ما هي الأسلحة النووية؟ الفئات والاستخدامات
تعريف السلاح النووي وطبيعة الانفجار النووي
الأسلحة النووية والاستراتيجية


السلاح النووي هو سلاح فتاك للدمار الشامل يستمد قوته التدميرية الهائلة من التفاعلات النووية (إما انشطار نووي أو اندماج نووي). في الانشطار النووي تنقسم نواة عنصر ثقيل مثل اليورانيوم-235 أو البلوتونيوم-239 إلى أجزاء أصغر مطلِقةً كمية هائلة من الطاقة. أما في الاندماج النووي فتندمج أنوية عناصر خفيفة (مثل نظائر الهيدروجين كالديوتيريوم والتريتيوم) لتكوين نواة عنصر أثقل، وينتج عن ذلك انفجار أشد قوة مصحوب بانبعاث نيوترونات وطاقة حرارية ضخمة. نتيجة لهذه العمليات تكون القدرة التدميرية لقنبلة نووية واحدة أكبر بأضعاف من أقوى القنابل التقليدية؛ إذ يمكن لقنبلة نووية صغيرة أن تدمّر مدينة بكاملها وتقتل مئات الآلاف في لحظات. لهذا السبب تُصنّف الأسلحة النووية كأخطر أسلحة الدمار الشامل، ويخضع تصنيعها واستخدامها لرقابة دولية صارمة بسبب عواقبها الكارثية المحتملة.
لمحة تاريخية عن تطور الأسلحة النووية
بدأ تطوير الأسلحة النووية خلال الحرب العالمية الثانية ضمن مشروع مانهاتن السري الذي قادته الولايات المتحدة. أثمر المشروع عن تفجير أول قنبلة نووية اختبارية (جهاز “ترينيتي”) في 16 يوليو 1945 في صحراء ألاموغوردو بولاية نيومكسيكو. تلا ذلك الاستخدام القتالي الأول للسلاح النووي؛ حيث أسقطت الولايات المتحدة قنبلة الولد الصغير (يورانيوم-235) على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945، ثم قنبلة الرجل البدين (بلوتونيوم) على مدينة ناجازاكي بعدها بثلاثة أيام. أدّى الهجوم النووي على اليابان إلى مقتل ما يناهز 120 ألف شخص في لحظته، فضلًا عن أضعاف هذا الرقم لاحقًا نتيجة التعرض للإشعاع. أنهى هذا الهجوم الحرب العالمية الثانية، لكنه دشّن سباقًا خطيرًا للتسلح النووي.
خلال الحرب الباردة سعت القوتان العظميان (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) إلى تطوير ترسانات نووية هائلة. ففي عام 1949 فجّر السوفيت أول قنبلة ذرية لهم، منهين احتكار أمريكا للسلاح النووي. تسارعت بعدها وتيرة السباق النووي؛ طوّرت الولايات المتحدة قنابل نووية أقوى ونشرت بعضها في قواعد بحلفائها، وردّ السوفيت بزيادة ترسانتهم النووية بسرعة. انضمّت قوى أخرى للنادي النووي خلال تلك الفترة: بريطانيا عام 1952، ثم فرنسا 1960، فـالصين 1964. شهدت العقود اللاحقة اختراع وسائل إيصال جديدة كالصورايخ الباليستية العابرة للقارات التي اختبرها السوفيت عام 1957 مما أثار ذعر الولايات المتحدة ودفعها لتطوير قدراتها الصاروخية. تصاعد التوتر النووي لأوجه أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 حين نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية في كوبا وكاد العالم يشهد مواجهة نووية مباشرة استمرت 13 يومًا قبل أن تنتهي بسحب الصواريخ. وفي سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، بلغ سباق التسلح ذروته بتطوير كل طرف رؤوسًا نووية على متن غواصات استراتيجية لضمان قدرة الضربة الثانية، ما عزز توازن الرعب النووي بين المعسكرين. ومع انتهاء الحرب الباردة تفكك الاتحاد السوفيتي وورثت جمهورياته السابقة إرثًا نوويًا تم تفكيكه أو إعادته لروسيا بموجب اتفاقات دولية، لتبقى الترسانات النووية محصورة بعدد محدود من الدول.
تصنيف الأسلحة النووية
يمكن تصنيف الأسلحة النووية إلى فئات متعددة وفق معايير مختلفة، من أبرزها ما يلي:
حسب الحجم والاستخدام (تكتيكية مقابل استراتيجية): تشمل الأسلحة النووية التكتيكية تلك الصغيرة نسبيًا في القوة التفجيرية والتي صُممت للاستخدام الميداني في ساحة المعركة ضد تجمعات عسكرية محدودة أو أهداف تكتيكية. تمتاز هذه الأسلحة عادةً بمدى أقصر وقدرة تدميرية أقل (عادة بالكيلوطنات المنخفضة) لتجنب الأضرار الجانبية الواسعة. في المقابل، تهدف الأسلحة النووية الاستراتيجية إلى تحقيق تأثير تدميري واسع النطاق ضد عمق العدو (مثل تدمير مدنه أو قواعده الكبرى)؛ ولذلك فهي ذات عائد تفجيري ضخم ومدى طويل. تُحمل هذه الرؤوس على صواريخ عابرة للقارات أو تطلق من غواصات أو قاذفات بعيدة المدى، بحيث يستطيع صاروخ واحد عابر للقارات إيصال رأس نووي عبر القارات لتدمير هدف استراتيجي للخصم. باختصار، التكتيكي منها مخصص للمعركة المحدودة وبقوة أصغر، أما الاستراتيجي فهو لضربات ساحقة في الحرب الشاملة وبقوة تدميرية أكبر.
