ما هي الحرب الإلكترونية؟
تعريف الحرب الإلكترونية وأهميتها
الحرب الإلكترونية والسيبرانية


الحرب الإلكترونية (Electronic Warfare) هي مجموعة الإجراءات العسكرية التي تستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية أو الطاقة الموجهة للسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي في ساحة المعركة. ويشمل ذلك جميع الأساليب الهادفة إلى الهيمنة على “الفضاء غير المرئي” للموجات بغرض حرمان العدو من استخدامه مع حماية استخدام القوات الصديقة له. تعتمد الحرب الإلكترونية على موجات طاقة غير مرئية تشوّش على رادارات العدو، وتضلّل اتصالاته، وتعطّل أجهزة الاستشعار الخاصة به قبل أن تُطلق أي طلقة نار. وقد غدت الحرب الإلكترونية عنصراً حاسماً في الصراعات الحديثة، حيث لم يعد هذا المجال تخصصاً هامشياً بل أصبح أساسياً لتحقيق التفوق العسكري. السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي تعني القدرة على شل شبكات الاتصالات المعادية و”إعماء” مستشعرات الخصم، مما يمنح قوة كبيرة في التأثير على مجريات المعركة دون اللجوء إلى النيران التقليدية.
أقسام الحرب الإلكترونية الرئيسية
تقسم الحرب الإلكترونية عادةً إلى ثلاثة أقسام رئيسية مترابطة تحقق معاً السيطرة الإلكترونية في ميدان المعركة:
الهجوم الإلكتروني (Electronic Attack – EA): هو الجانب الهجومي من الحرب الإلكترونية، ويشمل استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية لتعطيل وإرباك أنظمة العدو الإلكترونية. يتضمن ذلك التشويش على اتصالات الخصم وراداراته لمنعه من الاستطلاع والتواصل، والإعاقة الإلكترونية التي تهدف إلى تعطيل أو تدمير أجهزة العدو الإلكترونية. كما يشمل الهجوم الإلكتروني الخداع الإلكتروني بإرسال إشارات وهمية أو معلومات مضللة لخداع مستشعرات العدو. وقد يمتد ليشمل الهجمات السيبرانية على شبكات العدو الحاسوبية بهدف شل أنظمة القيادة والسيطرة أو تضليلها. الهدف من الهجوم الإلكتروني هو تقليل كفاءة العدو في استغلال الطيف الكهرومغناطيسي إلى أدنى حد أو حرمانه تماماً من ذلك، مما يمنح القوات الصديقة تفوقاً استراتيجياً واضحاً. على سبيل المثال، استخدمت وحدات هجومية إلكترونية التشويش عالي الطاقة لتعطيل شبكات الدفاع الجوي للخصم في النزاعات الحديثة. كذلك استطاعت إسرائيل عام 2007 استخدام وسائل الحرب الإلكترونية لإعماء شبكة الدفاع الجوي السورية تماماً عبر اختراق أنظمة رادار العدو وتغذيتها بمعلومات زائفة، مما مكّن المقاتلات الإسرائيلية من تنفيذ غارة جويّة دون اكتشافها.
الدفاع أو الحماية الإلكترونية (Electronic Protection – EP): ويُقصد به الإجراءات المضادة لحماية استخدام القوات الصديقة للطيف الكهرومغناطيسي من تدخل العدو. يشمل ذلك تأمين اتصالات القوات ومنع التشويش عليها عبر أنظمة مقاومة للتشويش والتداخل، ورفع قدرة كشف مصادر التشويش المعادية وتنبيه القوات إليها. تتضمن الحماية الإلكترونية أيضاً تشفير الاتصالات والمعلومات اللاسلكية لمنع العدو من اعتراضها أو فهمها، وحماية أنظمة الرادار والاستشعار الصديقة من الخداع أو الإعاقة. الهدف هنا هو ضمان أن تعمل أجهزة الاتصالات والرادارات الصديقة بكفاءة واستمرار حتى في بيئة مشبعة بالهجمات الإلكترونية المعادية. من أمثلة الدفاع الإلكتروني كشف أجهزة الاستقبال لأي محاولة تشويش على شبكة الاتصال الميدانية واتخاذ إجراءات فورية مثل تغيير الترددات أو زيادة قدرة البث لتجاوز التشويش. كذلك تطوير تقنيات مضادة للإشعاع تحمي الرادارات الصديقة من الصواريخ المضادة للإشعاعات المنطلقة نحوها. باختصار، يهدف الدفاع الإلكتروني إلى تحصين منظومات القوات من حرب العدو الإلكترونية بحيث يصعُب شلّها أو إفشالها.
الدعم الإلكتروني (Electronic Support – ES): ويسمى أيضاً الإسناد الإلكتروني. وهو عملية الاستطلاع والرصد الإلكتروني المستمر لجمع المعلومات من الإشارات الكهرومغناطيسية بغرض دعم العمليات القتالية. تقوم وحدات الدعم الإلكتروني باكتشاف انبعاثات العدو اللاسلكية وتحليلها – كإشارات الاتصالات والرادار – لتحديد مواقع منصات العدو الإلكترونية ومعرفة نوعها وأسلوب عملها. يشمل ذلك مجالات استخبارات الإشارات (SIGINT) بأنواعها، أي اعتراض الاتصالات اللاسلكية (اتصالات الميدان أو بث القيادة) واعتراض الإشعاعات الإلكترونية غير الاتصالية. من أبرزها الاستخبارات الإلكترونية (ELINT) التي تركز على التقاط إشارات الرادارات ومعدات العدو الإلكترونية غير الاتصالاتية وتحليلها. تساعد معلومات الدعم الإلكتروني الدقيقة القادةَ على فهم نوايا العدو وقدراته الإلكترونية، وتساهم في بناء “صورة إلكترونية” شاملة لساحة المعركة. على سبيل المثال، يكشف الدعم الإلكتروني تشغيل رادار معادٍ في موقع معين مما يمكّن قواتنا من اتخاذ إجراءات هجومية (كإطلاق صاروخ مضاد للرادار أو التشويش عليه) أو إجراءات دفاعية (كتغيير مسار الطائرات لتفادي نطاقه). هكذا يشكّل الدعم الإلكتروني عماد التخطيط الإلكتروني حيث يوفر البيانات اللازمة لتنفيذ الهجوم الإلكتروني الفعال وحماية القوات الصديقة في الوقت ذاته.
