تطور المدفعية المقطورة وذاتية الحركة وأثره في بنية الجيوش الحديثة
الأسلحة الثقيلة (المدفعية والراجمات)


لم يكن الجدل بين المدفعية المقطورة والمدفعية ذاتية الحركة مجرد نقاش تقني حول وسيلتين لنقل المدفع. فمنذ بدايات الميكنة العسكرية، ارتبط الاختيار بينهما بأسئلة أكبر تتعلق بطبيعة الجيش، وحجم موارده، وشبكات نقله، وعقيدته، وقدرته على الصيانة والتدريب، والبيئة الجغرافية التي يتوقع العمل فيها.
فالمدفع المقطور لا يعمل منفردًا، بل يحتاج إلى مركبة جر ووسائل اتصال ونقل ذخيرة ودعم فني. والمدفع ذاتي الحركة ليس مدفعًا موضوعًا على مركبة فحسب، بل منظومة متكاملة تجمع السلاح والمحرك ونظام الحركة والحماية والطاقة والإلكترونيات، وقد تضم أنظمة آلية لمناولة الذخيرة وإدارة المعلومات. لذلك فإن المفاضلة الحقيقية لا تكون بين قطعتين من المعدات، بل بين نموذجين مختلفين لتنظيم القوة العسكرية وإدامتها.
كما أن المشهد لم يعد منقسمًا بوضوح بين مدفع مقطور خفيف ومدفع مجنزر ثقيل. فقد ظهرت المدفعية ذاتية الحركة المدولبة، التي تُركب على شاحنات عسكرية، لتكوّن فئة وسطية تجمع الانتقال الذاتي مع وزن وتعقيد أقل من بعض المنظومات المجنزرة. وهكذا أصبحت الجيوش أمام طيف واسع من الخيارات، لا أمام ثنائية بسيطة.
من الجر الحيواني إلى الميكنة
تعود جذور المدفعية المقطورة إلى عصر كانت فيه الخيول الوسيلة الرئيسية لنقل المدافع والذخائر. ومع انتشار الشاحنات في النصف الأول من القرن العشرين، انتقلت المدفعية من الجر الحيواني إلى الجر الآلي، من دون أن يتغير المبدأ الأساسي: يبقى المدفع منفصلًا عن وسيلة نقله، ثم يُفصل عنها عند الوصول إلى موقع العمل.
لكن ظهور القوات المدرعة والميكانيكية بعد الحرب العالمية الأولى أوجد مشكلة مؤسسية جديدة. فقد أصبحت الدبابات والمركبات القتالية قادرة على التحرك بوتيرة لم تستطع المدفعية التقليدية مجاراتها دائمًا. وتشير دراسة تاريخية نشرها معهد دراسات القتال التابع للجيش الأمريكي إلى أن النقاش حول تركيب المدافع مباشرة على هياكل متحركة بدأ في الولايات المتحدة خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم تسارع عندما أثبتت الحرب العالمية الثانية أهمية القوات الآلية.
وخلال الحرب العالمية الثانية، استُخدمت هياكل دبابات وعربات نصف مجنزرة لحمل المدافع، فظهرت المدفعية ذاتية الحركة بوصفها عنصرًا ملائمًا للتشكيلات المدرعة. لكنها جاءت منذ البداية بتكاليف مؤسسية واضحة، من بينها الحاجة إلى وقود ومساحات نقل أكبر، وفرض قيود على الجسور والطرق، وزيادة الاعتماد على الصيانة الميكانيكية. ولذلك لم ينهِ ظهورها دور المدفعية المقطورة، بل أسس لعقود من التعايش بين النموذجين.
المدفعية المقطورة ليست تقنية متقادمة
يُختزل المدفع المقطور أحيانًا في صورة منظومة قديمة تعتمد على العمل اليدوي، لكن هذا التصور لا يعكس التطور الذي شهدته هذه الفئة. فالعديد من المدافع المقطورة الحديثة تستخدم أنظمة رقمية للملاحة والاتصال وإدارة البيانات، ومواد متقدمة لتقليل الوزن، ووسائل تشخيص إلكترونية تساعد فرق التشغيل والصيانة.
