وحدات مكافحة الدرونات داخل القوات الخاصة
من ملحق تقني إلى قدرة عضوية لحماية القوة
العمليات الخاصة


لم تعد الطائرات المسيّرة الصغيرة مجرد وسيلة استطلاع إضافية في ميدان القتال، بل أصبحت عنصرًا قادرًا على تغيير سلوك الوحدات العسكرية وإجبارها على إعادة النظر في الحركة والتمركز والتمويه والاتصالات. فالطائرة التجارية الصغيرة التي يمكن الحصول عليها بكلفة محدودة قد تُستخدم للمراقبة، أو تحديد المواقع، أو تصحيح النيران، أو نقل الصور بصورة آنية، أو تنفيذ هجوم مباشر. كما أن تطور الذكاء الاصطناعي، والاستقلالية، وتقنيات الاتصال، جعل الأنظمة غير المأهولة متاحة لجيوش صغيرة وجماعات مسلحة وجهات غير حكومية، ولم تعد حكرًا على القوى العسكرية الكبرى. وقد وصفت وزارة الدفاع الأمريكية هذه الأنظمة بأنها تهديد عاجل ومستمر، مؤكدة ضرورة إدماج مكافحتها في العقيدة والتنظيم والتدريب والتسليح والقيادة والسياسات العسكرية، لا التعامل معها باعتبارها مشكلة تقنية منفصلة.
داخل القوات الخاصة، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا. فهذه القوات تعتمد عادة على صغر حجم التشكيل، والمفاجأة، والمرونة، وخفض البصمة البصرية والإلكترونية، والعمل في مناطق بعيدة أو معزولة، وأحيانًا وسط بيئات حضرية مكتظة. ظهور درون واحد فوق موقع فريق عمليات خاصة قد لا يعني وقوع هجوم مباشر، لكنه قد يكون كافيًا لكشف القوة وإفساد عنصر المفاجأة وإجبارها على تغيير خطتها. لذلك لم تعد مكافحة الدرونات وظيفة مساندة يمكن انتظار وصولها من وحدة دفاع جوي بعيدة، بل أصبحت جزءًا من متطلبات بقاء فريق القوات الخاصة نفسه.
لماذا تحتاج القوات الخاصة إلى وحدات متخصصة؟
تختلف احتياجات القوات الخاصة عن احتياجات الوحدات التقليدية. وحدات الدفاع الجوي الاعتيادية قد تعتمد على رادارات كبيرة، ومركبات ثقيلة، وشبكات قيادة وسيطرة مركزية، وأطقم متعددة. أما فريق القوات الخاصة فيحتاج إلى منظومات صغيرة، قابلة للنقل، قليلة الانبعاثات، سريعة الانتشار، وقادرة على العمل دون بنية تحتية كبيرة.
وتشير دراسات عسكرية أمريكية إلى أن تحميل وحدات الدفاع الجوي وحدها مسؤولية مكافحة الدرونات لم يعد واقعيًا؛ لأن التهديد أصبح موجودًا عند المستويات التكتيكية الدنيا، بينما لا تستطيع عناصر الدفاع الجوي المتخصصة تغطية كل مجموعة أو سرية أو فريق. كما أن بعض المنظومات الثقيلة لا تتوافق مع طبيعة الوحدات التي تعتمد على الحركة السريعة والمناورة والعمل في مناطق وعرة. ولهذا يبرز مفهوم «المسؤولية المشتركة»، بحيث يمتلك كل مستوى من مستويات القوة قدرًا مناسبًا من الوعي والتدريب والحماية، مع وجود فرق أكثر تخصصًا تتولى المهام المعقدة.
القضية إذن ليست إنشاء بطارية دفاع جوي مصغرة داخل القوات الخاصة، ولا تزويد أحد الأفراد بجهاز إلكتروني ثم اعتباره مسؤولًا عن كل ما يطير. المطلوب هو بناء قدرة مؤسسية تجمع بين الاستخبارات، والمراقبة، والحرب الإلكترونية، وإدارة المجال الجوي، والقيادة والسيطرة، والحماية السلبية، والاستجابة المناسبة للتهديد.