حسب التصميم والآلية النووية (انشطارية، اندماجية، نيوترونية): تشمل هذه الفئة القنابل الانشطارية (الذرية) وهي الجيل الأول من الأسلحة النووية التي تعتمد على انشطار نوى العناصر الثقيلة كاليوارنيوم أو البلوتونيوم. كانت قنابل هيروشيما وناغازاكي من هذا النوع. تولّد القنبلة الانشطارية انفجارًا ناتجًا بالكامل من سلسلة تفاعلات انشطار نووي متسلسل يطلق طاقة حرارية وإشعاعية هائلة. تلتها القنابل الاندماجية (الهيدروجينية) المسماة أيضًا قنابل نووية حرارية، والتي تجمع بين مرحلتي انشطار واندماج: حيث يُستخدم انفجار انشطاري أولي لإحداث حرارة وضغط كافيين لإشعال تفاعلات اندماج نووي بين نظائر الهيدروجين (كالديوتيريوم والليثيوم) مما ينتج انفجارًا أقوى بكثير من القنابل الذرية التقليدية. تُمثّل القنبلة الهيدروجينية أقوى سلاح صنعه الإنسان على الإطلاق؛ فقد بلغت قوة إحدى التجارب الحرارية السوفيتية ما يعادل 50 ميغاطن تي إن تي (القنبلة القيصر 1961)، إلا أن التعقيدات المتعلقة بحجم ووزن الرأس الحربي تحدّ من نشر مثل هذه القوة القصوى عمليًا. وبالإضافة لهذين النوعين الرئيسيين، هناك أنواع خاصة مثل القنبلة النيوترونية (تسمى أيضًا القنبلة النظيفة أو رأس الحرب الإشعاعي المعزز). القنبلة النيوترونية هي نوع مصغّر من القنابل الاندماجية مصمم لإطلاق جرعة عالية جدًا من الإشعاع النيوتروني القاتل مع تقليل القوة التفجيرية والانفجارية النسبيّة. هدفها إيقاع خسائر بشرية مع الحد من الدمار المادي؛ إذ يُميت إشعاعها الكائنات الحية في نطاق الانفجار مع إبقاء المباني والبنية التحتية أقل تضررًا نسبيًا. ظهرت القنابل النيوترونية خلال الحرب الباردة كسلاح مضاد للدروع والحشود (يقتل الأفراد داخل الدبابات مثلاً دون تدمير الآليات بالكامل)، ولم تُستخدم فعليًا في الحروب من قبل. بهذه التصاميم المختلفة، تتراوح الأسلحة النووية من رؤوس صغيرة ذات تأثير محدود إلى قنابل خارقة ذات قدرة إبادة شاملة.
حسب آلية الإطلاق ووسيلة الإيصال: تختلف منصات إطلاق السلاح النووي وفق الاستراتيجية المطلوبة. أقدم وسيلة كانت إسقاط القنابل بالجاذبية من الطائرات؛ فقد استخدمت القاذفات الاستراتيجية (مثل B-29 في الحرب العالمية الثانية) لإسقاط القنابل النووية فوق الهدف. لا تزال بعض الدول تحتفظ بقنابل نووية إسقاط حر يمكن حملها بواسطة قاذفات أو مقاتلات استراتيجية لضرب أهداف معادية. الوسيلة الثانية هي الصواريخ الباليستية حاملة الرؤوس النووية والتي تنطلق بوقود صاروخي لتقطع مسارات شبه فضائية قبل أن تعود برأسها النووي نحو الهدف بسرعة عالية. تنقسم هذه الصواريخ عادةً من حيث المدى إلى صواريخ قصيرة المدى (أقل من 1000 كم) ومتوسطة المدى (حتى ~3500 كم) وعابرة للقارات (ICBM) التي تتجاوز 5500 كم. تُستخدم الصواريخ المتوسطة والعابرة للقارات أساسًا كرادع استراتيجي قادر على ضرب عمق العدو خلال دقائق معدودة. ويمكن إطلاق هذه الصواريخ من منصات برية ثابتة أو متحركة، أو من على متن غواصات نووية تجوب المحيطات (وهي الصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات SLBM). تكوّن الصواريخ البرية بعيدة المدى مع الصواريخ المحمولة بحرًا إضافةً للقاذفات الجوية ما يُعرف بـثالوث الردع النووي (Nuclear Triad) الذي يعتمد عليه لضمان قدرة الضربة الثانية. وإلى جانب ذلك، طُوّرت أيضًا صواريخ جوالة (كروز) ذات رؤوس نووية تُطلَق إما جوًا أو بحرًا، وتمتاز بقدرتها على الطيران المنخفض لمسافات بعيدة والمناورة نحو الهدف. كما جرى تطوير ذخائر نووية تكتيكية يمكن إطلاقها بوسائط ميدانية مثل قذائف المدفعية الثقيلة أو صواريخ تكتيكية قصيرة المدى أو حتى ألغام نووية تُزرع في ساحة المعركة. لكن تبقى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصات النووية والطائرات القاذفة الإستراتيجية هي المنصات الأهم لإيصال السلاح النووي ضمن العقائد العسكرية الحديثة.