يمثل المدفع الأمريكي البريطاني الأصل M777 مثالًا واضحًا على ذلك. فقد استخدم تصميمه أجزاء مصنوعة من التيتانيوم لتقليل الكتلة، مع إدخال تقنيات حاسوبية وأنظمة رقمية على متن المدفع. وكان الهدف المؤسسي من المشروع توفير مدفع يمكن دمجه في القوات الخفيفة والمنقولة جوًا والبحرية بصورة أسهل من المدافع الأثقل التي سبقته.
تكشف هذه الحالة أن استمرار المدفعية المقطورة لا يعود إلى رفض التطور، بل إلى أن بعض الجيوش تحتاج إلى معدات يمكن نقلها بواسطة وسائل جوية أو بحرية محدودة، أو نشرها في مناطق لا تناسبها المركبات الثقيلة. وفي هذه الحالة، تُستخدم الهندسة المتقدمة لتقليل وزن المدفع نفسه بدل إضافة محرك وهيكل مدرع إليه.
لكن خفة المدفع لا تعني أن الوحدة المدفعية كلها خفيفة. فالبطارية المقطورة تحتاج إلى مركبات جر، وشاحنات ذخيرة، ومعدات اتصال وطاقة، وقطع غيار، وأفراد لإدارة الحركة والخدمة. ويؤدي التركيز على وزن المدفع وحده إلى تقدير غير واقعي للعبء اللوجستي الكامل.
المدفعية ذاتية الحركة بوصفها منظومة مركبة
تجمع المدفعية ذاتية الحركة بين السلاح ومنصة النقل في مركبة واحدة. وقد تكون المنصة مجنزرة ومدرعة، أو مدولبة مبنية على شاحنة عسكرية. ويؤثر هذا الدمج في تصميم الوحدة العسكرية كلها، لأن المدفع يصبح جزءًا من أسطول مركبات يحتاج إلى وقود وصيانة واستعادة ونقل ثقيل وتدريب فني متخصص.
في الولايات المتحدة، طُور المدفع M109A7 للعمل ضمن ألوية القتال المدرعة. واعتمدت المنظومة على مكونات في الهيكل والمحرك وناقل الحركة والتعليق والتوجيه تتشاركها مع عائلة مركبات برادلي. ووفق الجيش الأمريكي، استُخدمت هذه القواسم المشتركة لتقليل البصمة اللوجستية وخفض بعض أعباء البرنامج وتحسين الاعتمادية والحماية.
يوضح هذا المثال أن تصميم المدفع ذاتي الحركة لا يُحدد انطلاقًا من المدفع وحده، بل من المركبات الموجودة في التشكيل الذي سيعمل معه. فمشاركة المحركات أو أنظمة التعليق أو أدوات التشخيص مع مركبات أخرى قد تكون أهم مؤسسيًا من امتلاك أفضل مواصفة منفردة على الورق.
أما المدفع الألماني PzH 2000، فيمثل نموذجًا للمنظومة المجنزرة الثقيلة التي تجمع الحماية والأتمتة وحمل الذخيرة داخل مركبة مدرعة. ويبلغ وزنها القتالي، وفق الجيش الألماني، نحو 57 طنًا، وتحتوي على محرك وناقل حركة وأنظمة هيدروليكية ومعدات آلية لمناولة الذخيرة. كما يوفر هيكلها حماية للطاقم من نيران الأسلحة الخفيفة وشظايا المدفعية.
لكن الكتلة والحماية والأتمتة تخلق متطلبات مقابلة. فالمنظومة تحتاج إلى ناقلات ثقيلة عند التحرك لمسافات استراتيجية، وإلى معدات استعادة مناسبة، وورش قادرة على التعامل مع المحركات والهيدروليك والإلكترونيات. وهكذا تنتقل الكلفة من شراء المدفع إلى إنشاء بنية كاملة لإبقائه متاحًا للعمل.
