصناعي بسرعة تكبر أسرع من قدرة الدفاع التقليدي على التكيف إذا لم يُعاد تصميمه.
قائمة المصادر
وزارة الدفاع الأمريكية (U.S. Department of Defense)
بيانات وتقارير حول تهديدات الطائرات المسيّرة الإيرانية وتطورات الحرب غير المأهولة.
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)
تقارير Military Balance المتعلقة بانتشار الدرونات وأنظمة الحرب الإلكترونية في الشرق الأوسط.
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)
دراسات عن المسيّرات الإيرانية، الحرب غير المتماثلة، والتشويش الإلكتروني.
معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى
تحليلات حول برنامج إيران للطائرات المسيّرة وتكتيكات الوكلاء الإقليميين.
تغطيات ميدانية وتقارير عن استخدام المسيّرات في العراق وسوريا واليمن وأوكرانيا.
تقارير ميدانية عن تطور الهجمات بالطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط.
معلومات تقنية وعسكرية عن الدرونات الإيرانية والأنظمة المضادة لها.
تحليلات تقنية حول الدرونات الليفية Fiber-Optic Drones وتحديات التشويش عليها.
تغطية متخصصة حول سباق تطوير المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي.
أبحاث عن التوازن العسكري الإقليمي ودور المسيّرات في العقيدة الإيرانية.
دراسات عن الحروب المستقبلية والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية.
تصريحات رسمية إيرانية حول تطوير المسيّرات ومنظوماتها.
تحديثات استخباراتية حول استخدام المسيّرات الإيرانية في النزاعات الحديثة.
أبحاث متخصصة في تكتيكات الدرونات منخفضة الكلفة والحرب الشبكية.
تقارير عن التهديدات غير المأهولة وأنظمة مكافحة الدرونات والحرب الإلكترونية الحديثة.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