الاستخدامات العسكرية والسياسية للأسلحة النووية
على الرغم من عدم استخدام الأسلحة النووية في الحروب منذ عام 1945، إلا أنها لعبت دورًا محوريًا في السياسات العسكرية والجيوسياسية للدول المالكة لها. يمكن تلخيص أبرز استخداماتها وأدوارها فيما يلي:
الردع النووي ونظرية التدمير المتبادل المؤكد: يشكّل الردع الاستخدام الأساسي للسلاح النووي؛ فامتلاك دولة ما لقدرة نووية مدمرة يثني أي عدو محتمل عن مهاجمتها خوفًا من الرد الانتقامي المدمر. خلال الحرب الباردة، أدى امتلاك كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ترسانات ضخمة إلى حالة “التدمير المتبادل المؤكد” (MAD)، حيث أي حرب نووية شاملة بينهما تعني إفناء الطرفين معًا. هذا التوازن المرعب حال دون اندلاع مواجهة مباشرة بين القوتين العظميين، وأصبح السلاح النووي وسيلة لمنع الحرب بتهديد الخصم بعواقب كارثية. وهكذا يُنسب للسلاح النووي أنه ردع نشوب حرب عالمية ثالثة، إذ باتت الحرب النووية بمثابة انتحار جماعي لأي طرفين يمتلكان القدرات النووية. نظرية الردع النووي تقوم على معادلة الخوف من الانتقام النووي؛ فالتهديد باستخدام السلاح النووي ضد المعتدي يُبقي هذا المعتدي مترددًا في الإقدام على العدوان ابتداءً.
التهديد السياسي والوزن الجيوسياسي: يمتلك السلاح النووي أيضًا دورًا سياسيًا يتمثل في تعزيز مكانة الدولة دوليًا وإضفاء ثقل على سياساتها الخارجية. تعتبر الدول المالكة للأسلحة النووية دولًا ذات مكانة خاصة في النظام الدولي وغالبًا ما تحظى بنفوذ سياسي أكبر. فعلى سبيل المثال، دأبت القوى النووية على استخدام الترسانة النووية كورقة ضغط في الأزمات الدولية لإرهاب الخصوم أو تحصين مصالحها. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة توظيفًا لمفهوم “الردع الهجومي” من قبل روسيا خلال حربها في أوكرانيا، حيث لوّحت باستخدام السلاح النووي لمنع أي تدخل غربي مباشر ضدها. هذا التهديد النووي الروسي وفّر لها مظلة حصانة مكّنتها من القيام بعمليات عسكرية تقليدية تحت ظل الردع النووي. وهكذا يصبح السلاح النووي أداة ابتزاز سياسية في بعض الحالات، يُستخدم للتلويح والضغط diplomatically لانتزاع مكاسب أو درء تهديدات بدون الاضطرار إلى استعمال فعلي. إضافة إلى ذلك، تمتلك الدول النووية وزنًا جيوسياسيًا كبيرًا يمكّنها من التأثير في صياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية. فمجرد وجود خيار نووي لدى دولة ما يفرض على خصومها ودول الجوار احترامًا وحذرًا في التعامل معها، ويضع تلك الدولة ضمن النادي النووي العالمي الذي تتمتع دوله عمومًا بمقاعد قوة (مثل المقاعد الدائمة في مجلس الأمن للأعضاء النوويين الخمسة).
التجارب النووية وأغراضها: منذ عام 1945 أجرت الدول المالكة للسلاح النووي مئات التجارب النووية لغرض تطوير قدراتها والاستعداد العسكري. فالتجارب النووية كانت ضرورية لفهم آلية الانفجارات النووية وتحسين تصميم القنابل والرؤوس الحربية وتقدير قوتها التدميرية بدقة. كما استُخدمت التجارب لتوجيه رسائل قوة واستعراض عضلات الردع. على سبيل المثال، أجرت القوى النووية أكثر من 2000 انفجار نووي تجريبي خلال العقود التالية للحرب العالمية الثانية. هذه الاختبارات – التي غالبًا ما كانت تُجرى تحت الأرض أو في مواقع نائية – أتاحت تطوير قنابل نووية أخف وزنًا وأكثر فعالية واعتمادية. أيضًا كان الإعلان عن الاختبارات أو تسريب خبرها وسيلة لتأكيد امتلاك سلاح نووي (كما فعلت الهند وباكستان في تجارب 1998) أو لاستعراض تقدّم تقني (مثل سلسلة تفجيرات الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال سباق التسلح). إلى جانب ذلك، سعت بعض التجارب إلى دراسة آثار الانفجارات النووية على الهياكل والمنشآت والقوات لاستخلاص تكتيكات ملائمة للاستخدام المحتمل. ورغم أن التجارب النووية توقفت في العقود الأخيرة لدى القوى الكبرى (بعد نهاية الحرب الباردة)، إلا أن دولًا ككوريا الشمالية استمرت بإجراء تفجيرات اختبارية لإثبات قدراتها النووية. وقد أثارت هذه التجارب مخاوف دولية بيئية وصحية، كونها تسببت بتسرب إشعاعي في بعض الحالات، مما أدى إلى حظرها جزئيًا ثم كليًا عبر معاهدات دولية (معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لعام 1996 كما سيأتي ذكره).
نظريات الردع النووي ومدارسه
أفرز سباق التسلح النووي خلال القرن العشرين عدة نظريات استراتيجية للتعامل مع خطر الأسلحة النووية وتوظيفها في تحقيق الردع. من أبرز مدارس الردع النووي التي تبلورت تاريخيًا:
عقيدة الرد الفوري (الانتقام الشامل): تُعرف أيضًا بـ”الرد الساحق“ وهي استراتيجية تبنّتها الولايات المتحدة في أوائل الخمسينيات (في عهد الرئيس أيزنهاور) وتقوم على التهديد برد نووي كاسح وفوري على أي عدوان مهما كان محدودًا. بعبارة أخرى، أي هجوم من جانب المعسكر الشيوعي (حتى لو كان تقليديًا محدودًا) سيقابله رد نووي شامل من أمريكا. صاغ هذه العقيدة وزير الخارجية جون فوستر دالس تحت مفهوم Massive Retaliation لردع الاتحاد السوفيتي وحلفائه، واعتبار السلاح النووي خيار الرد الأساسي على أي اعتداء. هدف هذه النظرية كان ترهيب الخصم ومنعه من اختبار عتبة الولايات المتحدة عبر تأكيد أن أي اشتباك سيفضي إلى تصعيد نووي مباشر. ورغم ما وفرته من ردع، إلا أنها ووجهت بانتقادات لمصداقيتها وخطورتها، فجرى لاحقًا تطوير استراتيجيات أكثر مرونة.