ما المقصود بوحدة مكافحة الدرونات؟
وحدة مكافحة الدرونات داخل القوات الخاصة هي تشكيل صغير ومتعدد التخصصات، مهمته حماية القوة من الأنظمة الجوية غير المأهولة، ودعم حرية الحركة والعمل في المجال الجوي القريب من الوحدة.
لا تبدأ مهمتها عند ظهور الدرون، بل قبل العملية نفسها. فهي تدرس طبيعة التهديد المتوقع، وأنواع الأنظمة التي قد يستخدمها الخصم، والبيئة الجغرافية والإلكترونية، وكثافة النشاط الجوي المدني والعسكري، ومدى اعتماد القوة الصديقة على دروناتها الخاصة. ثم تُنشئ صورة جوية محلية، وتحدد إجراءات الإنذار، وتنسق بين المستشعرات ووسائل الاستجابة، وتساعد القيادة على اتخاذ القرار.
ويتطلب هذا العمل دمج عدة وظائف:
أولًا، الاكتشاف والإنذار المبكر، من خلال جمع المعلومات من مستشعرات مختلفة وعدم الاعتماد على وسيلة واحدة.
ثانيًا، التعريف والتصنيف، أي التمييز بين الدرونات الصديقة والمعادية والمدنية، وبين التهديد الحقيقي والإنذار الكاذب.
ثالثًا، إدارة القرار، بحيث تعرف القيادة متى تتدخل، وبأي وسيلة، وتحت أي قواعد اشتباك.
رابعًا، الحماية السلبية، التي تشمل خفض قابلية الوحدة للرصد، وتقليل آثار اكتشافها، والمحافظة على قدرتها على مواصلة المهمة.
خامسًا، الاستجابة النشطة، باستخدام الوسيلة المناسبة وفق طبيعة التهديد والبيئة والقيود القانونية والمخاطر على القوات والمدنيين.
سادسًا، التحليل اللاحق للحوادث، لاستخلاص أنماط تشغيل الخصم وتحديث قواعد البيانات والتدريب.
طبيعة التهديد الذي تواجهه القوات الخاصة
لا توجد فئة واحدة يمكن تسميتها «تهديد الدرونات». فالتهديد يتدرج من طائرات تجارية صغيرة مخصصة للتصوير، إلى طائرات استطلاع معدلة، ومنصات سريعة يجري التحكم بها عن بُعد، وذخائر جوالة، وأنظمة أكثر استقلالية، ومجموعات من الدرونات تعمل بصورة متزامنة.
وقد تستخدم الدرونات للاستطلاع فقط، لكن أثرها قد يكون أخطر من الهجوم المباشر. فهي تستطيع كشف نقطة تجمع، أو طريق اقتراب، أو مركبة، أو هوائي اتصالات، ثم تمرير الموقع إلى وسيلة نيران أخرى. في هذه الحالة لا تكون الدرون هي السلاح الأساسي، بل جزءًا من سلسلة استشعار واتخاذ قرار واستهداف.
كما أن التطور التقني يقلل فعالية الحلول القائمة على وسيلة واحدة. بعض الأنظمة الحديثة لا تعتمد بالطريقة التقليدية على الاتصال اللاسلكي المستمر، ما يحد من أثر بعض إجراءات الحرب الإلكترونية. وقد سلط حلف شمال الأطلسي الضوء على الدرونات التي تستخدم وسائل تحكم لا تعتمد على الوصلات الراديوية المعتادة، معتبرًا أنها تحدٍ جديد يتطلب الجمع بين الرصد الراداري والبصري والحراري والصوتي بدل افتراض أن التشويش الإلكتروني سيحل المشكلة دائمًا.
إضافة إلى ذلك، تعمل القوات الخاصة غالبًا إلى جانب درونات صديقة تستخدمها للاستطلاع أو الاتصال أو تقييم الموقف. وهنا تظهر مشكلة التعارف والتمييز. إن إسقاط الدرون الخطأ أو تعطيل منصة صديقة قد يحرم الفريق من أهم مصادر معلوماته، أو يكشف موقعه، أو يؤدي إلى تضارب داخل المجال الجوي. ولذلك تُعد إدارة المجال الجوي المحلي جزءًا أساسيًا من مهمة وحدة مكافحة الدرونات.
النموذج التنظيمي الأنسب
هناك ثلاثة نماذج محتملة لتنظيم مكافحة الدرونات داخل القوات الخاصة.