مفاهيم تقنية مرتبطة بالحرب الإلكترونية
لفهم الحرب الإلكترونية بشكل أعمق، لابد من شرح بعض المفاهيم التقنية الأساسية المرتبطة بها:
الطيف الكهرومغناطيسي: هو نطاق شامل من الموجات الكهرومغناطيسية التي تشمل موجات الراديو والميكروويف والأشعة تحت الحمراء والمرئية وصولاً إلى الأشعة السينية وγ. في سياق الحرب الإلكترونية نعني عادةً الجزء الخاص بالترددات الراديوية والميكروويف المستخدم في الاتصالات والرادارات وباقي المعدات الإلكترونية العسكرية. هذا الطيف هو ميدان المعركة غير المرئي الذي تتنافس فيه الجيوش للسيطرة والتحكم. كل نظام راديوي أو راداري يعمل ضمن تردد معين في هذا الطيف؛ وبالتالي السيطرة على “فضاء الترددات” تعني القدرة على منع العدو من استخدام حيزٍ من الترددات أو استغلاله لصالحنا. على سبيل المثال، التشويش على ترددات اتصالات العدو يخرجه فعلياً من “المعركة” الإلكترونية. الطيف الكهرومغناطيسي مورد محدود وثمين في الحروب الحديثة، وتخصيصه وإدارته بفعالية يمكن أن يقرر نجاح عمليات الاتصالات والاستطلاع أو فشلها.
التداخل والتشويش: التداخل (Interference) هو أي اضطراب أو ضوضاء كهربائية تتسلل إلى إشارة اتصال أو رادار وتؤثر على وضوحها. قد يحدث التداخل بشكل طبيعي (كالتداخل بين محطات راديو قريبة أو تأثير الطقس الشمسي) أو عَرَضي غير متعمد. أما التشويش (Jamming) فهو إجراء متعمد ضمن الحرب الإلكترونية، يهدف إلى إغراق إشارة العدو بضوضاء كهرومغناطيسية تمنع استقبالها بوضوح. يقوم جهاز التشويش ببث إشارة قوية على نفس تردد إشارة الهدف مما يؤدي إلى قطع الاتصال بين نظام العدو ومستقبِلاته. مثلاً، عند التشويش على قناة اتصال لاسلكية بين وحدة قيادة وجنود العدو، يسمع الجنود مجرد ضجيج ولا تصلهم الأوامر. كذلك الأمر مع الرادارات: عند التشويش عليها تفقد قدرتها على كشف الأهداف حيث تختفي الإشارات الحقيقية وسط “ضباب” إلكتروني كثيف. والتشويش قد يكون شاملاً أو انتقائياً؛ الشامل يغطي نطاق تردد واسع فيعطّل كل الاتصالات ضمنه، أما الانتقائي (أو الذكي) فيستهدف ترددات محددة أو إشارات معينة لأقصى فاعلية بأقل طاقة. وتعدّ تقنية التشويش من أخطر أسلحة الحرب الإلكترونية لأنها قد تشل منظومات الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة.
الخداع الإلكتروني: هو استخدام إشارات كهرومغناطيسية مضلِّلة لخداع أنظمة العدو. بدل مجرد التشويش الذي يغمر مستقبلات العدو بالضوضاء، يقوم الخداع الإلكتروني ببث معلومات كاذبة مدروسة إلى تلك المستقبلات. من أمثلة ذلك إعادة إرسال نبضات الرادار التي يطلقها رادار العدو بعد تعديلها (باستخدام تقنية الذاكرة الرقمية للتردد DRFM)، ما يؤدي إلى ظهور أهداف وهمية على شاشة رادار العدو أو إخفاء الأهداف الحقيقية. كذلك يمكن لخداع الاتصالات إرسال رسائل زائفة عبر قنوات اتصال العدو لبث معلومات خاطئة أو أوامر مربكة. الهدف من الخداع الإلكتروني هو تضليل الخصم وجعله يتخذ قرارات خاطئة – كأن يتوهم وجود طائرات أو صواريخ غير حقيقية أو يغفل عن هجوم حقيقي. على سبيل المثال، خلال بعض العمليات الجوية الحديثة نجح المخترقون الإلكترونيون في تغذية رادارات الدفاع الجوي المعادية “بصورة كاذبة” للسماء تظهرها خالية من الطائرات أو مليئة بطائرات وهمية، مما مكّن المقاتلات الصديقة من تنفيذ مهامها دون اعتراض. الخداع الإلكتروني يتطلب تقنيات متقدمة وفهم عميق لنظم العدو، وهو مجال تزداد أهميته مع تعقيد أنظمة الاستشعار الحديثة.
الاستخبارات الإلكترونية (SIGINT و ELINT): يشير مصطلح استخبارات الإشارات SIGINT إلى جمع المعلومات الاستخباراتية عبر التقاط وتحليل الإشارات الكهرومغناطيسية. يشمل ذلك فرعين رئيسيين: استخبارات الاتصالات (COMINT) أي اعتراض اتصالات العدو الصوتية والنصية (مثل مكالمات اللاسلكي والبث اللاسلكي للبيانات)، والاستخبارات الإلكترونية (ELINT) التي تركز على الإشارات الإلكترونية غير الاتصالية – كنبضات الرادارات العسكرية أو انبعاثات أنظمة التسليح الموجهة – بهدف فهم قدرات هذه المنظومات. استخبارات الإشارات تُمكّن من تحديد مواقع العدو ووحداته وتحركاته من خلال بثه الإلكتروني، وكشف أنواعه التسليحية (مثلاً تمييز نوع الرادار يدل على وجود بطارية صواريخ معينة). كما تساعد في اختراق شيفرات الاتصالات إذا لم تكن مشفرة بقوة، وبالتالي توفير معلومات فورية عن نوايا العدو وخططه. تعّد SIGINT وELINT ركيزة أساسية للوعي المعلوماتي في الحرب الحديثة؛ فكثيراً ما يُستفاد من بياناتها لتوجيه الضربات الإلكترونية أو النارية بدقة. على سبيل المثال، طائرات الاستطلاع الإلكترونية المزودة بهوائيات اعتراض يمكنها التقاط بث رادار دفاع جوي من مئات الكيلومترات وتحديد موقعه، مما يتيح استهدافه أو التشويش عليه قبل أن يشكّل تهديداً. وهكذا فإن استخبارات الإشارات بأنواعها توفر “عيوناً وآذاناً إلكترونية” للقادة العسكريين خلف خطوط العدو.