الفئة الثالثة: المدافع ذاتية الحركة المدولبة
أدى ارتفاع أعباء المنظومات المجنزرة، مع استمرار الحاجة إلى الانتقال الذاتي، إلى توسع فئة المدافع المركبة على شاحنات عسكرية. ومن أبرز أمثلتها عائلة CAESAR الفرنسية، التي تصفها وزارة القوات المسلحة الفرنسية بأنها منظومة مدفعية محمولة على مركبة مدولبة، مع تركيز على الحركة وإمكانية النقل بوسائل استراتيجية مختلفة.
لا تمثل هذه الفئة مجرد حل تقني وسط، بل تعكس تغيرًا في الطريقة التي تنظم بها الجيوش وحداتها. فالمنصة المدولبة تستفيد من البنية التحتية المدنية والعسكرية للطرق بدرجة أكبر من المركبات المجنزرة، وتستخدم سلاسل صيانة أقرب إلى الشاحنات الثقيلة. وفي المقابل، لا توفر عادة المستوى نفسه من الحماية أو القدرة على الحركة عبر جميع أنواع التضاريس التي توفرها بعض المنظومات المجنزرة.
وهذا يبيّن أن مصطلح «ذاتية الحركة» أصبح واسعًا للغاية. فوضع مدفع على شاحنة مدولبة لا ينتج المنظومة المؤسسية نفسها التي ينتجها تركيبه داخل برج مدرع على هيكل مجنزر. لذلك ينبغي التمييز بين المدفعية المجنزرة والمدولبة بدل التعامل معهما كفئة متطابقة.
أثر الاختيار في تشكيل الوحدات
عندما يعتمد الجيش مدفعية مجنزرة ثقيلة، فإنه لا يشتري المدافع فقط، بل يعيد تشكيل كتائب الصيانة والنقل والإمداد حولها. وتحتاج الوحدات إلى مركبات ذخيرة واستعادة، وأطقم قيادة وصيانة، ومخزون واسع من قطع الغيار، وقدرات على نقل المركبات الثقيلة عبر الطرق والسكك والبحر.
أما الوحدات المقطورة فتُبنى حول علاقة بين المدفع ومركبة الجر. ويمكن استبدال مركبة الجر أو إصلاحها بصورة مستقلة عن المدفع، لكن ذلك يعني أيضًا أن فقدان المركبة أو تعطلها يؤثر في قدرة المدفع على الانتقال. كما تحتاج الوحدة إلى إدارة عمليتين مترابطتين: صيانة السلاح وصيانة أسطول الجر والدعم.
تقلل بعض المنظومات ذاتية الحركة الحديثة عددًا من المهام اليدوية من خلال الأتمتة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الأفراد؛ بل تغير طبيعة مهاراتهم. فبدل الاعتماد الأكبر على القوة البشرية في مناولة الذخيرة وتشغيل المعدات، تزداد الحاجة إلى فنيين يفهمون الإلكترونيات والطاقة والهيدروليك والبرمجيات وأدوات التشخيص.
وقد وصفت القوات المسلحة الألمانية تدريب أطقم PzH 2000 بأنه عملية معقدة ومتطلبة، تشمل المحاكاة والتشغيل والصيانة والتعامل الآمن مع المنظومة. وهذه نقطة أساسية في حساب الفعالية المؤسسية: المنصة المتقدمة التي لا يملك الجيش وقتًا أو كوادر لتدريبها وصيانتها قد تصبح أقل جاهزية من منظومة أبسط تتوافر لها خبرة محلية واسعة.
النقل الاستراتيجي والبنية التحتية
لا تُقاس حركة المدفع بسرعة انتقاله على الأرض فقط. فهناك فرق بين الحركة التكتيكية داخل منطقة العمليات والحركة الاستراتيجية بين الدول والمناطق البعيدة. وقد تكون المركبة ذاتية الحركة قادرة على التنقل بنفسها لمسافات محدودة، لكنها تحتاج إلى قطار أو سفينة أو ناقلة ثقيلة عند الانتشار عبر مسافات طويلة.
يؤثر وزن المنظومة وأبعادها في عدد القطع التي يمكن نقلها في طائرة أو سفينة، وفي نوع الجسور التي يمكنها عبورها، وفي قدرة الطرق على تحملها، وفي الموانئ والسكك المتاحة. ولذلك قد يكون نظام ثقيل ملائمًا لجيش يعمل أساسًا داخل شبكة برية متطورة، بينما يفرض عبئًا مختلفًا على قوة تعتمد على النقل الجوي أو البحري المتكرر.
