كيف غيّرت الحرب الأخيرة مع إيران مفاهيم استخدام المسيرات؟

من أداة إسناد منخفضة الكلفة إلى عمود فقري للحملة الجوية وحرب الاستنزاف

الدرونات والطائرات المسيرة

8/3/2026

ملاحظة : يقصد بـ«الحرب الأخيرة» في هذا المقال المواجهة التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مع العودة إلى حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025 بوصفها المرحلة التي مهدت لهذا التحول. وحتى 1 أغسطس/آب 2026 لم تكن المواجهة قد أصبحت حدثًا تاريخيًا مغلقًا؛ فقد استمرت الضربات والهجمات بصورة متقطعة، وشهدت الأيام الأخيرة من يوليو جولات أمريكية جديدة وهجمات إيرانية على منشآت وسفن في منطقة الخليج. لذلك تبقى بعض النتائج الواردة هنا دروسًا أولية قابلة للمراجعة عندما تتوافر بيانات مستقلة أكثر اكتمالًا.

مقدمة

قبل سنوات قليلة، كان الخطاب العسكري السائد يتعامل مع المسيّرات باعتبارها سلاحًا لامتماثلًا تستخدمه الدول الأضعف والجماعات المسلحة لتعويض نقص الطائرات المقاتلة والصواريخ المتقدمة. وكانت المسيّرة تُقدَّم غالبًا إما بوصفها منصة استطلاع، أو وسيلة لتنفيذ ضربة محدودة، أو ذخيرة رخيصة يمكن إطلاقها بأعداد كبيرة لإزعاج دفاعات الخصم.

الحرب مع إيران غيّرت هذه الصورة. لم تعد المسيّرة مجرد بديل فقير عن الطائرة المقاتلة، ولم تعد فائدتها تقاس فقط بعدد الأهداف التي تصيبها. ظهرت بوصفها أداة لإدارة حملة عسكرية كاملة: تحافظ على الضغط، وتستنزف الدفاعات، وتراقب مساحات بعيدة، وتلاحق منصات الإطلاق، وتوفر بيانات فورية، وتشارك في الضربات الدقيقة، وتؤثر في حركة الطيران المدني والموانئ وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

الأهم أن الاستخدام لم يعد محصورًا بإيران أو الجماعات المرتبطة بها. الولايات المتحدة وإسرائيل استخدمتا بدورهما أنظمة غير مأهولة في الاستطلاع والضرب والهجوم أحادي الاتجاه، بل امتد الاستخدام الأمريكي في يوليو 2026 إلى المسيّرات البحرية. وبذلك أصبحت الحرب أول مواجهة كبرى بين دول تستخدم فيها الأطراف المتقابلة الأنظمة غير المأهولة منذ بداية العمليات وعلى امتداد مجالات جوية وبحرية واستخبارية متعددة، وفق توصيف المعهد الملكي للخدمات المتحدة.

أولًا: ضرورة ضبط المصطلحات

يستخدم الإعلام كلمة «مسيّرة» لوصف أنظمة مختلفة جذريًا. فهناك طائرات غير مأهولة قابلة للعودة وإعادة الاستخدام، مخصصة للاستطلاع أو الضرب. وهناك أنظمة هجوم أحادي الاتجاه تُطلق نحو إحداثيات معينة ولا يُفترض أن تعود. وهناك ذخائر جوالة تستطيع البقاء في الجو فترة قبل مهاجمة هدف. كما ظهرت أنظمة سطحية غير مأهولة تعمل في البحر.

هذا التفريق مهم؛ لأن نجاح طائرة استطلاع في البقاء فوق منطقة عمليات ساعات طويلة يختلف عن نجاح ذخيرة أحادية الاتجاه في اختراق الدفاعات. كما أن خسارة طائرة قابلة لإعادة الاستخدام ليست كخسارة ذخيرة صُممت للاستهلاك منذ البداية. وقد حذر المعهد الملكي للخدمات المتحدة من الخلط المتكرر بين الطائرات غير المأهولة والذخائر الجوالة، رغم اختلاف أدوارهما وطريقة تقييم فاعليتهما.