العلاقة بين الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية
على الرغم من الارتباط الوثيق بين الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية ضمن مفهوم أشمل هو حرب المعلومات، فهناك فرق جوهري في الطبيعة والوسائل بينهما. الحرب الإلكترونية (EW) كما أسلفنا تركز على التأثير في النظم الإلكترونية من خلال المجال الكهرومغناطيسي – أي التشويش والخداع والرصد الراديوي وما شابه – وهي تستهدف الأجهزة والمستشعرات والإشارات ذاتها. أما الحرب السيبرانية (Cyber Warfare) فتركز على الهجمات عبر الشبكات الحاسوبية وأنظمة المعلومات والبرمجيات بهدف اختراقها أو تعطيلها أو سرقة بياناتها. بعبارة أخرى، الحرب السيبرانية سلاحها البرمجيات والفيروسات والهجمات الإلكترونية عبر الإنترنت ضد حواسيب العدو وخوادمه وشبكات اتصالاته الرقمية، في حين أن الحرب الإلكترونية سلاحها الموجات الكهرومغناطيسية لتعطيل الأجهزة الإلكترونية نفسها (كأجهزة الرادار والاتصالات).
ورغم هذا الاختلاف، هناك تداخل كبير بين المجالين. إذ تعتمد الأنظمة العسكرية الحديثة على كل من الإلكترونيات الرقمية والبنية الشبكية في التواصل والقيادة. لذا نرى في الواقع أن العمليات السيبرانية قد تكون جزءاً من الهجوم الإلكتروني الأشمل. على سبيل المثال، إدراج “الهجوم السيبراني” ضمن وسائل الهجوم الإلكتروني بات أمراً وارداً، خاصة إذا استخدم العدو وصلات لاسلكية أو رادارية يمكن اختراقها برمجياً. كما قد تُستخدم وسائل الحرب الإلكترونية لتهيئة بيئة للهجمات السيبرانية؛ فالتشويش على شبكات الاتصال قد يجبر الخصم على استخدام قنوات احتياطية أقل أماناً يمكن اختراقها، أو يعطل أنظمة رقابة قد تمنع الاختراق السيبراني. والعكس صحيح أيضاً، إذ قد تستهدف هجمات سيبرانية أنظمة التحكم في منصات الرادار أو أجهزة التشويش للعدو فتُعطلها – وهذا هجوم إلكتروني ينجز بوسيلة سيبرانية.
الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية متمايزتان من حيث النطاق التقني: الأولى مادية/إشعاعية التأثير، والثانية برمجية/شبكية التأثير. لكنهما تتكاملان في تحقيق التفوق المعلوماتي. فالقائد العسكري الحديث يحتاج لكليهما لإرباك العدو؛ التشويش الكهرومغناطيسي يعمي أجهزته، والهجوم السيبراني يشل بياناته وأنظمته. وفي كثير من الأدبيات العسكرية يتم تناول المجالين معاً تحت مفهوم “الحرب الهجينة” أو “الطيف المتعدد للعمليات” الذي يجمع النار والحركة والمعلومة في آن واحد. على سبيل المثال، الجيش الأمريكي أسس في السنوات الأخيرة وحدات متكاملة للعمليات السيبرانية-الإلكترونية لتوحيد الجهود في ميدان المعركة الرقمي والكهرومغناطيسي معاً. ورغم هذا التقارب، من المهم إدراك أن ليس كل متخصص في الحرب الإلكترونية خبيرٌ بالضرورة في الاختراق السيبراني؛ فلكل مجال أدواته وتقنياته التدريبية الخاصة، وإن كان الهدف النهائي واحدًا: السيطرة على العدو عبر تفوق غير مرئي.
أهمية الحرب الإلكترونية في المعارك الحديثة
أصبحت الحرب الإلكترونية عاملاً جوهرياً في ميدان المعركة المعاصرة نظراً لاعتماد الجيوش المتزايد على الأنظمة الإلكترونية وشبكات الاتصال. أي قوة تهمل هذا الجانب ستكون معرضة لفقدان ميزتها التقنية بسرعة أمام عدو يمتلك قدرات تشويش واعتراض متقدمة. أنظمة الاتصالات العسكرية – كاللاسلكي التكتيكي وشبكات البيانات الميدانية – هي العصب الذي يربط الوحدات ويُنقل عبره الأمر العسكري والمعلومات الاستخباراتية. الحرب الإلكترونية تستطيع قطع هذا العصب عن طريق التشويش على ترددات الاتصال أو اعتراضها. فإذا انقطعت الاتصالات أو انكشفت خطط القيادة، تفقد القوات تماسكها وسيطرتها على زمام المعركة. لذا نرى أن حماية الاتصالات ضد التشويش والتنصت (إجراءات الحماية الإلكترونية) باتت أولوية قصوى لأي جيش، وفي المقابل تحاول القوات المعادية دائماً حرمان خصمها من شبكة اتصالاته كخطوة أولى في الهجوم.