الضربة الثانية النووية: الضربة الثانية هي القدرة المؤكدة للدولة على امتصاص ضربة نووية أولى من العدو ثم الرد بهجوم نووي انتقامي مدمر يوقع بالخصم خسائر غير مقبولة. تشكّل هذه القدرة جوهر الردع النووي الفعّال؛ فإذا تأكد الخصم أن حتى مبادرته بالهجوم النووي أولًا لن تحميه من التدمير المقابل، فسيتردد كثيرًا قبل الإقدام على الضربة الأولى. بعبارة أخرى، لا يمكن كسب حرب نووية في ظل وجود قدرة الضربة الثانية لدى الطرفين. لتحقيق مصداقية الضربة الثانية، تعمد الدول النووية إلى نشر قواتها النووية في أوضاع يصعب تدميرها بضربة مفاجئة (مثل الغواصات المخبأة في المحيطات وقواعد الصواريخ المحصنة والمتحركة). خلال الحرب الباردة، ركزت الولايات المتحدة خصوصًا على تعزيز قدراتها في الضربة الثانية بشكل يضمن تدمير الاتحاد السوفيتي حتى لو تعرضت هي نفسها لهجوم مباغت. وقد وضع وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنامارا نظرية التدمير المؤكد المتبادل القائمة على تأمين قدرة تدمير شامل لقوى وموارد العدو حتى بعد تلقي ضربة نووية أولى. لقد جعلت حقيقة امتلاك كل طرف قدرة الضربة الثانية الحرب النووية خيارًا غير عقلاني، مما حافظ على السلم بين القوى النووية الكبرى لعقود.
الرد المرن (الاستجابة المرنة): جاءت هذه الإستراتيجية في ستينات القرن العشرين كبديل أكثر مرونة وتدرجًا لسياسة الرد الشامل. الرد المرن يتيح للقوة النووية خيارات متعددة للرد تتناسب مع حجم وظروف التهديد، بدلًا من الاقتصار على إما الامتناع عن الرد أو إطلاق حرب نووية شاملة. صاغ الجنرال ماكسويل تايلور هذه الفكرة، وتبنّتها الولايات المتحدة رسميًا في عهد إدارة كنيدي. بموجب استراتيجية الرد المرن يمكن الرد على هجوم محدود برد نووي تكتيكي أو بضربة تقليدية أو تصعيد مدروس، بحيث يبقى النزاع تحت السيطرة دون الانجرار مباشرة إلى محرقة نووية واسعة. هذه المرونة عززت مصداقية الردع لأن الخصم بات يعلم أن هناك خيارات رد نووي محدودة متاحة (وليس بالضرورة الانتحار الجماعي)، وبالتالي قد تواجه أي مغامرة عدوانية ردًا مدمرًا لكن ليس بالضرورة شاملاً. استمرت هذه الاستراتيجية خلال مرحلة أواخر الحرب الباردة ضمن مفهوم التصعيد المتدرج، وظلت مؤثرة في رسم خطط حلف الناتو الدفاعية في أوروبا حيث كان سيناريو استخدام بضعة أسلحة نووية تكتيكية لوقف اختراق مدرعات المعسكر الشرقي واردًا قبل الانتقال لخيارات الردع الشامل.
هذه النظريات والاستراتيجيات المختلفة شكّلت أساس العقيدة النووية للدول المسلحة نوويًا عبر الزمن، وهدفت جميعها إلى منع الحرب النووية عبر تأكيد فداحة ثمنها، مع إيجاد هامش للمناورة يمنع وقوع خطأ يقود إلى نهاية كارثية.
التوزع العالمي للترسانات النووية
رغم التطورات التقنية وانتشار المعرفة النووية، بقيت الأسلحة النووية محصورة في نادي دولي صغير من الدول نظرًا لقيود معاهدة عدم الانتشار وجهود الرقابة الدولية. اليوم توجد تسع دول تمتلك أسلحة نووية بشكل مؤكد (خمسة منها معترف بها رسميًا كدول نووية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية “NPT”). هذه الدول النووية المعترف بها هي: الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين. تمتلك هذه الدول الخمس أكبر الترسانات النووية عالميًا وتُعد الولايات المتحدة وروسيا القوتين المهيمنتين بحوالي 90% من إجمالي الرؤوس النووية في العالم. إلى جانب ذلك، هناك دول امتلكت السلاح النووي خارج إطار المعاهدة إذ لم توقع أو تلتزم بمنع الانتشار، وأبرزها: الهند وباكستان وكوريا الشمالية. طورت الهند وباكستان قدراتهما النووية وأجرتا تجارب معلنة عام 1998، بينما أعلنت كوريا الشمالية عن حيازتها للسلاح النووي وأجرت عدة تفجيرات اختبارية منذ 2006 رغم انسحابها من معاهدة عدم الانتشار عام 2003. وتبقى إسرائيل حالة خاصة؛ فهي تُصنّف كقوة نووية غير معلنة إذ يُعتقد على نطاق واسع أنها تملك ترسانة نووية (تقديراتها تتراوح بين 80 و200 رأس نووي) رغم أنها لم تؤكد ذلك رسميًا ولم توقع معاهدة NPT. بهذا التقسيم يمكن اعتبار الدول التسع المذكورة هي الأعضاء الفعليون للنادي النووي العالمي في الوقت الراهن.