ومن هنا، فإن الحديث عن «دور المسيّرات» في الحرب يجب ألا يختزل في طراز واحد أو مهمة واحدة. التحول الحقيقي وقع في المنظومة الكاملة للأنظمة غير المأهولة.

ثانيًا: حرب 2025 كانت المختبر الأول

أظهرت حرب يونيو 2025 جانبين متعاكسين من استخدام المسيّرات. فمن الجانب الإيراني، أُطلقت أعداد كبيرة من الطائرات الهجومية أحادية الاتجاه نحو إسرائيل، لكن أغلبها لم يصل إلى أهدافه. ووفق التقييم الرسمي الإسرائيلي، تجاوزت نسبة اعتراض المسيّرات الإيرانية 99%، وهي نسبة ينبغي التعامل معها باعتبارها رواية رسمية لطرف في الحرب وليست رقمًا جرى التحقق منه بصورة مستقلة كاملة.

لكن النتيجة لم تكن أن المسيّرات أصبحت عديمة القيمة. فقد أجبرت الهجمات شبكات الإنذار والطائرات الاعتراضية والدفاعات الأرضية على العمل المستمر، ووسعت المجال الجغرافي للدفاع، وفرضت تنسيقًا بين عدة دول. كما أظهرت أن الطائرة البطيئة نسبيًا قد تكون محدودة القدرة على الاختراق، لكنها قادرة على فرض استجابة عسكرية مكلفة ومعقدة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إن أسطولها من الطائرات غير المأهولة سجل آلاف ساعات الطيران ونفذ أكثر من 500 ضربة وعملية اعتراض داخل إيران خلال الحرب، واستخدم في مراقبة منصات الصواريخ وملاحقتها مع تقليل تعريض الطيارين للخطر. ووفق المصدر نفسه، شكّلت مهمات المسيّرات، عند جمع هذه الحرب مع العمليات السابقة، 60% من ساعات طيران سلاح الجو و50% من عملياته الهجومية. هذه بيانات إسرائيلية رسمية، لكنها تكشف بوضوح حجم انتقال المسيّرة من دور هامشي إلى عنصر رئيسي في القوة الجوية.

إذن، خرجت حرب 2025 بخلاصتين: المسيّرات الهجومية البطيئة ليست سلاح اختراق مضمونًا، لكن المسيّرات القابلة لإعادة الاستخدام أصبحت أداة رئيسية للاستطلاع والضرب المستمر في العمق.

ثالثًا: في 2026 أصبحت المسيّرات عمادًا للحملة لا ملحقًا بها

جاءت حرب 2026 على نطاق أكبر بكثير. لم تقتصر الضربات الإيرانية على إسرائيل أو القواعد الأمريكية، بل امتدت إلى عدد واسع من دول الخليج ومرافق اقتصادية وبنية تحتية وممرات بحرية. وفي الأسبوع الأول وحده، أظهرت قاعدة بيانات أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استنادًا إلى بيانات حكومية إقليمية ومصادر مفتوحة، أن المسيّرات مثّلت نحو 71% من جميع الهجمات المسجلة في العينة التي درسها المركز.

وسجل المركز بين 1 و8 مارس 2026 اكتشاف 1,422 مسيّرة و246 صاروخًا موجهة إلى الإمارات، ما جعلها أكبر هدف جغرافي في بيانات الأسبوع الأول. ولا ينبغي اعتبار هذه الأرقام إحصاءً نهائيًا للحرب كلها، لكنها تشير إلى أن المسيّرة لم تعد الذخيرة الثانوية التي تُضاف إلى حملة صاروخية، بل أصبحت الوسيلة الرئيسية للحفاظ على وتيرة الهجوم.

هذا التحول يعني أن الجيوش لم تعد تستطيع وضع خططها على أساس مواجهة «هجمة مسيّرات» محدودة تنتهي خلال ساعات. النموذج الجديد هو حملة متواصلة تمتد أيامًا أو أسابيع، وتستخدم فيها المسيّرات للمحافظة على الضغط حتى عندما يتراجع مخزون الصواريخ الأكثر تعقيدًا.