كذلك الأمر مع أنظمة الرادار والمستشعرات التي تعتبر “عيون” القوات الحديثة. سواء كانت رادارات الدفاع الجوي أو رادارات التتبع الأرضية أو أنظمة الاستطلاع الإلكترونية، فإن إخراجها من العمل يعني تعمية قوات العدو. الحرب الإلكترونية توفر عدة وسائل لتحقيق ذلك: التشويش الراداري الذي يغمر شاشات الرادارات بالضوضاء فيمنعها من التقاط الأهداف، أو الخداع الإلكتروني الذي يوهم الرادار بأهداف كاذبة أو يخفي الأهداف الحقيقية كما ذكرنا. في حرب الخليج 1991 مثلاً، قامت طائرات الحرب الإلكترونية الأمريكية بشلّ الدفاعات الجوية العراقية تماماً عبر التشويش والخداع، مما خفّض خطر إسقاط الطائرات الحليفة بنسبة 90% تقريباً. وفي حملة حلف الناتو على ليبيا 2011، أدّى التشويش الإلكتروني على رادارات الجيش الليبي إلى فتح ثغرات واسعة لمقاتلات التحالف دون أن يكتشفها أحد. هذه الأمثلة أظهرت أن “إسكات” الرادارات قد يكون أكثر فتكاً من تدميرها بالصواريخ، لأنه يمنح الحرية للقوات الصديقة بالتحرك دون مقاومة فعّالة.
أما الطائرات بدون طيار (المسيّرات) فقد غيّرت طبيعة الحروب مؤخراً، وأصبحت هدفاً ومؤثراً أساسياً يتأثر مباشرة بالحرب الإلكترونية. تعتمد المسيّرات على الروابط اللاسلكية في التحكم والتوجيه (سواء روابط اتصالات مباشرة أو منظومات GPS للملاحة). بالتالي فهي عرضة بشدة للتشويش والإعاقة الإلكترونية. لقد شهدنا في الحرب الأوكرانية مثلاً استخداماً كثيفاً لأجهزة التشويش المحمولة والميدانية لشلّ عمل المسيّرات. يقوم المشوش بإرسال إشارات على نفس تردد قناة التحكم أو الملاحة الخاصة بالمسيّرة، مما يقطع الاتصال بين الطائرة بدون طيار ومشغلها ويحولها إلى أداة غير فعالة. وقد صرّح ضباط ميدانيون في أوكرانيا أن وحداتهم فقدت نسبة كبيرة من طائراتها المسيّرة نتيجة التشويش الإلكتروني الروسي المكثف. وفي المقابل، طوّرت أوكرانيا أيضاً وحدات حرب إلكترونية مضادة للمسيّرات لحماية قواتها من المسيّرات الانتحارية الروسية، واعتبرت هذه الأجهزة بمثابة “سترة واقية” إلكترونية للجندي في الميدان. وفي عدة نزاعات حديثة، من سوريا إلى إقليم قره باغ، كان للتشويش الإلكتروني دور حاسم في تحييد أسراب المسيّرات وتخفيف خطورتها. إن تحييد الطائرات بدون طيار بالوسائل الإلكترونية أصبح ضرورة لحماية الدبابات والوحدات على الأرض من أعين وأسلحة هذه الطائرات. بالمقابل، من ينجح في حماية مسيّراته من التشويش سيتمتع بتفوق استخباري ونيراني على خصمه.
بشكل عام، تؤثر الحرب الإلكترونية اليوم على جميع مكونات المعركة الحديثة: من شبكات الاتصالات التكتيكية، وأنظمة القيادة والسيطرة، والدفاعات الجوية، وصولاً إلى الأسلحة الموجهة التي تعتمد على الرادار أو GPS. من يمتلك السماء الكهرومغناطيسية يمتلك زمام المبادرة. لذلك تستثمر الدول الكبرى بكثافة في معدات الحرب الإلكترونية الهجومية والدفاعية، لأنها باتت تدرك أن السيطرة على الطيف تماثل في أهميتها السيطرة على الأرض أو الجو. المعارك الأخيرة حول العالم – سواء في أوروبا الشرقية أو الشرق الأوسط – أثبتت أن التفوق الإلكتروني يمكن أن يحسم نتيجة الاشتباك قبل أن تبدأ النيران الفعلية.
أمثلة واقعية من حروب معاصرة
لإيضاح دور الحرب الإلكترونية عملياً، نستعرض أمثلة من صراعات معاصرة برزت فيها عمليات الحرب الإلكترونية:
أوكرانيا (2022–الآن): تُعتبر الحرب الروسية الأوكرانية مختبراً حقيقياً لتكتيكات الحرب الإلكترونية الحديثة. كلا الطرفين يمتلك قدرات تشويش واعتراض متقدمة، وشهدت ساحات القتال معارك إلكترونية شرسة غير مرئية موازية للمعارك البرية. استخدمت روسيا منظومات حرب إلكترونية متطورة مثل “كراسوخا-4” للتشويش على اتصالات الجيش الأوكراني وإعماء طائراته بدون طيار. هذه المنظومة الروسية قادرة على إعاقة اتصالات الطائرات المسيّرة ضمن دائرة قطرها عشرات الكيلومترات، وقد نُشرت أيضاً لحماية القواعد الروسية في سوريا. بالمقابل، طوّرت أوكرانيا ونشرت مئات من أجهزة التشويش المحمولة والمركبات الإلكترونية قرب الخطوط الأمامية لشل المسيّرات الروسية خاصةً نماذج “الدرون الانتحاري” التي تهاجم الوحدات الأمامية. التقارير الإعلامية أظهرت أن التشويش أصبح سلاحاً أساسياً في سماء أوكرانيا؛ فمثلاً كثفت كييف استخدامه لحماية مدفعيتها من رصد المسيّرات الروسية، في حين تستخدم موسكو التشويش لإعاقة أنظمة GPS الموجهة للصواريخ الغربية مثل راجمات هيمارس. النتيجة كانت سباقاً محموماً بين الطرفين لابتكار وسائل تشويش وتصدي مضاد – حرب عقول إلكترونية موازية للحرب الدموية على الأرض. وقد اعترف عسكريون أوكرانيون بأن التفوق الروسي في بعض تقنيات الحرب الإلكترونية كلّفهم خسائر فادحة في مسيّرات الاستطلاع والاتصال (خسارة ما يصل إلى 40% من بعض الطرازات بسبب التشويش). رغم ذلك، تستمر أوكرانيا في تحسين تكتيكاتها المضادة، ما جعل الخبراء يصفون الصراع هناك بأنه “أكبر معركة حرب إلكترونية في التاريخ الحديث” نظراً لحجم ومدى استخدام هذه الوسائل.