جدير بالذكر أن دولًا أخرى امتلكت برامج نووية عسكرية في الماضي ثم تخلّت عنها. جنوب أفريقيا هي المثال الأبرز، حيث قامت سرًا ببناء عدد من الرؤوس النووية إبان حقبة الفصل العنصري لكنها قررت تفكيك ترسانتها طوعًا مطلع التسعينيات لتصبح أول دولة تفكك أسلحتها النووية التي طورتها بنفسها. وكذلك بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا ورثت مئات الرؤوس النووية السوفيتية على أراضيها عند تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، لكنها وافقت بحلول 1994 على نقل تلك الأسلحة إلى روسيا والانضمام لمعاهدة عدم الانتشار كدول غير نووية. في المقابل، هناك دول سعت أو اشتُبه بسعيها لتطوير أسلحة نووية ثم توقفت تحت ضغوط دولية، مثل إيران (الموقعة على NPT والتي خضعت لاتفاق نووي دولي يقيّد برنامجها)، وكذا العراق وليبيا سابقًا قبل تفكيك برامجهما. بفضل هذه الإجراءات وجهود عدم الانتشار، بقي انتشار السلاح النووي محدودًا مقارنة بما كان يُخشى منتصف القرن الماضي، وإن كانت المخاوف لا تزال قائمة من انضمام دول جديدة لهذا النادي في المستقبل.
المعاهدات والاتفاقيات الدولية للحد من انتشار السلاح النووي
رافق السباق النووي جهود دبلوماسية حثيثة لكبح جماح انتشار هذه الأسلحة وتنظيم سباق التسلح بين الدول النووية. من أبرز المعاهدات الدولية في هذا السياق:
معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية (1963): أول اتفاقية حدّ من سباق التسلح النووي وُقِّعت في أغسطس 1963 وحظرت إجراء التجارب النووية في الغلاف الجوي وتحت الماء وفي الفضاء (مما حصرها تحت الأرض فقط). وقّعت 135 دولة على هذه المعاهدة بإشراف الأمم المتحدة، وجاءت استجابة للمخاوف من التلوث الإشعاعي العالمي للتجارب الجوية. تجدر الإشارة إلى أن فرنسا والصين (وهما دولتان نوويتان حينها) امتنعتا عن التوقيع واستمرتا في إجراء تجارب نووية في الغلاف الجوي خلال الستينات.
معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT (1968): تُعتبر حجر الأساس في نظام الحد من الانتشار النووي. دخلت حيز التنفيذ عام 1970 وتهدف إلى منع انتشار السلاح النووي إلى دول جديدة، مقابل التزام الدول النووية بمساعدة الآخرين في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والسعي لنزع السلاح على المدى الطويل. وقّعت معظم دول العالم على NPT، باستثناء الهند وباكستان وإسرائيل التي رفضت الانضمام لأنها طورت برامج نووية خاصة بها. كما انسحبت كوريا الشمالية من المعاهدة عام 2003 بعد اتهامها بخرقها. وفق المعاهدة، يُعترف فقط بخمس دول كقوى نووية (أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين)، بينما تلتزم بقية الدول بعدم حيازة أسلحة نووية. أسست المعاهدة أيضًا نظام الضمانات الدولية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) للتفتيش على البرامج النووية ومنع تحويلها لأغراض عسكرية. وقد نجحت المعاهدة في الحد من عدد الدول النووية، لكنها تواجه تحديات مستمرة أبرزها حالات الدول غير المنضمة أو المارقة.
محادثات ومعاهدات الحد من الأسلحة الاستراتيجية SALT (سبعينيات القرن 20): هي جولات تفاوض ثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للحد من سباق التسلح الاستراتيجي. أفضت SALT I عام 1972 إلى معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للباليستية (ABM) واتفاقية مؤقتة لتجميد عدد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات لدى الطرفين. شكّل ذلك أول اتفاق مباشر بين القوتين للحد من الترسانة النووية. أما SALT II فاختُتمت بتوقيع اتفاقية جديدة عام 1979 للحد من أنظمة إطلاق معينة والرؤوس الاستراتيجية، لكن تصديقها تعثر في الكونغرس الأمريكي وتم تجميدها إثر الغزو السوفيتي لأفغانستان 1979. ورغم عدم سريان SALT II رسميًا، التزم الطرفان ببنودها لفترة محدودة في الثمانينات. مهّدت اتفاقيات سالت الطريق لمرحلة تخفيض الأسلحة في نهاية الحرب الباردة.
معاهدات تخفيض الأسلحة الاستراتيجية START (نهاية الثمانينات والتسعينات): مع تغير المناخ الدولي، وقّعت القوتان العظميان سلسلة معاهدات لخفض أعداد الرؤوس النووية والقاذفات المنشورة. أُبرمت START I عام 1991 (ودخلت حيز التنفيذ 1994) محددةً سقوفًا شاملة لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة بحوالي 6000 رأس لدى كل طرف. تلاها توقيع START II عام 1993 لاستكمال التخفيضات وحظر بعض فئات الأسلحة (مثل الرؤوس متعددة الاستهداف على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات)، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بسبب انسحاب روسيا منها في 2002 عقب انسحاب أمريكا من معاهدة ABM. في العقد التالي، وقّعت الولايات المتحدة وروسيا معاهدة موسكو (SORT) 2002 التي خفّضت الرؤوس الاستراتيجية المنشورة إلى 1700–2200 لكل طرف بحلول 2012. ثم في عام 2010 تم توقيع أحدث اتفاقية وهي معاهدة “نيو ستارت” (New START) والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2011، وتقضي بخفض عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية إلى 1550 رأسًا منشورًا كحد أقصى لكل من الولايات المتحدة وروسيا، مع آليات تحقق وتفتيش متبادلة. امتدت معاهدة نيو ستارت لمدة 10 سنوات قابلة للتمديد 5 سنوات إضافية، وقد مُدّدت فعليًا إلى عام 2026. ولكن في ظل التوترات الراهنة، أعلنت روسيا في 2023 تعليق مشاركتها في نيو ستارت، ومع حلول فبراير 2026 انتهى إطار المعاهدة فعليًا دون اتفاق جديد. يشكل ذلك فراغًا خطيرًا في نظام ضبط التسلح، ويُنذر باحتمال عودة سباق تسلح غير منضبط إذا لم يبرم اتفاق بديل.
معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية CTBT (1996): وهي معاهدة دولية تحظر جميع التفجيرات النووية التجريبية في أي ظروف (سواء لأغراض عسكرية أو سلمية) بهدف إنهاء التطوير النوعي للأسلحة النووية والحيلولة دون تلويث البيئة. فُتحت المعاهدة للتوقيع في سبتمبر 1996 ووقعت عليها حتى الآن 185 دولة، وصادقت عليها 170 دولة. لكن دخولها حيّز التنفيذ يتطلب توقيع وتصديق 44 دولة محددة في الملحق (وهي الدول ذات القدرات النووية التقنية عام 1996). حتى اليوم لم تصادق عدة دول رئيسية من هذه القائمة على المعاهدة، من بينها الولايات المتحدة والصين ومصر وإيران وإسرائيل، فيما امتنعت عن التوقيع دول مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية. أدى ذلك إلى بقاء المعاهدة معطلة التنفيذ رغم إنشاء المنظمة الدولية لمراقبة الحظر النووي CTBTO التي تقوم ببناء وتشغيل شبكة عالمية لرصد أي تفجيرات نووية. ومع أن العديد من القوى النووية التزمت بوقف الاختبارات من جانب واحد، إلا أن غياب السريان القانوني لـCTBT يبقي احتمال استئناف التجارب قائمًا، كما فعلت كوريا الشمالية عدة مرات في السنوات الماضية.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك العديد من الاتفاقيات والمبادرات الأخرى التي أسهمت في ضبط خطر الأسلحة النووية، منها معاهدة القوى النووية متوسطة المدى (INF) 1987 بين واشنطن وموسكو التي حظرت فئة الصواريخ الباليستية والجوالة متوسطة المدى (500-5500 كم) والتي استمرت لأكثر من 30 عامًا قبل أن تنسحب منها الولايات المتحدة عام 2019 بسبب انتهاكات روسية مزعومة. وكذلك جهود إقامة مناطق خالية من الأسلحة النووية في عدة أقاليم (مثل معاهدة تلاتيلولكو 1967 في أمريكا اللاتينية، ومعاهدة بانكوك 1995 في جنوب شرق آسيا وغيرها)، ومعاهدات ثنائية للحد من انتشار التقنيات الصاروخية وأسلحة الدمار الشامل. وأخيرًا في 2017 تبنت الأمم المتحدة معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW) التي تقضي بحظر تطوير وحيازة واستخدام الأسلحة النووية تمامًا، إلا أن جميع الدول النووية وأغلب الدول الحليفة لها قاطعت هذه المعاهدة ولم تنضم إليها، مما يحدّ من تأثيرها العملي حاليا.
التحديات والمخاطر النووية المعاصرة
على الرغم من كل التنظيمات الدولية وسنوات الردع المستقرة نسبيًا بعد الحرب الباردة، دخل العالم في السنوات الأخيرة مرحلة وصفت بـ“عصر نووي جديد” حافل بالتحديات والمخاطر المتجددة. من أبرز هذه التحديات:
تصاعد التهديد النووي في سياق الحرب الروسية الأوكرانية: أعادت الأزمة الأوكرانية التذكير بقوة الردع النووي لكن بشكل مقلق. فقد لوّحت روسيا مرارًا باستخدام السلاح النووي (خصوصًا التكتيكي) إذا تعرضت مصالحها الحيوية أو أراضيها لخطر وجودي خلال الحرب، في محاولة لردع الغرب عن التدخل المباشر لصالح أوكرانيا. هذا الاستخدام للتهديد النووي لحماية عمل عسكري هجومي (ضم أراضٍ أوكرانية) مثّل سابقة خطيرة تُعرف أحيانًا بالردع العدواني أو “الردع الهجومي”. كما أن المناوشات العسكرية قرب محطات نووية مدنية في أوكرانيا (مثل زابوريجيا) أثارت مخاوف عالمية من كارثة إشعاعية محتملة. علاوة على ذلك، تسببت الحرب في تقويض آخر معاهدات ضبط التسلح بين القوتين العظميين؛ فمحادثات الاستقرار الاستراتيجي مجمدة، ومعاهدة نيو ستارت تم تعليقها من قبل موسكو ثم قاربت الانتهاء دون تجديد. كل ذلك يزيد خطر سوء التقدير أو انعدام قنوات الاتصال في أوقات الأزمات، وقد يدفع بسباق تسلح جديد. باختصار، شكّل الصراع الأوكراني الروسي أكبر تحدٍ للنظام النووي العالمي منذ عقود، إذ استخدمت فيه دولة نووية ترسانتها كورقة تهديد مباشرة في الحرب مما يضع سوابق قد تتكرر في أزمات أخرى.