رابعًا: لم تعد الفاعلية تقاس بنسبة الإصابة وحدها

أحد أهم الدروس هو أن قياس نجاح المسيّرات بعدد ما يخترق الدفاعات فقط أصبح مضللًا. فقد تفشل نسبة كبيرة منها في الوصول، لكنها تحقق آثارًا أخرى:

تجبر الدفاعات على تشغيل الرادارات والطائرات ومراكز القيادة لفترات طويلة، وتستهلك ذخائر الاعتراض، وتؤدي إلى إغلاق مؤقت للمجال الجوي، وتعطيل حركة المطارات والموانئ، وتفرض على المنشآت الحيوية تطبيق إجراءات حماية مكلفة. كما أنها تخلق ضغطًا نفسيًا واقتصاديًا لا يتناسب بالضرورة مع حجم الضرر المادي المباشر.

وصف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الحملة الإيرانية بأنها تقوم على «فرض الكلفة»، إذ استخدمت المسيّرات لإدامة الضغط التشغيلي والاقتصادي والنفسي، مع الاحتفاظ بالصواريخ الأعلى قيمة لأهداف مختارة. وهذا يعني أن المسيّرة قد تحقق أثرًا استراتيجيًا حتى عندما يكون معدل اختراقها منخفضًا.

لكن ذلك لا يعني أن اعتراض 90% من الهجمات يساوي فشلًا دفاعيًا. فالنسب المرتفعة تحمي الأرواح والمنشآت وتحد من حرية الخصم. المشكلة أن النجاح يجب أن يكون قابلًا للاستمرار. فإذا احتاج المدافع إلى إنفاق مورد نادر ومكلف كل مرة لإسقاط هدف أبسط وأرخص، فقد يربح كل مواجهة منفردة ويواجه في الوقت نفسه استنزافًا متراكمًا على مستوى الحملة.

خامسًا: المسيّرة أصبحت وسيلة لإدارة إيقاع الحرب

كشفت الحرب عن تحول من «الموجة الواحدة» إلى الاستخدام المستمر للمسيّرات. ففي الأيام الأولى اعتمدت إيران على أحجام كبيرة من المقذوفات، ثم انخفضت أعداد الإطلاقات بشدة بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي أصابت المخزونات ومنشآت الإنتاج والقيادة.

لكن الهجمات لم تتوقف. ووفق تحليل معهد واشنطن، انتقلت إيران لاحقًا إلى موجات أصغر ومتكررة، وحولت حملتها إلى شكل من أشكال الاستنزاف طويل المدى. وأصبحت قيمة المسيّرات في قدرتها على إبقاء الخصم في حالة تأهب وفرض تكاليف متواصلة، لا في تحقيق اختراق واسع في كل مرة.

وهذه نقطة جوهرية: المسيّرة لم تعد مجرد مقذوف، بل أصبحت أداة لإدارة زمن الحملة. الصاروخ المتقدم قد يحقق ضربة أقوى، لكن المسيّرة الأرخص والأكثر توافرًا تستطيع المحافظة على وتيرة الضغط بعد انخفاض القدرة على إطلاق الصواريخ.

وتشير بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الإطلاقات الإيرانية هبطت بصورة واضحة بعد الأيام الأربعة الأولى، لكنها استمرت بمعدلات أدنى وظلت قادرة على إحداث اضطرابات وأضرار متفرقة. وهذا يؤكد أن تقليص قدرة الخصم على إطلاق الموجات الكبرى لا يعني انتهاء خطر المسيّرات.

سادسًا: الحملة المختلطة أهم من المنصة المنفردة

أكدت الحرب أن المسيّرات لا تعمل في فراغ. فقد جرى استخدامها ضمن حملات شملت صواريخ بالستية وصواريخ جوالة وحربًا إلكترونية واستطلاعًا فضائيًا وضربات جوية مأهولة. لم يكن الهدف أن تحل المسيّرة محل كل هذه الأدوات، بل أن تؤدي وظيفة مختلفة داخل شبكة واحدة.

في الجانب الإيراني، أدت المسيّرات وظيفة المحافظة على الضغط العددي والاقتصادي. أما الصواريخ فاحتفظت بميزة السرعة والقدرة الأعلى على الاختراق وإحداث الضرر. وفي الجانب الأمريكي الإسرائيلي، وفرت المسيّرات الاستطلاع المستمر وبعض قدرات الضرب، بينما تولت الطائرات المقاتلة والصواريخ بعيدة المدى المهام التي تتطلب حمولة أو سرعة أو قدرة اختراق أكبر.