سوريا (2015–الآن): خلال الحرب السورية برزت روسيا كطرف يوظّف الحرب الإلكترونية بشكل مكثّف لحماية قواته ومصالحه. فمنذ تدخلها العسكري عام 2015، نشرت روسيا أنظمة حرب إلكترونية متقدمة في قواعدها بسوريا (قاعدة حميميم وطرطوس)، وشملت هذه الأنظمة منظومات تشويش واتصال قادرة على إعماء الرادارات وتعطيل اتصالات الطائرات ضمن نطاق واسع. إحدى الحوادث البارزة كشفها تقرير عام 2020 يفيد بأن التشويش الروسي في سوريا أثر على إلكترونيات مقاتلات شبح أمريكية من طراز F-35 وF-22 أثناء تحليقها قرب المجال الجوي السوري، ما أدى إلى تشويش أجهزة الملاحة وإرباك الطيارين. كذلك تصرّح مصادر روسية بأن قواتها في سوريا استخدمت الحرب الإلكترونية للتصدي لهجمات بالطائرات المسيّرة على قواعدها؛ فتمكنت من إنزال أو تحييد عشرات المسيّرات المعادية عبر التشويش دون الحاجة لإسقاطها بالوسائل النارية. وعلى الجانب الآخر، يُعتقد أن إسرائيل – التي نفّذت ضربات جوية عديدة في سوريا – اعتمدت بشكل كبير على إجراءات الحرب الإلكترونية للتغلّب على الدفاعات الجوية السورية. أشهر مثال على ذلك الغارة الإسرائيلية في سبتمبر 2007 ضد منشأة سورية شرقي البلاد؛ حيث نجحت إسرائيل في تعطيل شبكة الرادار السورية بالكامل لبضع ساعات مستخدمةً مزيجاً من التشويش والخداع الإلكتروني. وفي الضربات الأكثر حداثة خلال العقد الماضي، تشير التقارير إلى أن إسرائيل استمرت في استخدام تقنيات التشويش على بطاريات الدفاع الجوي وأنظمة الإنذار السورية لتفادي صواريخها، مما يجعل الدفاعات السورية شبه عمياء خلال فترة الهجوم. بالتالي، تعتبر سماء سوريا ميداناً لصدام خفي بين تقنيات الحرب الإلكترونية الروسية والإسرائيلية – حيث يحاول كل طرف حماية قواته وشل قدرات خصمه دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
إسرائيل ومحيطها: تمتلك إسرائيل إحدى أكثر قدرات الحرب الإلكترونية تطوراً على مستوى العالم، وقد وظّفتها مراراً في صراعاتها الإقليمية لتحقيق “السيادة الإلكترونية” على خصومها. إلى جانب المثال المذكور عن تعطيل دفاعات سوريا عام 2007، يُعرف عن الجيش الإسرائيلي اعتماده الحرب الإلكترونية بشكل واسع خلال حرب لبنان 1982، حيث استخدم التشويش والخداع لإرباك شبكة الدفاع الجوي السورية في سهل البقاع بالتزامن مع هجوم جوي كاسح، فدمر بطاريات الصواريخ المعادية دون خسائر تُذكر. وفي السنوات الأخيرة، برزت قدرات إسرائيل الإلكترونية ضد الفصائل المسلحة في غزة وسوريا؛ إذ تشير تقارير إلى تنفيذ عمليات تشويش واتصالات مضادة لتعطيل منظومات الطائرات المُسيّرة المفخخة التي حاولت بعض الجماعات إطلاقها، وكذلك قطع الاتصالات بين القيادات الميدانية وعناصرها أثناء المعارك. كما تطور إسرائيل تقنيات متقدمة لـ**“القبة الإلكترونية”** المكملة لمنظومة القبة الحديدية المضادة للصواريخ، وتهدف هذه التقنيات الإلكترونية إلى التشويش على أنظمة توجيه الصواريخ والطائرات الصغيرة التي تُطلق نحو أراضيها. وفي ساحة الحرب السيبرانية المتداخلة مع الحرب الإلكترونية، نفذت وحدات إسرائيلية متخصصة (مثل وحدة 8200) عمليات اختراق إلكتروني عبر وسائل لاسلكية للتجسس على اتصالات الخصوم أو تعطيلها. هذه المزاوجة بين قدرات الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية منحت إسرائيل تفوقاً معلوماتياً كبيراً في عدة جولات تصعيدية. يمكن القول إن التفوق الإلكتروني الإسرائيلي بات عامل ردع بحد ذاته؛ فأي تحرك عدائي يدرك أن هناك عيوناً إلكترونية تراقبه وقد يتعرض للشلل الاتصالي في اللحظة الحاسمة.