سباق التسلح النووي في آسيا وعودة المنافسة بين القوى الكبرى: في السنوات الأخيرة، تشير التقارير الاستراتيجية إلى بوادر سباق تسلح نووي جديد أكثر تعقيدًا من حقبة الحرب الباردة. تعمل الصين على توسيع وتحديث قوتها النووية بشكل لافت، حيث تبني صوامع صواريخ جديدة ويُقدر أنها تسعى لرفع عدد رؤوسها النووية إلى المثلثات (ربما 1000 رأس بحلول 2030) لتعزيز موقعها مقابل الولايات المتحدة. هذا النمو يدفع الهند أيضًا لتحسين وتطوير قوتها النووية ردًا على الصين وبالتوازي مع ردع باكستان. أما باكستان فتستمر في زيادة ترسانتها بشكل مطّرد للحفاظ على التوازن مع الهند، وتطوّر تكتيكات كـ”الملجأ الأخير“ باستخدام أسلحة نووية قصيرة المدى لموازنة التفوق الهندي في الأسلحة التقليدية. كما تواصل كوريا الشمالية تجاربها الصاروخية والنووية متحديةً المجتمع الدولي، مما يفاقم سباق التسلح الإقليمي في شرق آسيا. إضافة لذلك، فإن انهيار أو ضعف المعاهدات الدولية (مثل إنهاء معاهدة INF وتعثّر مفاوضات نزع السلاح) يترك القوى النووية بلا قيود تُذكر على تطوير أنواع جديدة من الأسلحة كالصواريخ الفرط صوتية أو رؤوس نووية منخفضة القوة. يحذّر خبراء في معاهد أبحاث السلام من أن العالم دخل حقبة تتسم بـتعاظم الترسانات النووية بدل انكماشها، وعودة الخطاب النووي بقوة إلى السياسة الدولية. هذا الواقع يزيد من مخاطر سوء الفهم وسباقات زعزعة الاستقرار في مناطق متعددة وليس بين روسيا وأمريكا فقط، بل أيضًا بين قوى إقليمية نووية في آسيا وربما الشرق الأوسط مستقبلًا.
خطر وصول الأسلحة النووية أو موادها إلى جهات غير دولتیة: يُمثّل الإرهاب النووي كابوسًا أمنيًا تسعى الحكومات لمنعه بشتى السبل. فمع انتشار المعرفة النووية وتوافر المواد المشعة، يخشى الخبراء إمكانية حصول جماعات إرهابية أو جهات غير حكومية على سلاح نووي جاهز أو على ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع جهاز نووي بدائي (قنبلة نووية صغيرة أو ما يسمى القنبلة القذرة الإشعاعية). خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، كُشف عن شبكات سوق سوداء لتهريب مواد وتقنيات نووية (مثل شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان) ما عزز المخاوف من وصول مكونات حساسة إلى أيدي منظمات إرهابية. السيناريو الأخطر يتمثل في تفجير إرهابي لقنبلة نووية في مدينة كبيرة، وهو احتمال منخفض الصعوبة تقنيًا لكنه ليس مستحيلًا إذا ما تمكنت جماعة من شراء أو سرقة سلاح نووي جاهز أو كمية كافية من البلوتونيوم/اليورانيوم عالي التخصيب. أما السيناريو الأكثر توقعًا فهو استخدام قنبلة إشعاعية (Dirty Bomb)، حيث يجري نثر مواد مشعة باستخدام متفجرات تقليدية لنشر التلوث وإثارة الذعر دون حدوث انفجار نووي حراري. مثل هذا الهجوم يمكن أن يجعل منطقة كاملة غير صالحة للسكن لفترة ويحدث اضطرابًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسعًا، رغم أن عدد الضحايا المباشر قد يكون محدودًا. لقد حاولت جماعات مثل القاعدة و”داعش“ الحصول على مواد مشعة وفق تقارير استخباراتية، مما استدعى قيام برامج دولية عديدة لتعزيز أمن المصادر المشعة ومنع الاتجار غير الشرعي بها. عمومًا، يُجمع الخبراء أن خطر الإرهاب النووي رغم قلّته يبقى قائمًا، وأن أي استخدام إرهابي لسلاح دمار شامل سيكون حدثًا فارقًا في التاريخ يدفع نحو إجراءات دولية أكثر تشددًا وربما رد نووي انتقامي ضد الجهات الضالعة إن كانت مدعومة من دول. بالتالي، تبقى يقظة المجتمع الدولي مطلوبة على صعيد تأمين المواد النووية (خاصة اليورانيوم والبلوتونيوم) وتعزيز التعاون الاستخباراتي لمنع التنظيمات الإرهابية من الاقتراب من العتبة النووية.
خاتمة: مستقبل السلاح النووي – رادع للحروب أم تهديد للبشرية؟
بعد أكثر من سبعة عقود على العصر النووي، لا يزال السؤال مطروحًا: هل ساهمت الأسلحة النووية في حفظ السلام ومنع الحروب الكبرى عبر قوة الردع، أم أنها باتت سيفًا معلّقًا فوق رقاب البشر يهدد وجود الحضارة نفسها؟ من الجانب الإيجابي، لا يمكن إنكار أن وجود الترسانات النووية لدى القوى العظمى ردع اندلاع مواجهة مباشرة شاملة بينها. فخلال الحرب الباردة، ورغم عشرات الأزمات الخطيرة، امتنع المعسكران عن الانخراط في حرب عالمية ثالثة خوفًا من العواقب النووية الوخيمة. وحتى اليوم، تُبقي مفاهيم الردع النووي الخصومات بين الدول النووية ضمن خطوط حمراء محددة تجنبًا للانزلاق إلى صراع مفتوح. بهذا المعنى، قد يُقال إن السلاح النووي “يردع الحروب” الكبرى التقليدية على الأقل، ويُجبر الخصوم على حل خلافاتهم عبر الدبلوماسية والتسويات بدلًا من المجازفة بمواجهة كارثية.