النموذج الأول هو المركزية الكاملة، وفيه توجد وحدة متخصصة واحدة على مستوى قيادة القوات الخاصة، وتُلحَق بالوحدات عند الحاجة. يمتاز هذا النموذج بتركيز الخبرة والمعدات، لكنه قد يعاني من بطء الاستجابة وعدم توافر الفرق لجميع المهام في الوقت نفسه.
النموذج الثاني هو التوزيع الكامل، بحيث يمتلك كل فريق قوات خاصة أفراده ومعداته الخاصة. يحقق هذا النموذج سرعة الاستجابة، لكنه قد يؤدي إلى تشتيت الخبرة، وتفاوت التدريب، وزيادة العبء على فرق صغيرة لديها أصلًا مهام متعددة.
النموذج الأكثر واقعية هو النموذج الهجين متعدد المستويات.
على مستوى قيادة القوات الخاصة، ينبغي وجود مركز أو خلية دائمة تتولى العقيدة، وتقييم التهديدات، والتدريب، والاختبار، وتوحيد المواصفات، وإدارة قواعد البيانات، وربط القوات الخاصة بالدفاع الجوي والقوات الجوية والحرب الإلكترونية والاستخبارات.
وعلى مستوى الألوية أو المجموعات الخاصة، توجد فصيلة أو مفرزة متخصصة قابلة للانتشار، تمتلك القدرات الأوسع في الاستشعار والدمج والتحليل والقيادة والسيطرة والدعم الفني.
أما على مستوى السرايا والفرق، فيوجد أفراد مؤهلون لمراقبة المجال الجوي، وتشغيل معدات الحماية العضوية، وتنفيذ إجراءات الإنذار والحماية، والتنسيق مع المفرزة المتخصصة.
بهذا الأسلوب لا تتحول كل دورية إلى وحدة دفاع جوي، لكنها لا تبقى عاجزة في انتظار الدعم الخارجي. وفي الوقت نفسه لا تُستنزف الخبرات النادرة عبر توزيعها بصورة غير مدروسة.
وتظهر توجهات قيادة العمليات الخاصة الأمريكية اهتمامًا بقدرات مكافحة الدرونات الملائمة للمنصات والمهام الخاصة، بما في ذلك الحاجة إلى دمج الكشف والتتبع والتعريف والاستجابة داخل زوارق العمليات الخاصة، وهو مثال على أن الحل يجب أن يتكيف مع المنصة والبيئة، لا أن يكون منظومة موحدة لجميع الحالات.
تكوين الوحدة البشرية
تحتاج وحدة مكافحة الدرونات إلى مزيج من الخبرات، وليس إلى تخصص واحد. ففي قلبها توجد قيادة قادرة على فهم العملية الخاصة كاملة، وليس الجانب الجوي فقط. وإلى جانبها عناصر مختصة بدمج بيانات المستشعرات، والحرب الإلكترونية، والأنظمة غير المأهولة، والاستخبارات الفنية، وإدارة المجال الجوي، والصيانة، والاتصالات.
وجود مشغل درونات ذي خبرة داخل الوحدة مهم؛ لأن من يفهم كيف تعمل الدرونات وكيف يفكر مشغلوها يستطيع تفسير سلوكها بصورة أفضل. ولهذا بدأت بعض تشكيلات القوات الخاصة بتوسيع التدريب على تشغيل الدرونات وصيانتها وفهم بنيتها التقنية، بدل الفصل بين مستخدمي الدرونات ومكافحيها. ففي عام 2026 نفذت مجموعة القوات الخاصة العاشرة في الجيش الأمريكي دورة متقدمة هدفت إلى رفع الفهم التقني والتشغيلي للأنظمة الصغيرة وتعزيز قدرة الأفراد على صيانتها والعمل بها في البيئات الصعبة.
كما ناقشت دراسة منشورة في دورية عسكرية أمريكية عام 2026 ضرورة وجود خبرة الأنظمة غير المأهولة عند مستوى فرق القوات الخاصة، وأشارت إلى إنشاء دورة لدمج الأنظمة البعيدة وغير المأهولة في مركز ومدرسة جون كينيدي للحرب الخاصة. بدأت الدورة عام 2023، وتشمل التعامل مع الأنظمة غير المأهولة والعمل في البيئات المتأثرة بالحرب الإلكترونية ومبادئ مكافحتها، إلا أن الدراسة رأت أن عدد المتدربين السنوي لا يزال غير كافٍ لتعميم الخبرة على جميع الفرق.