ناغورنو قره باغ (2020): حرب إقليم قره باغ الثانية بين أذربيجان وأرمينيا (خريف 2020) قدمت مثالاً واضحاً على أهمية الحرب الإلكترونية مقرونة بالحرب المسيرة. استطاعت أذربيجان، بدعم تقني من تركيا وإسرائيل، تحقيق تفوق كاسح في ساحة المعركة من خلال الدمج بين الطائرات بدون طيار والهجمات الإلكترونية. صحيفة لوبيغارو الفرنسية وصفت كيف أن الجيش الأذربيجاني استخدم الحرب الإلكترونية بفعالية إلى جانب المسيّرات والدهاء التكتيكي لاختراق دفاعات الجيش الأرميني. فقد أنشأت باكو وحدات حرب إلكترونية مهمتها التشويش على اتصالات الجيش الأرميني ورادارات دفاعاته، ما أدى إلى شل شبكة الاستطلاع والإنذار الأرمنية في مراحل حاسمة من القتال. بالتوازي، كانت المسيّرات الأذربيجانية (مثل Bayraktar TB2 التركية) تستغل هذا الشلل لتهاجم مواقع المدرعات والمدفعية الأرمنية بدقة مميتة. العديد من مقاطع الفيديو أظهرت تدمير أرتال عسكرية أرمنية دون أي رد فعل دفاعي، ويُعزى ذلك إلى نجاح الأذريين في إعماء أعين العدو الإلكترونية فلم يدرك حضور المسيّرات إلا بعد فوات الأوان. وعلى الجانب الآخر، حاولت أرمينيا استخدام وسائل التشويش الإلكترونية لعرقلة المسيّرات واستهدفت مراكز القيادة والتحكم الأذربيجانية بهجمات سيبرانية، لكن فجوة التطور التقني بين الطرفين لعبت لصالح أذربيجان. هذه الحرب القصيرة أبرزت درساً هاماً وهو أن امتلاك طائرات مسيّرة حديثة دون منظومة حرب إلكترونية مرافقة قد لا يكون كافياً إذا نجح الخصم في تعطيل شبكة الاتصال بينها وبين مشغليها. كما أكدت أن التفوق الإلكتروني يمكن أن يبطل الكثير من مزايا المدافع والدبابات التقليدية – وهو ما حصل فعلاً عندما أصبحت الدبابات الأرمنية أهدافاً سهلة تحت سماء تسيطر عليها المسيّرات والتشويش الأذري. بناءً على ذلك، بدأت جيوش عديدة إعادة تقييم ترسانتها الإلكترونية بعد حرب قره باغ، إدراكاً منها أن جيل الحروب الجديد يجمع بين الجو غير المأهول والحرب الإلكترونية كيدٍ تضرب وأخرى تعمي.
تقنيات متقدمة في الحرب الإلكترونية
تتطور تقنيات الحرب الإلكترونية بسرعة كبيرة، مدفوعة بالثورة الرقمية والتقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي. فيما يلي أبرز الاتجاهات التقنية الحديثة التي تعزز قدرات الحرب الإلكترونية هجوميًا ودفاعيًا:
الذكاء الاصطناعي (AI) في الحرب الإلكترونية: أحدث الذكاء الاصطناعي طفرة نوعية في أتمتة عمليات الحرب الإلكترونية وجعلها “معرفية”. بفضل خوارزميات التعلم الآلي، باتت الأنظمة قادرة على مسح طيف الترددات وتحليل الإشارات الواردة بكميات هائلة وفي الزمن الحقيقي. يتيح ذلك تمييز الأنماط الدقيقة والتعرف بسرعة على الإشارات المعادية وسط ضجيج الخلفية أو وسط آلاف الإشارات الأخرى. على سبيل المثال، منظومات الحرب الإلكترونية المعرفية تستطيع رصد اختلال طفيف في طيف الاتصالات يشير إلى بدء العدو بالتشويش أو بإرسال توجيهات لطائراته، فتبادر فوراً باتخاذ إجراء مضاد كالقفز إلى تردد آخر أو إطلاق تشويش معاكس. كما يساعد الذكاء الاصطناعي في تمييز الإشارات الصديقة من المعادية بدقة عالية، ما يجنّب وقوع عمليات “نيران صديقة” إلكترونية ويمنع التشويش على أجهزة القوات الصديقة. أيضًا برز دور AI في تطوير أنظمة حماية إلكترونية ذكية قادرة على التعلم المستمر من تكتيكات العدو. فكلما ابتكر العدو تقنية تشويش أو هجوم جديدة، تستطيع هذه الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحديث نماذجها بسرعة للتعرف على الهجوم وابتكار رد مضاد ملائم. التعلم الآلي التكيّفي بات محور برامج عديدة مثل مشروع الحرب الإلكترونية الإدراكية لوكالة DARPA الأمريكية، التي تهدف لبناء ذكاء اصطناعي يتفوق على أذكى أجهزة التشويش المعادية في أجزاء من الثانية. ومن التطبيقات العملية أيضًا استخدام AI في تحليل “بصمة الإشارات” – أي التعرف على البصمة الإلكترونية الفريدة لكل رادار أو نظام بث للعدو – ومن ثم تتبع تلك البصمة وعزلها لاتخاذ الإجراء المناسب حيالها. خلاصة الأمر أن الذكاء الاصطناعي أصبح العقل المُسرِّع للحرب الإلكترونية: فهو يضمن سرعة استجابة غير مسبوقة وهامش خطأ أقل بكثير من القرار البشري في خضم وابل الإشارات. ومع ذلك، يرافق هذا التطور تحديات مثل التعقيد التقني والحاجة لبنية تحتية حوسبية متقدمة، فضلاً عن ضرورة وجود إشراف بشري في القرارات الحساسة التي يتخذها الذكاء الاصطناعي تلقائياً في مواقف الحرب. ورغم هذه التحديات، يتوقع الخبراء استمرار صعود دور الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، بحيث تصبح أنظمة الحرب الإلكترونية ذاتية التكيف عنصرًا أساسياً في جيوش المستقبل.