لذلك لم تثبت الحرب أن «المسيّرات انتصرت على الطائرات»، كما يحب بعض الخطاب الإعلامي أن يقول. ما أثبتته هو أن الفصل بين الطائرات والمسيّرات والصواريخ لم يعد يعكس الطريقة الفعلية لإدارة الحملات الجوية. القوة الحقيقية تأتي من ربط المنصات المختلفة داخل منظومة قيادة واستطلاع وضرب واحدة.

سابعًا: الجيوش الكبرى تبنت سلاحًا كان يوصف بأنه لامتماثل

من أكثر التحولات دلالة أن الولايات المتحدة لم تكتفِ بمواجهة المسيّرات الإيرانية، بل بدأت قبل الحرب نفسها ببناء تشكيل مخصص للطائرات الهجومية أحادية الاتجاه.

في ديسمبر 2025 أعلنت القيادة المركزية الأمريكية إنشاء أول سرب أمريكي في المنطقة لهذا النوع من المسيّرات ضمن «قوة مهام ضربة العقرب»، وقالت إن الغاية هي توفير قدرة منخفضة الكلفة وقابلة للنشر السريع. ثم أكد مسؤولون أمريكيون في أبريل 2026 أن قواتهم استخدمت داخل إيران مسيّرات هجومية مشتقة أصلًا من تصميمات إيرانية بعد إعادة تطويرها في الولايات المتحدة.

هذه المفارقة تلخص التحول العالمي: التكنولوجيا التي طورتها إيران لتجاوز التفوق الجوي الأمريكي أصبحت نموذجًا تتبناه القوة الجوية الأكبر في العالم.

لا يعني ذلك تساوي المسيّرة الرخيصة بالطائرة الشبحية أو الصاروخ المتقدم. لكنه يعني أن الجيوش الكبرى أصبحت ترى قيمة واضحة في منصات يمكن تحمل خسارتها، وإنتاجها بأعداد أكبر، واستخدامها في مهام لا تبرر المخاطرة بمنصة مأهولة مرتفعة الكلفة.

وهكذا انتقلت المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه من خانة «سلاح الضعفاء» إلى أحد مكونات الحرب التقليدية بين الدول.

ثامنًا: مكافحة المسيّرات انتقلت من إسقاطها إلى تفكيك منظومتها

في المراحل السابقة، كانت مكافحة المسيّرات تُفهم غالبًا بوصفها عملية اكتشاف جسم طائر ثم اعتراضه. الحرب مع إيران وسعت هذا المفهوم بصورة كبيرة.

قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها نفذت، خلال 38 يومًا من العمليات الكبرى، نحو 800 ضربة ضد وحدات إطلاق المسيّرات الإيرانية ومواقع تخزينها، إلى جانب أكثر من 1,450 ضربة على منشآت تصنيع الأسلحة، وادعت أنها ألحقت أضرارًا بنحو 85% من القاعدة الصناعية الإيرانية المرتبطة بالصواريخ والمسيّرات والدفاع البحري. وهذه أرقام صادرة عن طرف في الحرب، ولذلك لا يمكن التعامل معها كتقييم محايد نهائي.

لكن نمط الأهداف نفسه يوضح تغيرًا عقائديًا: الدفاع ضد المسيّرات لم يعد يبدأ بعد إقلاعها. أصبح يشمل جمع المعلومات عن الإنتاج والتخزين والقيادة والاتصالات والإطلاق والخدمات اللوجستية.

مع ذلك، أثبتت التطورات اللاحقة أن ضرب المنظومة لا يعني القضاء عليها بالكامل. فبعد ادعاءات إلحاق أضرار واسعة بقدرات إيران، استمرت الهجمات خلال يوليو 2026، ووصلت مسيّرات إيرانية إلى منشآت في الكويت في 1 أغسطس، بينما استمرت الهجمات والتهديدات المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز.