هذا الاتجاه يعكس تحولًا مهمًا: خبير مكافحة الدرونات لا ينبغي أن يكون فنيًا منفصلًا عن العملية، بل عنصرًا يفهم الاستطلاع والمناورة والاتصالات والتمويه واحتياجات القوة الشريكة.
بنية تقنية متعددة الطبقات
لا توجد منظومة واحدة قادرة على اكتشاف جميع الدرونات في جميع البيئات. فالرادار قد يكون فعالًا ضد أهداف معينة، لكنه يواجه صعوبة في البيئات المزدحمة أو مع الأهداف الصغيرة والبطيئة. أنظمة رصد الترددات تحتاج إلى وجود إشارات يمكن اكتشافها، بينما قد تتأثر الكاميرات والوسائل الحرارية بالطقس والعوائق والتضاريس. أما المستشعرات الصوتية فتتراجع فعاليتها في المناطق الصاخبة.
ويصنف مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي وسائل الكشف الشائعة ضمن الرادار، ورصد الترددات، والمستشعرات البصرية والحرارية، والوسائل الصوتية. كما يؤكد أن إجراءات المواجهة قد تحمل آثارًا جانبية، وأن بعض وسائل الاعتراض قد تؤدي إلى سقوط الدرون أو حمولتها بصورة غير آمنة.
لهذا يجب أن تقوم وحدة مكافحة الدرونات على دمج المستشعرات. لا يُعامل إنذار منفرد بوصفه حقيقة نهائية، بل يُقارن ببيانات أخرى لتقليل الإنذارات الكاذبة وتحسين التصنيف. والهدف ليس امتلاك أكبر عدد ممكن من الأجهزة، بل إنتاج صورة جوية واحدة يستطيع القائد فهمها بسرعة.
وقد اختبر حلف شمال الأطلسي خلال تمرين تقني عام 2024 أكثر من ستين نظامًا وتقنية لمكافحة الدرونات، بمشاركة أكثر من أربعمائة وخمسين شخصًا من دول الحلف وشركائه. لم يكن التركيز على فعالية كل جهاز منفرد فحسب، بل على قدرة المستشعرات والأنظمة المختلفة على العمل معًا وتبادل البيانات ضمن بيئة متكاملة. وأكد الحلف أن مكافحة الدرونات ينبغي أن ترتبط بمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي الأوسع.
بالنسبة للقوات الخاصة، تزداد أهمية البنية المفتوحة؛ لأن الوحدة قد تعمل مرة في منطقة جبلية، ومرة في مدينة، ومرة من مركبة أو زورق. لذلك يجب أن تتمكن من تغيير مزيج المستشعرات ووسائل الاستجابة دون استبدال الشبكة كاملة.
إدارة البصمة الإلكترونية
إحدى المفارقات أن منظومة مكافحة الدرونات قد تحمي فريق القوات الخاصة، لكنها قد تكشفه في الوقت نفسه. فبعض المستشعرات أو وسائل الاتصال أو التشويش تصدر إشارات يمكن رصدها أو تحديد مصدرها. وإذا شُغّلت بصورة مستمرة وغير منضبطة، فقد تتحول إلى منارة إلكترونية تشير إلى موقع القوة.
بالتالي لا يتعلق نجاح الوحدة بقدرة الجهاز فقط، بل بإدارة الانبعاثات. متى يعمل المستشعر؟ ومتى يُستخدم الوضع السلبي؟ وكيف تُنقل بيانات الإنذار دون زيادة البصمة؟ وكيف تتكامل المنظومة مع خطة الاتصالات والتمويه؟ هذه أسئلة يجب أن تُحسم خلال التخطيط، لا بعد ظهور التهديد.
وينطبق الأمر نفسه على العبء المعرفي. إذا تلقى قائد الفريق عشرات التنبيهات غير المؤكدة، فلن تزيد المنظومة وعيه، بل ستزيد ارتباكه. لذلك ينبغي أن تقوم وحدة مكافحة الدرونات بترشيح البيانات وتقديم إنذار واضح يتضمن درجة الثقة وطبيعة الخطر، بدل إغراق القيادة بالمعلومات الخام.