الطيف الترددي الديناميكي والترددات المعرَّفة برمجياً: من التقنيات الثورية في الحرب الإلكترونية استخدام أجهزة راديو معرفية (SDR) قادرة على تغيير تردداتها وطريقة عملها برمجياً بشكل فوري. سابقاً، كانت أنظمة الاتصالات أو الرادارات تعمل على ترددات ثابتة أو نطاق محدد، فإذا تم التشويش عليها خرجت عن الخدمة. أما الآن، فالتوجه هو نحو أنظمة مرنة الترددات يمكنها التكيف فوراً مع بيئة الحرب الإلكترونية. فعلى سبيل المثال، إذا كشف جهاز الاستقبال ارتفاع مستوى التشويش على تردد ما، يقوم تلقائياً بـالانتقال إلى قناة تردد بديلة نظيفة خلال أجزاء من الثانية، مستمرًا في العمل كأن شيئاً لم يكن. هذه القدرة تسمى “القفز الترددي” أو “إدارة الطيف الديناميكية”. وهي تجعل مهمة المشوش أصعب بكثير، لأنه عليه أن يطارد هدفاً سريع الحركة عبر الطيف. علاوة على ذلك، تسمح تقنية الراديو المعرّف برمجياً ووجود ذاكرة ترددات رقمية في المنصات الحديثة بتسجيل خصائص هجوم التشويش المعادي وتحليلها ثم إعادة برمجة أنظمتنا على الطائر لمواجهتها. أي أن الطائرة أو المركبة الإلكترونية تصبح قادرة على “تعلم” أسلوب تشويش العدو خلال المهمة ثم تعديل إعداداتها لإبطال مفعوله. كذلك ظهرت فكرة “النافذة الترددية” حيث تفتح المنظومة نافذة بث قصيرة على تردد معين لإرسال البيانات ثم تغلقها وتنتقل لتردد آخر قبل أن يتمكن العدو من التشويش. كل هذه الأساليب تهدف إلى تعزيز بقاء الاتصالات والرادارات الصديقة في بيئة معادية. ومن جهة الهجوم أيضاً، يجري تطوير أجهزة تشويش تطيفية ذكية تستطيع مراقبة طيف واسع ورصد أين تبث نظم العدو لحظياً، ثم تركيز طاقة التشويش بدقة على تلك الترددات فقط بدل التشويش العشوائي. هذا النوع من “التشويش الانتقائي” فعال للغاية لأنه يحرم العدو من بعض قنواته الحيوية دون أن يؤثر كثيراً على قنوات أخرى (وربما دون أن يدرك بسرعة أنه يتعرض لهجوم إلكتروني). لقد بدأت الجيوش القوية بتبني مفهوم الإدارة الديناميكية للطيف كجزء من عقيدتها؛ فكل منظومة اتصالات أو حرب إلكترونية جديدة تُصمم بحيث تتسم بالمرونة والتكيف اللحظي بدل الجمود. ونتيجة لهذا الاتجاه، سنشهد معركة كر وفر سريعة الوتيرة في المجال الترددي: منظومات تغير “تردداتها ولغتها” باستمرار للإفلات من الخصم، يقابلها خصم يطور خوارزميات أسرع لملاحقتها. إنها “لعبة شطرنج” إلكترونية ستزداد تعقيداً مع دخول المزيد من الذكاء الاصطناعي كما ذكرنا.
أسلحة الطاقة الموجهة والتشويش العالي القدرة: إلى جانب التشويش التقليدي بالموجات الراديوية، هناك تطور مهم في استخدام الطاقة الموجهة (Directed Energy) في الحرب الإلكترونية. وتشمل الطاقة الموجهة الليزر عالي الطاقة والميكروويف ذو القدرة المرتفعة جداً كأسلحة لتعطيل الإلكترونيات. مثلاً: مدافع الميكروويف تستطيع إطلاق نبضة كهرومغناطيسية مركزة تسبب إتلاف الدوائر الإلكترونية في أجهزة العدو أو على الأقل إرباك عملها. هذه التقنية تشبه تأثير نبضة مغناطيسية نووية (EMP) ولكن بشكل موضعي ومسيطر عليه. بالفعل طوّرت الولايات المتحدة قنبلة (صاروخ كروز) تحمل مولداً لنبضة ميكروويف عالي الطاقة استخدمتها عام 1991 لتعطيل شبكة الاتصالات الكهربائية العراقية. النبضة الكهرومغناطيسية الناتجة عطّلت مراكز الاتصالات والحواسيب، مما أدى إلى شلل في القيادة والسيطرة العراقية في الساعات الأولى من الحرب. اليوم، يتم تركيب منصات طاقة موجهة على بعض الطائرات والسفن لاستهداف الطائرات المسيّرة وصواريخ الخصم: إذ يقوم شعاع الليزر بإحراق أو إعطاب مكونات الهدف، بينما تقوم حزمة ميكروويف بتعطيل إلكترونياته. هذه الأسلحة صامتة وسريعة ولا تنضب ذخائرها (ما دام هناك طاقة كهربائية)، مما يجعلها مثالية لمواجهة أسراب الدرونز أو الصواريخ الكثيفة. في الوقت نفسه، ظهرت تكتيكات التشويش العالي القدرة مثل استخدام طائرات حرب إلكترونية ثقيلة (كطائرة EA-18G Growler الأمريكية) التي تحمل مولدات تشويش تبث بمستوى طاقة كهربائية هائل (بالمليارات الواط) لإغراق طيف كامل واسع بالتشويش. هذه الطائرات تطير على أطراف منطقة القتال وتعمل عمل “منصات تشويش طائرة”، قادرة على إخفاء مساحة جوية كاملة داخل هالة من الضجيج الإلكتروني بحيث تعجز دفاعات العدو عن التقاط أي هدف خلالها. ومما يساعدها استخدام هوائيات موجهة تركز طاقة التشويش كالشعاع نحو مستقبلات العدو دون إضاعة الطاقة في كل اتجاه. بهذا الأسلوب تمكنت مثلاً طائرات “غرولر” الأمريكية من إعماء عدة طبقات من الدفاع الجوي الفنزويلي أثناء عملية عسكرية حديثة عبر تشويش مركّز متعدد النطاقات. إن الجمع بين القوة الخام والتوجيه الذكي في التشويش يجعل مهمة الدفاع ضده بالغة الصعوبة، لأن العدو يواجه “جدار ضوضاء” هائل لا يمكن اختراقه بأجهزة الاستقبال العادية. في المقابل تعمل الدول المعرّضة لهذه الأسلحة على تحصين أجهزتها ضد النبضات الكهرومغناطيسية (بتقنيات التدريع والتقسيم المعزول للدوائر) وعلى تطوير رادارات كمية أو أخرى تستخدم ترددات شديدة العلو أقل تأثراً بالتشويش التقليدي. السباق لا يزال مستمراً بين سيف التشويش وترس مقاومته.
