ما الذي يميز العمليات الخاصة عن الحرب التقليدية؟
تفكيك المفهوم، العقيدة، والحدود الرمادية بين السياسة والعسكر
العمليات الخاصة


عندما تُذكر “العمليات الخاصة”، يتبادر إلى الذهن مشهد خاطف: قوة صغيرة، ليل، هدف محدد، وانسحاب نظيف. لكن هذا التصور المبسّط يخفي وراءه منظومة معقّدة تختلف جذريًا عن منطق الحرب التقليدية. العمليات الخاصة ليست “نسخة مصغّرة” من المعركة النظامية؛ إنها أداة سياسية–عسكرية دقيقة صُمّمت للعمل حيث تفشل الجيوش الكبيرة: في المساحات الرمادية، وتحت عتبة الحرب المُعلنة، وبشروط إنكار محسوبة.
أولًا: التعريف
تدار الحرب التقليدية بقوات كبيرة، تسلسل قيادي هرمي، أهداف عسكرية واضحة، وقواعد اشتباك معلنة نسبيًا. في المقابل، العمليات الخاصة تُدار بقوات صغيرة عالية الانتقاء، تعمل وفق تفويض محدد زمنيًا ومكانيًا، وبأهداف سياسية–عسكرية مركّبة (تحقيق تأثير يفوق الحجم).
التمييز الجوهري ليس في “الشجاعة” أو “السرية” فقط، بل في العقيدة:
التأثير قبل السيطرة
الاقتصاد في القوة
المعلومة قبل النيران
ثانيًا: العقيدة القتالية
في الحرب التقليدية، تُقاس النجاحات بالأرض المُسيطر عليها وعدد الوحدات المُحيدة. أما في العمليات الخاصة، فالنجاح يُقاس بتغيير السلوك: تعطيل شبكة، شلّ قرار، ردع غير مباشر، أو فرض معادلة جديدة دون رفع علم أو إعلان انتصار.
هذه العقيدة تفسّر لماذا تعمل وحدات مثل Delta Force أو SAS أو Navy SEALs غالبًا في الظل، ولماذا لا تُنشر تفاصيل عملياتها إلا بعد سنوات—إن نُشرت أصلًا.
ثالثًا: الحجم والتركيب – لماذا “الأصغر” أقوى؟
القوة الصغيرة ليست غاية بذاتها، بل شرط تمكيني:
مرونة القرار: قائد الفريق يملك هامش تصرّف أوسع.
انخفاض البصمة: لوجستيًا وبشريًا وإعلاميًا.
اندماج المهارات: الاستخبارات، الاتصالات، الهندسة، الطب القتالي، والقدرة على العمل المشترك مع أفرع أخرى.
في المقابل، الجيوش التقليدية تُقيّدها الكتلة: نقل، تموين، حماية، واتصالات ممتدة—كلها نقاط ضعف في بيئات حساسة.
رابعًا: الاستخبارات… قلب العملية
في المعركة النظامية، تُستخدم الاستخبارات لتوجيه النيران. في العمليات الخاصة، الاستخبارات هي العملية.
جمع متعدد المصادر (بشري/إشاري/تقني).
دمج لحظي للمعلومة مع القرار.
اختبار الفرضيات باستمرار (ما الذي تغيّر منذ آخر تحديث؟).
الخطأ الاستخباري هنا لا يعني “خسارة اشتباك”، بل انهيار المهمة بأكملها، لأن نافذة التنفيذ قصيرة والبدائل محدودة.
خامسًا: الزمن… سلاح خفي
العمليات الخاصة تُصمَّم على إيقاع زمني ضاغط:
نافذة دخول قصيرة.
زمن بقاء محدود.
انسحاب مُبرمج حتى لو لم تُستكمل كل الأهداف الثانوية.
هذا الإيقاع يفرض تدريبًا مختلفًا: اتخاذ قرار تحت نقص معلومات، وهو عكس ما تسعى إليه الحرب التقليدية التي تراكم القوة قبل الحركة.
سادسًا: الجغرافيا والبيئة – من الصحراء إلى المدن
تاريخيًا، تفوقت العمليات الخاصة في البيئات الوعرة (جبال/صحارى/أدغال). اليوم، البيئة الحضرية هي التحدي الأكبر:
كثافة مدنية.
طبقات بنى تحتية.
تضخيم إعلامي لأي خطأ.
وعليه تتقاطع السياسة مع التكتيك: قرار واحد خاطئ قد يحوّل نجاحًا عسكريًا إلى فشل استراتيجي.
سابعًا: التكنولوجيا – مضاعف قوة لا بديل عن الإنسان
رغم حضور الطائرات المسيّرة، الرؤية الليلية، وأنظمة الاتصالات المشفّرة، تبقى العمليات الخاصة إنسانية الجوهر. التكنولوجيا، فهي تعمل على تقليص المخاطر وترفع الوعي بالظرف الحالي وتوسع خيارات القرار.
لكنها لا تُلغي الحاجة إلى حكم بشري ميداني، لأن البيئة الرمادية مليئة بالمفاجآت غير القابلة للبرمجة الكاملة.
ثامنًا: الشرعية والإنكار – الحدّ الفاصل
تُخاض الحرب التقليدية تحت مظلة قانونية أو تحالفية واضحة نسبيًا. أما العمليات الخاصة فتعمل غالبًا في منطقة إنكار محسوب:
بدون إعلان رسمي، وضمن مسؤولية سياسية مخففة، ومرونة تفاوضية أعلى بكثير.
وهو لا يعني بالطبع غياب القانون، بل تعدّد مرجعياته واختلاف تطبيقه حسب السياق والهدف.
تاسعًا: لماذا لا تُستبدل الجيوش بالعمليات الخاصة؟
سؤال يتكرر: إذا كانت العمليات الخاصة فعّالة، لماذا لا تكون هي البديل؟
الإجابة بسيطة: لأنها أداة مكملة لا بديلة.
فهي لا تحتل أرضًا على المدى الطويل، ولا تدير صراعات واسعة ولا تمسك خطوط تماس ممتدة .
حيث تظهر قيمتها الحقيقية عندما تُستخدم في اللحظة الصحيحة وبالهدف الصحيح.