كان تقليل وزن M777 مرتبطًا منذ البداية بمتطلبات النقل الجوي والبحري للقوات الأمريكية، بينما يكشف الوزن القتالي المرتفع للمدافع المجنزرة مثل PzH 2000 عن الحاجة إلى منظومة نقل ثقيل موازية. ولا يعني ذلك تفوق أحد النموذجين، بل يعني أن كل منهما يستهلك نوعًا مختلفًا من القدرات الاستراتيجية.
الحماية لا تقتصر على الدرع
توفر المدفعية المجنزرة المدرعة بيئة مغلقة نسبيًا للطاقم، وتحميه من بعض الشظايا ونيران الأسلحة الخفيفة والعوامل الجوية. لكن الحماية في الحروب الحديثة لا يمكن اختزالها في سماكة الدرع. فالمركبات الثقيلة تولد بصمات حرارية وصوتية ولوجستية، وتحتاج إلى الوقود والممرات ووسائل الاستعادة.
وفي المدفعية المقطورة، لا يوجد هيكل مدرع متكامل حول المدفع، ولذلك تعتمد حماية الوحدة بدرجة أكبر على تنظيمها العام ووسائل الحماية المنفصلة المتاحة لها. وهنا تظهر أهمية النظر إلى الوحدة كاملة، لا إلى المدفع وحده. فقد يُضاف إلى منظومة خفيفة دعم من مركبات مدرعة أو دفاع جوي أو تجهيزات تمويه واستشعار، بينما يمكن لمنظومة ثقيلة أن تتعرض لمشكلات إذا لم تُدمج في شبكة حماية واتصال مناسبة.
أصبحت هذه المسألة أكثر أهمية مع انتشار الطائرات غير المأهولة والرادارات ووسائل الاستطلاع الرقمية. وتوضح المواد التعليمية التي نشرها حلف شمال الأطلسي حول دروس الحرب الروسية الأوكرانية أن تكامل الرادارات والطائرات الصغيرة غير المأهولة زاد قدرة الأطراف على اكتشاف نشاط المدفعية ومتابعته. كما تضع وثائق التطوير الحديثة للجيش الأمريكي الحركة وحماية الطاقم ضمن المتطلبات الأساسية للجيل الجديد من المدافع المتحركة.
الرقمنة تقلص الفارق التقليدي
كان يُنظر قديمًا إلى المدفع ذاتي الحركة باعتباره أكثر تطورًا تقنيًا من المدفع المقطور. لكن الرقمنة قلصت هذا الفارق. فقد أصبحت أنظمة الملاحة وتبادل البيانات والتشخيص وإدارة النيران قابلة للدمج في كلا النوعين.
أظهر برنامج M777 أن المدفع المقطور يمكن أن يستخدم حواسيب وأنظمة ملاحة وتشخيص رقمية، بينما تضم منظومات مثل M109A7 بنية كهربائية وإلكترونية متقدمة مرتبطة بالمركبة نفسها.
وبذلك لم تعد الثنائية بين «مقطور بسيط» و«ذاتي الحركة رقمي» دقيقة. السؤال الأهم هو مستوى التكامل بين المدفع وشبكات القيادة والاستطلاع والإمداد، ومدى قدرة الجيش على حماية البرمجيات والاتصالات وإدامة الأنظمة الإلكترونية.
وتضيف الرقمنة عبئًا جديدًا إلى دورة الحياة. فالحاجة إلى تحديث البرمجيات، وتأمين الاتصالات، وإدارة البطاريات ومصادر الطاقة، والحفاظ على توافق الأنظمة، تصبح جزءًا من صيانة المدفعية. وقد يكون السلاح ميكانيكيًا صالحًا، لكنه غير جاهز مؤسسيًا إذا تعطلت مكوناته الرقمية أو انقطعت صلته بشبكة القيادة.