مستقبل الحرب الإلكترونية واتجاهاتها
في ضوء ما تقدم، يتضح أن الحرب الإلكترونية أصبحت ميداناً حاسماً لا يقل أهمية عن البر والبحر والجو والفضاء. بل إنها الميدان الذي يربط كل الميادين، لأنها تخترق جميع الأسلحة والأنظمة عبر اعتمادها المتزايد على التكنولوجيا. مستقبل الحرب الإلكترونية مرشح ليشهد مزيداً من التطور والتعقيد على عدة أصعدة:
أولاً، التكامل الأوثق بين الحرب الإلكترونية والسيبرانية. فمن المتوقع أن تصبح العمليات الإلكترونية والسيبرانية متداخلة لدرجة يصعب التفريق بينهما في مسرح الحرب. قد نرى أسلحة تجمع تأثير التشويش مع اختراق الشبكات في آن واحد لتحقيق “الضربة الإلكترونية القاضية” لأنظمة العدو. هذا سيتطلب كوادر عالية التدريب تفهم الطيفَين معاً، كما قد يستلزم تغيير عقائد القيادة والسيطرة لتوحيد إدارة هذين المجالين ضمن قيادة واحدة.
ثانياً، تصاعد دور الأتمتة والذكاء الاصطناعي. حيث ستتخطى سرعة واتساع نطاق الحرب الإلكترونية قدرة البشر على الإدارة اللحظية، مما سيدفع نحو أنظمة مستقلة القرار في التشويش والتوجيه الإلكتروني. ورغم القلق من إطلاق العنان للذكاء الاصطناعي في ساحات القتال، فإن ضغط الواقع العملياتي سيؤدي غالباً إلى إعطائه صلاحيات أكبر في اتخاذ القرار الفوري – مع محاولة الإبقاء على الإنسان في الحلقة الرقابية. الحرب الإلكترونية الإدراكية ستصبح معياراً مستقبلياً، أي أنظمة تتعلم من بيئتها وتتكيف باستقلالية مع التهديدات الجديدة خلال ثوانٍ أو أقل.
ثالثاً، انتشار تقنيات الحرب الإلكترونية بين المزيد من الدول والجهات. فإذا كانت هذه التقنيات تاريخياً حكراً على الدول العظمى، فإن ثمنها المتناقص نسبياً سيتيح لدول أصغر – بل ولمجموعات غير حكومية – امتلاك قدرات تشويش واعتراض متطورة. رأينا بالفعل جماعات مسلحة تحصل على طائرات مسيّرة صغيرة وتستخدمها كسلاح فعال؛ الخطوة التالية قد تكون تجهيزها بوسائل تشويش بسيطة لتعطيل اتصالات خصومها المحليين. هذا يعني أن طيف التهديدات الإلكترونية سيتسع وعلى الجيوش أن تستعد لمواجهة حرب إلكترونية حتى في النزاعات غير النظامية.
رابعاً، عسكرة الفضاء الخارجي في نطاق الحرب الإلكترونية. فمع اعتماد الجيوش على الأقمار الصناعية للاتصالات والملاحة والاستطلاع، يصبح الفضاء ساحة مواجهة إلكترونية. بالفعل تعمل دول كبرى على تطوير قدرات تشويش فضائي تستهدف أقمار العدو أو تحمي أقمارها، سواء عبر بث نبضات ميكروويف من الأرض إلى المدار أو نشر أقمار صغيرة “مهاجمة” تشوش على الأقمار الأخرى أو تعطلها. هذا بعد جديد ستتسارع وتيرته، وقد يُفضي إلى معاهدات دولية لتنظيمه كما حدث مع أسلحة الفضاء سابقاً.
خامساً، تخصيص موارد أكبر للتدريب والابتكار في مجال EW. فجيوش المستقبل ستحتاج جنوداً وضباطاً “رقميين” يفهمون الكهرباء والموجات بقدر فهمهم للتكتيكات والسلاح. سنرى ازدياد إنشاء مراكز تدريب ومحاكاة متقدمة تحاكي بيئات حرب إلكترونية كثيفة لتأهيل القوات على القتال تحت انعدام الاتصالات والرادار. كما ستظهر وحدات متخصصة تكون بمثابة “قوات إلكترونية” تنتشر مع القوات التقليدية في الميدان لضمان الدعم الإلكتروني المباشر.
في الخلاصة، الحرب الإلكترونية ماضية لتصبح اللاعب الرئيسي الخفي في الحروب القادمة. سيجد القادة العسكريون أنفسهم يديرون معارك طيفية وضربات سيبرانية جنباً إلى جنب مع المناورات النارية. ومن يحقق السبق في هذا الميدان سيكسب “تفوقاً صامتاً” يسبق النصر الميداني. لقد ولج العالم عصرًا لا يكفي فيه امتلاك الدبابات والطائرات إن كانت عمياء وصماء؛ فالترددات والموجات هي شريان الحياة لها. وكما قال أحد الجنرالات في سياق حديثه عن صراعات القرن الحادي والعشرين: “لقد أصبحت السيطرة على الإلكترونيات هي مفتاح السيطرة على العدو”. وفي ضوء ذلك، ستواصل الدول سباقها لتطوير تقنيات حرب إلكترونية أذكى وأقوى – سباقاً تسوده السرية والتطور المستمر – لأن الرهان هذه المرة غير مرئي للعيان، لكنه حاسم بلا شك لموازين القوة العالمية في المستقبل.
المصادر
مبادرة العطاء الرقمي – مقال «الحرب الإلكترونية» (منشور بتاريخ 4 نوفمبر 2021).
ماركو مسعد – المجلة، مقال «ثنائي الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية» (4 يناير 2025).
سامي خليفة – إندبندنت عربية، مقال «كيف تعطل طائرات الحرب الإلكترونية الرادارات والدفاعات الجوية؟» (19 يناير 2026).
الشرق الأوسط (نقلاً عن وكالة الصحافة الفرنسية) – تقرير «حرب إلكترونية عملاقة في سماء أوكرانيا» (9 فبراير 2026).
Wikipedia – Operation Outside the Box (Israeli raid on Syrian reactor 2007).
Wikipedia – «كراسوخا» منظومة الحرب الإلكترونية الروسية (اطلع عليه بتاريخ 2026).
الجزيرة نت – تقرير «لوفيغارو: بهذه الوسائل تمكنت أذربيجان من اختراق دفاعات قره باغ» (26 أكتوبر 2020).
المصادر