الخلاصة هنا أن منظومة المسيّرات أكثر مرونة من مصنع واحد أو قاعدة واحدة. يمكن تدمير المخزون وخفض وتيرة الإنتاج، لكن المعرفة الفنية وسلاسل الموردين والورش والكوادر لا تختفي بالسرعة نفسها.

تاسعًا: الدفاع الجوي أصبح معركة اقتصاد وإنتاج

أثبتت الحرب أن نسبة الاعتراض ليست المعيار الوحيد لنجاح الدفاع الجوي. المعيار الآخر هو عدد الأيام التي تستطيع خلالها الدولة المحافظة على تلك النسبة.

أفادت بعض دول الخليج بنسب اعتراض تتراوح بين 80 و90%، إلا أن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أشار إلى ضغوط متزايدة على مخزونات وسائل الاعتراض. وفي الوقت نفسه، قدّر تحليل للمعهد الملكي للخدمات المتحدة أن أطراف التحالف استخدمت أكثر من 11 ألف ذخيرة هجومية ودفاعية خلال الأيام الستة عشر الأولى من الحرب، بتكلفة إجمالية تقديرية بلغت 26 مليار دولار. هذه أرقام تحليلية وليست حسابًا رسميًا نهائيًا، لكنها توضح حجم المشكلة الصناعية.

أصبح السؤال إذن: هل تستطيع الدولة إنتاج وتعويض ما تنفقه بالسرعة نفسها التي يستطيع بها الخصم إنتاج وإطلاق المسيّرات؟

هذا ما يسميه بعض الباحثين «السيطرة على إعادة التذخير». ففي حرب قائمة على الموجات المتكررة، لا يكفي امتلاك منظومة دفاع متقدمة في اليوم الأول؛ يجب أن تكون هناك ذخائر وصيانة وأطقم وقطع غيار وقدرة صناعية تسمح باستمرارها في اليوم الثلاثين واليوم الستين.

كما أظهرت الحرب أن استخدام أغلى وسيلة اعتراض ضد كل هدف ليس نموذجًا مستدامًا. لا يتعلق الأمر بتفضيل تقنية واحدة، بل ببناء دفاع متعدد الطبقات يستطيع توزيع الأهداف بين وسائل مختلفة، مع الاحتفاظ بالقدرات الأعلى كلفة لمواجهة التهديدات الأسرع والأكثر خطورة.

عاشرًا: الدفاع عن المجال الجوي أصبح مهمة إقليمية

في 2025 كان التركيز الرئيس على الدفاع عن إسرائيل. أما في 2026، فقد امتدت الهجمات إلى الإمارات والبحرين والكويت وقطر والسعودية وعُمان ومناطق أخرى، كما استهدفت قواعد ومنشآت طاقة ومطارات وموانئ وممرات بحرية.

هذا الانتشار الجغرافي جعل الحدود الوطنية أقل أهمية من صورة المجال الجوي الإقليمية. فالمسيّرة بعيدة المدى قد تمر عبر أجواء عدة دول، وقد تتطلب مراقبتها تبادل بيانات بين رادارات وطائرات ومراكز قيادة متعددة. كما أن كثرة الأهداف الصديقة والمدنية في السماء ترفع خطر الخطأ في التعرف والتنسيق.

لذلك غيّرت الحرب مفهوم الدفاع الجوي من منظومة وطنية تحمي نقاطًا محددة إلى شبكة إقليمية تتعامل مع إنذار مبكر، وتتبع عابر للحدود، وإدارة للمجال الجوي المدني والعسكري، واستمرارية عمل المطارات والمنشآت الحيوية.

ومن منظور الدول العربية، لعل هذا هو الدرس الأكثر مباشرة: دولة واحدة، مهما كانت قدراتها، لا تستطيع معالجة موجات إقليمية واسعة بكفاءة كاملة إذا كانت معلومات الإنذار والتتبع مجزأة بين عدة عواصم.

حادي عشر: المسيّرات أصبحت سلاحًا اقتصاديًا وسياسيًا

لم تستخدم إيران المسيّرات فقط لضرب أهداف عسكرية مباشرة. ركز جزء من الحملة على منشآت الطاقة والنقل والبنية الاقتصادية في الخليج. وتوضح بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن نسبة كبيرة من المقذوفات التي أبلغت السعودية عن اعتراضها كانت متجهة نحو المنطقة الشرقية الغنية بالطاقة أو نحو مرافق اقتصادية محددة.