ولكن في المقابل، يبقى الوجه المظلم للسلاح النووي حاضرًا بقوة. فاستمرار امتلاك آلاف الرؤوس النووية القادرة على تدمير العالم مرات عديدة يعني أن البشرية تعيش تحت خطر دائم، سواء بسبب احتمال اندلاع حرب نووية متعمدة أو نتيجة خطأ حسابات أو حادث تقني أو تصعيد غير مقصود. إن مجرد نشوب حرب نووية شاملة – ولو باحتمال ضئيل – يشكّل تهديدًا وجوديًا للحضارة البشرية، إذ تُظهر الدراسات أن تبعات تبادل نووي واسع (حتى بين دولتين فقط مثل الهند وباكستان) قد تُحدث شتاءً نوويًا يحجب الشمس ويُدمّر المحاصيل ويؤدي لمجاعة عالمية. أما تبادل نووي بين القوتين العظميين فيمكن أن يقضي على مئات الملايين مباشرة ويجعل أجزاء كبيرة من الكوكب غير قابلة للحياة. وهكذا، السلاح النووي “يهدد البشرية” جمعاء إذا ما أسيء استخدامه أو انفلت الزمام. بالإضافة إلى ذلك، امتلاك الردع النووي لم يمنع الحروب والصراعات الأقل نطاقًا؛ فقد وقعت حروب بالوكالة وصدامات تقليدية كثيرة تحت المظلة النووية. كما أن الاعتماد على الردع النووي قد لا يصلح مع جهات غير عقلانية أو تنظيمات إرهابية لا يمكن ردعها بالطرق التقليدية.
إن مستقبل السلاح النووي يتأرجح بين هذين الوجهين. فالبعض يجادل بأن الحفاظ على حد أدنى من الردع النووي ضروري لمنع اندلاع حروب كبرى وضمان “السلام عبر القوة”، بينما يرى آخرون أن الخطر الكامن في مجرد وجود هذه الأسلحة يوجب السعي الجاد إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية لتحقيق أمان حقيقي للبشرية. ومن الواضح أنه كلما زاد انتشار السلاح النووي وتعددت الجهات المالكة له، ارتفعت احتمالات سوء الاستخدام أو الحوادث. بالتالي فإن التحدي أمام المجتمع الدولي هو تقليل المخزون النووي العالمي تدريجيًا وتعزيز إجراءات بناء الثقة والإنذار المبكر ومنع الانتشار، بحيث يبقى شبح الحرب النووية مُبعدًا قدر الإمكان. وفي الوقت نفسه، يجب إدارة الواقع الحالي بحكمة؛ أي استمرار تبني استراتيجيات “عدم الاستخدام الأول” وتفادي حافة الهاوية في الأزمات، وتحسين قنوات الاتصال بين القوى النووية لمنع أي تصعيد عرضي.
ختامًا، يمكن القول إن الأسلحة النووية وفّرت للبشرية paradoxe أمنيًا: فمن ناحية حافظت على سلام سلبي قائم على الخوف، ومن ناحية أخرى خلقت خطرًا غير مسبوق قد ينهي ذلك السلام وكل شيء معه إن اندلعت شرارة نووية. المسؤولية الكبرى اليوم تقع على عاتق الدول النووية لتوجيه دفة التاريخ نحو مزيد من ضبط النفس ونزع السلاح، لأن استمرار التعايش مع هذا الخطر إلى الأبد ليس خيارًا مأمونًا. وكما قال أحد الخبراء: “الأسلحة النووية قد تمنع الحرب اليوم، لكنها إن وقعت فلن يكون هناك غدٌ لنحارب من أجله”. هل سنشهد مستقبلًا تخلص البشرية فيه من هذا السلاح الفتاك وتأمن شره نهائيًا، أم يستمر الرهان الخطر على أن الردع سيعمل دائمًا؟ الإجابة لم تُحسم بعد، لكن يقينًا يظل مصير البشرية مرتهنًا بحسن إدارتنا لهذا الإرث النووي الثقيل.
المصادر:
ويكيبيديا (العربية) – سلاح نووي: تعريف ومقدمة حول طبيعة الانفجار النووي.
ويكيبيديا (العربية) – تاريخ القنبلة النووية: تطور مشروع مانهاتن واستخدام القنابل في هيروشيما وناغازاكي.
ويكيبيديا (العربية) – التسلح النووي أثناء الحرب الباردة: سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأزمات الحقبة.
مركز الأمان الدولي – سباق التسلح النووي حتى نهاية القرن العشرين: تصنيفات الأسلحة النووية (انشطارية، اندماجية، نيوترونية) ووسائل إيصالها.
مركز الأمان الدولي – سباق التسلح النووي حتى نهاية القرن العشرين: نظريات الردع النووي (الانتقام الشامل، الرد المرن، التدمير المؤكد).
ويكيبيديا (العربية) – الضربة الثانية (استراتيجية): تعريف قدرة الضربة النووية الثانية وأهميتها للردع.
معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) – البيان الصحفي لعام 2025: إحصاءات الترسانات النووية الحديثة وتصاعد سباق التسلح النووي عالميًا.
ويكيبيديا (العربية) – انتشار التسلح النووي في العالم: الدول المالكة للأسلحة النووية (الخمسة الكبار والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل).
مجلة المسلح الليبية – حول استراتيجيات الردع في العالم: مناقشة مفاهيم الردع النووي ونظرية التدمير المتبادل المؤكد.
مؤسسة RAND للأبحاث – تعليق بعنوان “كيف يعلمنا خداع روسيا لأوكرانيا دروسًا نووية خطيرة”: استخدام روسيا للردع النووي الهجومي في أزمة أوكرانيا.
مجلس العلاقات الخارجية CFR – حلقة نقاش “تهديد الإرهاب النووي”: أخطار حصول جهات غير دولية على سلاح نووي أو مواد مشعة واستخدامها.
ويكيبيديا (العربية) – معاهدات الحد من انتشار الأسلحة النووية: تفاصيل معاهدة الحظر الجزئي 1963، عدم الانتشار 1968، والحظر الشامل للتجارب 1996.