الكلفة الحقيقية تظهر بعد الشراء
يصعب تقييم الكلفة من خلال سعر المدفع منفردًا. فالمدفع ذاتي الحركة يضم مركبة ومحركًا وناقل حركة وحماية وإلكترونيات، بينما يحتاج المدفع المقطور إلى مركبة جر ومعدات مساندة منفصلة. لذلك يجب حساب كلفة المنظومة على امتداد عمرها، بما يشمل الوقود والتدريب والذخائر وقطع الغيار والنقل والورش والتحديثات.
تحتاج المنظومة الثقيلة إلى بنية صيانة أعمق ومخزون أكبر من المكونات الميكانيكية، وقد تتطلب منشآت نقل واستعادة غير متاحة أصلًا. وفي المقابل، قد يحتاج الجيش الذي يعتمد المدافع المقطورة إلى عدد أكبر من المركبات المنفصلة وإلى أطقم إضافية لإدارة عمليات الجر والفصل والنقل.
وهنا تصبح القاعدة المحاسبية الحاسمة هي تكلفة دورة الحياة لا تكلفة العقد الأولي. وقد يبدو نظام ما منخفض الثمن عند الشراء، ثم ترتفع كلفته بسبب ضعف التوافر أو الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي. وقد يبدو نظام آخر مرتفع الثمن، لكنه يحقق وفورات إذا كان يشترك في مكوناته وقطع غياره مع أسطول موجود، كما حاول برنامج M109A7 تحقيقه من خلال الاستفادة من القواسم المشتركة مع عائلة برادلي.
العقيدة هي التي تحدد شكل المدفعية
تكشف قرارات الجيوش الكبرى أن اختيار المدفعية يرتبط بالمهمة التي تعيد المؤسسة تعريف نفسها من أجلها. ففي تقرير «تصميم القوة 2030»، اعتبر سلاح مشاة البحرية الأمريكي أنه كان يستثمر بصورة زائدة في بعض القدرات، ومنها المدفعية المقطورة، في سياق تحوله نحو قوة بحرية موزعة تركز على العمل في البيئات الساحلية. لم يكن القرار حكمًا عالميًا على المدفعية المقطورة، بل انعكاسًا لتغير المهمة والتهديدات والموارد داخل مؤسسة بعينها.
وفي اتجاه آخر، أظهرت وثائق ميزانية البحث والتطوير للجيش الأمريكي لعام 2027 استمرار الاهتمام ببرنامج مدفع متحرك مدولب، مع التركيز على الحركة وحماية الطاقم وتقييم نماذج قائمة. ويعكس ذلك بحثًا عن فئة تقع بين المدافع المقطورة والمدفعية المجنزرة التقليدية.
هاتان الحالتان توضحان أن التطور لا يسير في خط واحد نحو إلغاء جميع المدافع المقطورة أو تحويل جميع الوحدات إلى منصات مجنزرة. بعض الجيوش يقلص فئة، وبعضها يطور فئة وسيطة، وبعضها يحتفظ بمزيج يخدم تشكيلات مختلفة.
ما الذي يعنيه ذلك للجيوش العربية؟
بالنسبة إلى الجيوش العربية، لا ينبغي أن يبدأ التخطيط من سؤال: أي النوعين أقوى؟ بل من سؤال أوسع: ما البنية العسكرية التي تستطيع الدولة تشغيلها والمحافظة عليها لسنوات؟
تملك المنطقة العربية بيئات متباينة للغاية. فهناك مساحات صحراوية شاسعة، ومناطق جبلية، ومدن مكتظة، وشبكات طرق متفاوتة، وجيوش تعتمد بدرجات مختلفة على النقل الجوي أو البحري. كما تختلف الدول في امتلاك ناقلات ثقيلة وورش مدرعة وقدرات تصنيع محلي ومخزونات قطع غيار.
الاعتبار الأول هو التوافق مع بنية القوات. فالجيش الذي يملك تشكيلات مدرعة واسعة وشبكة صيانة للمركبات المجنزرة يواجه واقعًا مختلفًا عن جيش تتركز مهمته في حماية الحدود أو الانتشار السريع أو العمل ضمن قوات خفيفة.