القيمة الاستراتيجية لهذه الهجمات لا تعتمد فقط على تدمير المنشأة. مجرد وجود خطر متكرر قد يرفع تكاليف التأمين، ويؤخر الرحلات، ويغير مسارات السفن، ويؤثر في ثقة المستثمرين، ويجبر الشركات والحكومات على إنفاق مبالغ كبيرة على الحماية والاستمرارية.

وفي يوليو وأغسطس 2026، استمرت التوترات حول مضيق هرمز، ووردت تقارير عن هجمات على سفن ومنشآت كويتية، بينما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ جولات جديدة من الضربات ضد مواقع إيرانية مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات والقدرات البحرية.

بهذا المعنى، أصبحت المسيّرة جزءًا من الحرب على الثقة الاقتصادية، وليست مجرد أداة لإصابة هدف عسكري.

ثاني عشر: انتقال الحرب غير المأهولة إلى البحر

في 12 يوليو 2026 استخدمت القوات الأمريكية، وفق إعلان القيادة المركزية، ثلاث مركبات سطحية غير مأهولة أحادية الاتجاه لضرب منشأة لصيانة الغواصات والسفن في قاعدة بندر عباس. وقالت القيادة إن العملية كانت أول استخدام قتالي أمريكي للمسيّرات البحرية.

هذا الحدث مهم لأنه يوسع مفهوم «حرب المسيّرات» خارج الجو. فالمبادئ نفسها انتقلت إلى المجال البحري: منصة غير مأهولة، أقل كلفة نسبيًا من السفينة المأهولة، يمكن استخدامها في بيئة خطرة مع خفض المخاطر على الأفراد.

ومع اعتماد الاقتصاد العالمي على ممرات ضيقة مثل هرمز وباب المندب، تصبح الأنظمة غير المأهولة البحرية والجوية معًا جزءًا من معركة الملاحة والطاقة. لم يعد السؤال متعلقًا بكيفية حماية السماء فقط، بل بكيفية حماية الموانئ والسفن والمنشآت الساحلية من منظومة تهديد غير مأهولة متعددة المجالات.

ثالث عشر: الذكاء الاصطناعي دخل دورة القرار

أعلن مسؤولون أمريكيون في أبريل 2026 أن فرقًا عسكرية استخدمت الذكاء الاصطناعي يوميًا لمعالجة كميات كبيرة من المعلومات وتسريع اتخاذ القرارات، مع تأكيد بقاء العنصر البشري داخل دورة القرار.

هذه النقطة تحتاج إلى دقة. لا يعني ذلك بالضرورة أن أنظمة مستقلة كانت تختار الأهداف وتنفذ الضربات وحدها. الاستخدام الأوضح للذكاء الاصطناعي كان في غربلة بيانات المستشعرات والصور والتقارير، وربط الأنماط، وتسريع انتقال المعلومة من الاكتشاف إلى التقييم والقرار.

ومع وجود آلاف المسيّرات والصواريخ والإنذارات، تصبح قدرة الإنسان على تحليل كل البيانات يدويًا محدودة. لذلك تحولت الخوارزميات من تقنية تجريبية إلى عنصر في إدارة الحملة.

لكن هذا التطور يطرح أسئلة قانونية وأخلاقية حقيقية: ما درجة الثقة في البيانات؟ ومن يتحمل مسؤولية الخطأ؟ وهل تؤدي السرعة إلى تقليل الوقت المتاح للمراجعة البشرية؟ الحرب قدمت دليلًا على توسع الاستخدام، لكنها لم تقدم بعد إجابات كافية عن آليات الرقابة والمساءلة.

رابع عشر: الصناعة أهم من الطراز

كانت التحليلات العسكرية سابقًا تركز كثيرًا على مقارنة مدى كل مسيّرة وحمولتها وسرعتها. الحرب أظهرت أن السؤال الأهم قد يكون: كم عدد الوحدات التي يمكن إنتاجها؟ وما سرعة تعويض الخسائر؟ وهل يستطيع النظام الاستمرار بعد ضرب المصانع والمخازن؟

يرى معهد واشنطن أن منظومة إيران الصناعية الخاصة بالمسيّرات تعتمد على شبكة واسعة تشمل مؤسسات عسكرية وشركات وموردين للاستخدام المزدوج وجامعات وورشًا أصغر، ما يجعل إعادة بناء جانب منها أسهل نسبيًا من إعادة بناء قوة صاروخية بالستية متقدمة.

كما يشير تحليل مؤسسة RAND إلى أن الضربات تستطيع تدمير المنشآت والمخزون وتأخير الإنتاج، لكنها لا تمحو المعرفة الفنية. وستظل إيران قادرة على إعادة بناء طائرات هجومية وصواريخ بمرور الوقت، وإن احتاج ذلك إلى استعادة المنشآت والكوادر وسلاسل التوريد.

لذلك أصبحت حرب المسيّرات حربًا بين منظومات إنتاج، لا مجرد مواجهة بين منصتين في السماء. الدولة التي تملك طرازًا ممتازًا بأعداد قليلة قد تكون أقل قدرة على الاستمرار من دولة تملك نظامًا أبسط تستطيع إنتاجه وإصلاحه وتحديثه بصورة متواصلة.

خامس عشر: ما الذي لم تثبته الحرب؟

رغم الأهمية الكبيرة للمسيّرات، لم تثبت الحرب أنها تستطيع حسم صراع بين دول بمفردها.

المسيّرات الإيرانية فرضت تكاليف وأحدثت اضطرابات واستمرت بعد تعرض البنية العسكرية لضربات واسعة، لكنها لم تمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من مواصلة حملتهما. وكانت الأنظمة الأبطأ أكثر عرضة للاعتراض من الصواريخ البالستية، خصوصًا أمام دفاعات منظمة ومدعومة بطائرات وإنذار مبكر.

وفي الجانب المقابل، لم تعمل المسيّرات الأمريكية والإسرائيلية وحدها. استفادت من تفوق جوي، وأقمار صناعية، واستخبارات، وطائرات مأهولة، وذخائر دقيقة، وحرب إلكترونية، وشبكات قيادة وسيطرة. نجاحها كان نجاحًا لمنظومة مشتركة، لا دليلًا على نهاية دور الطائرات المقاتلة.

كما لم تثبت الحرب أن العدد وحده يكفي. فإطلاق أعداد كبيرة من منصات منخفضة الكلفة قد يفرض الاستنزاف، لكنه لا يضمن تدمير أهداف محمية أو تحقيق غاية سياسية. وهناك فرق واضح بين إدامة الضغط وبين إجبار الخصم على إنهاء الحرب وفق شروط المهاجم.

إذن، «ثورة المسيّرات» لم تلغِ مبادئ القوة الجوية التقليدية؛ بل أضافت إليها طبقة جديدة من الكتلة العددية والاستمرار والمرونة.

ماذا تعني هذه الدروس للقوات المسلحة العربية؟

أولًا، يجب بناء العقيدة على أساس أن المسيّرات ليست فئة واحدة. فالتعامل مع طائرة استطلاع قابلة للعودة، وذخيرة جوالة، وهدف خداعي، ومنصة بحرية غير مأهولة باعتبارها تهديدًا واحدًا يؤدي إلى قرارات غير دقيقة وتكاليف غير ضرورية.

ثانيًا، حماية الدولة لم تعد تعني حماية القواعد العسكرية فقط. المطارات المدنية، ومراكز البيانات، والموانئ، ومحطات الطاقة، ومخازن الوقود، وشبكات الاتصالات أصبحت جزءًا من ساحة الصراع. وبالتالي يجب أن تشمل الجاهزية العسكرية استمرارية الخدمات المدنية وإدارة الأزمات الاقتصادية.

ثالثًا، يجب قياس الدفاع الجوي بقدرته على الاستمرار، لا بنجاحه في يوم تجريبي واحد. المخزون، والإنتاج، والصيانة، وتدريب الأطقم، وسرعة التعويض مؤشرات لا تقل أهمية عن المواصفات المعلنة للمنظومة.