الاعتبار الثاني هو الاستقلال اللوجستي. فالمنظومات المعقدة قد تكون فعالة تقنيًا، لكن اعتمادها الكامل على فرق أجنبية أو مكونات يصعب استيرادها يمثل مخاطرة طويلة الأجل. ويجب أن تشمل العقود نقل المعرفة وأدوات التشخيص والتدريب وحقوق الصيانة، لا تسليم المعدات فقط.
الاعتبار الثالث هو التوحيد القياسي. فتنوع أنواع المحركات والذخائر والإلكترونيات داخل جيش واحد قد يرفع الكلفة ويضعف الجاهزية. وقد يكون تبني عدد محدود من العائلات القابلة للدعم أكثر قيمة من شراء نماذج متعددة تتميز كل منها بمواصفة مختلفة.
الاعتبار الرابع هو الملاءمة المناخية. فالحرارة المرتفعة والغبار والرمال تؤثر في المحركات والفلاتر والإلكترونيات والهيدروليك ومعدات التبريد. وكلما زاد تعقيد المنظومة، ازدادت أهمية الاختبارات المحلية والصيانة الوقائية وتوفير قطع الغيار المناسبة للبيئة.
أما الاعتبار الخامس فهو الاستثمار في الأفراد. فالمنظومة المتقدمة تتطلب مدارس تدريب ومحاكيات وفنيين ومهندسين ومسارات مهنية تحافظ على الخبرة. شراء المعدات أسرع بكثير من بناء الكادر القادر على تشغيلها لثلاثة عقود.
لم تُلغِ المدفعية ذاتية الحركة المدفعية المقطورة، كما لم تمنع خفة المدافع المقطورة الجيوش من الاستثمار في المنصات المدرعة والمدولبة. والسبب أن كل فئة نشأت لتلبية مجموعة مختلفة من المتطلبات المؤسسية.
المدفعية المقطورة الحديثة يمكن أن تكون رقمية ومتقدمة وخفيفة نسبيًا، لكنها تبقى جزءًا من منظومة تشمل الجر والنقل والإمداد. والمدفعية ذاتية الحركة توفر منصة متكاملة، لكنها تجلب معها محركات وحماية وإلكترونيات وأعباء صيانة ونقل. أما المنظومات المدولبة فتقدم مسارًا ثالثًا يعكس محاولة الجمع بين بعض خصائص الفئتين.
لذلك لا تُقاس الفعالية بالمدفع وحده، ولا بعدد المواصفات المكتوبة في كتيب الشركة المصنعة. تُقاس بقدرة الجيش على نقله، وربطه بشبكاته، وتوفير الذخيرة له، وحماية طاقمه، وإصلاحه، وتدريب أفراده، وإبقائه جاهزًا خلال سنوات السلم والأزمات.
المؤسسة التي تشتري منصة لا تتناسب مع عقيدتها أو بنيتها التحتية قد تحصل على سلاح متقدم وجيش أقل توازنًا. أما المؤسسة التي تدمج المدفعية في منظومة متماسكة من التدريب والإمداد والاستطلاع والاتصال والصيانة، فهي التي تحول المعدات إلى قدرة عسكرية مستدامة.
المراجع
معهد دراسات القتال، الجيش الأمريكي، Lessons Learned: The Field Artillery Branch in the Twentieth Century، 2024.
الجيش الأمريكي، Army Accepts Delivery of First M109A7 Self-Propelled Howitzer System.
سلاح مشاة البحرية الأمريكي، New, Lighter Howitzer a First for the Marine Corps.
القوات المسلحة الألمانية، Panzerhaubitze 2000: Equipment and Technology.
القوات المسلحة الألمانية، Training on the PzH 2000 Armoured Self-Propelled Howitzer، 2024.
وزارة القوات المسلحة الفرنسية، CAESAR MkI–MkIR Artillery System، 2026.
سلاح مشاة البحرية الأمريكي، Force Design 2030.
الجيش الأمريكي، FY2027 Research, Development, Test and Evaluation: Mobile Howitzer Program، 2026.
حلف شمال الأطلسي، Russian War Against Ukraine: Lessons Learned Curriculum Guide، 2023.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