رابعًا، أثبت اتساع الحرب أن تبادل الإنذار والمعلومات بين الدول العربية لم يعد خيارًا سياسيًا تجميليًا. التهديدات العابرة للحدود تحتاج إلى صورة جوية إقليمية أكثر تكاملًا وإجراءات واضحة لمنع التعارض بين الدفاعات والطيران المدني والعسكري.

خامسًا، لا يكفي شراء منصات جاهزة. الاستقلال الحقيقي يتطلب قدرة محلية على الصيانة والبرمجيات وتحليل البيانات وتحديث الأنظمة. الحرب تتغير أسرع من دورات الشراء التقليدية، وأي قوة تعتمد كليًا على المورد الخارجي ستتأخر في التكيف.

سادسًا، يجب ألا يؤدي الانبهار بالتكنولوجيا إلى إهمال القانون والمساءلة. كلما زادت سرعة دورة القرار واعتمادها على الخوارزميات، ازدادت ضرورة تحديد المسؤولية البشرية وقواعد الاستخدام وحماية المدنيين.

لقد غيّرت الحرب الأخيرة مع إيران مفهوم استخدام المسيّرات في ستة اتجاهات رئيسية: نقلتها من أداة مساندة إلى عنصر مركزي في الحملة الجوية، وفصلت بين النجاح التكتيكي والأثر الاستراتيجي، وحولتها إلى وسيلة لإدارة الاستنزاف على مدى طويل، وأدخلتها بصورة كاملة إلى ترسانات الجيوش الكبرى، ووسعت استخدامها من الجو إلى البحر، وربطتها بصورة أوثق بالذكاء الاصطناعي والصناعة وشبكات القيادة الإقليمية.

لكن الدرس الأكثر دقة هو أن المسيّرة وحدها ليست مركز القوة. مركز القوة هو المنظومة المحيطة بها: الاستخبارات، والاتصالات، والبيانات، والقيادة، والصناعة، والدفاع الجوي، والقدرة على التعويض، والانضباط القانوني.

لم يعد التفوق لمن يمتلك الطائرة الأكثر إثارة في المعارض العسكرية، بل لمن يستطيع دمج الأنظمة المأهولة وغير المأهولة، وتحمل الاستنزاف، وحماية اقتصاده ومجاله الجوي، والتعلم بوتيرة أسرع من خصمه.

الحرب لم تعلن نهاية الطائرة المقاتلة أو الصاروخ أو الدفاع الجوي. لكنها أعلنت نهاية المرحلة التي كان يمكن فيها اعتبار المسيّرات مجرد إضافة ثانوية إلى الحرب الحديثة.

المراجع والمصادر

  1. مكتبة مجلس العموم البريطاني، إيران ووقف إطلاق النار والمفاوضات خلال عام 2026.

  2. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تحليل حملة المسيّرات الإيرانية في الخليج والدروس الأولية للحروب المستقبلية، مارس 2026.

  3. مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تقييم الحملة الجوية بعد ثلاثة أسابيع بالأرقام، مارس 2026.

  4. المعهد الملكي للخدمات المتحدة، الحرب الإيرانية وتهديد الذخائر الجوالة، مايو 2026.

  5. المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أكثر من 11 ألف ذخيرة خلال أول 16 يومًا من الحرب.

  6. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، استراتيجية إيران للمسيّرات: الأداء والتكيف أثناء الحرب، مايو 2026.

  7. القيادة المركزية الأمريكية، بيان وضع القيادة أمام مجلس الشيوخ لعام 2026.

  8. القيادة المركزية الأمريكية، إنشاء أول قوة مهام أمريكية للمسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه في الشرق الأوسط، ديسمبر 2025.

  9. وزارة الدفاع الإسرائيلية، تقييم أداء الأنظمة المتقدمة في عملية الأسد الصاعد عام 2025.

  10. مؤسسة RAND، تقييم القدرات الإيرانية واستدامة حرب المسيّرات والصواريخ، أبريل 2026.

  11. القيادة المركزية الأمريكية، أول استخدام قتالي أمريكي للمسيّرات البحرية، يوليو 2026.

  12. وكالة أسوشيتد برس، تطورات الحرب والهجمات الإيرانية على الكويت والملاحة في الخليج، 1 أغسطس 2026.

تواصل معنا

للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :

© 2026 All rights reserved.