التدريب أهم من الجهاز
قد تشتري قوة عسكرية منظومة متقدمة، لكنها تفشل في استخدامها لأنها لم تدمجها في إجراءاتها اليومية. مكافحة الدرونات تحتاج إلى تدريب جماعي، لا دورة قصيرة لمشغل واحد.
ينبغي أن تشمل التدريبات ظهور درونات صديقة ومعادية في المجال نفسه، والعمل في مناطق حضرية ومفتوحة، والتعامل مع الإنذارات الكاذبة، وانقطاع الاتصالات، وتغير التهديد أثناء المهمة. كما يجب تدريب قادة الفرق على فهم حدود المنظومة، حتى لا يعتقدوا أنها توفر «قبة حماية» كاملة.
ومن الضروري وجود فرق تدريب تمثل الخصم وتختبر الوحدة بأنماط مختلفة. الغرض ليس إثبات أن النظام يعمل في ظروف مثالية، بل اكتشاف نقاط فشله في ظروف واقعية. ويجب أن تُربط كل تجربة بعملية مراجعة تجمع البيانات، وتحدد زمن الاكتشاف والتصنيف واتخاذ القرار، ونسبة الإنذارات غير الصحيحة، ومدى استمرار عمل المنظومة خلال الحركة.
وفي مارس 2026 أطلق حلف شمال الأطلسي في لاتفيا أول حملة ضمن ميدان ابتكار مخصص لاختبار وتقييم والتحقق من تقنيات الأنظمة غير المأهولة ومكافحتها. يعكس ذلك إدراكًا بأن اعتماد الحلول لا يمكن أن يقوم على عروض الشركات وحدها، بل يحتاج إلى اختبارات ميدانية متكررة ومشاركة المستخدمين العملياتيين.
سباق التكيف السريع
الدرونات تختلف عن كثير من الأسلحة التقليدية في سرعة تطورها. قد يتغير برنامج التحكم أو أسلوب الاتصال أو شكل الهيكل خلال فترة قصيرة، بينما تحتاج برامج المشتريات العسكرية التقليدية إلى سنوات. وهذا يعني أن منظومة فعالة اليوم قد تفقد جزءًا مهمًا من فعاليتها بعد مدة محدودة.
أكدت استراتيجية الدفاع البريطانية للأنظمة غير المأهولة أن دورات التكيف في ميادين القتال أصبحت تقاس أحيانًا بالأسابيع، وأن بعض عمليات التطوير والدعم المرتبطة بالتجارب الميدانية تجري خلال أيام أو ساعات. لذلك دعت إلى تطوير تكراري سريع، وربط مباشر بين المستخدمين والصناعة، وإنشاء معماريات رقمية تسمح بالتكامل بين الأنظمة غير المأهولة ووسائل مكافحتها.
وتوصل مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي إلى أن بعض القدرات المحمولة لمكافحة الدرونات تتقادم بسرعة، ما دفع الجيش الأمريكي إلى اتباع دورات اختبار وشراء واستبدال متكررة بدل افتراض إمكانية الاحتفاظ بالنظام نفسه سنوات طويلة دون تحديث. كما أن بعض برامج مكافحة الدرونات الأمريكية بدأت استجابة لمتطلبات عاجلة صادرة عن مجتمع العمليات الخاصة، قبل تحويلها لاحقًا إلى برامج اقتناء رسمية.
وعليه، تحتاج وحدة مكافحة الدرونات إلى ميزانية تحديث مستمرة، وعقود مرنة، وحق الوصول إلى البيانات والواجهات البرمجية، وقدرة على استبدال مكوّن واحد دون التخلص من المنظومة كاملة. شراء صندوق مغلق من شركة واحدة قد يبدو حلًا سريعًا، لكنه قد يتحول إلى قيد مكلف عند تغير التهديد.
معضلة الكلفة
تتمثل إحدى المشكلات الأساسية في استخدام وسيلة مرتفعة الكلفة ضد درون رخيص. إذا استطاع الخصم إجبار القوة على استهلاك موارد باهظة في مواجهة أهداف منخفضة القيمة، فقد يحقق مكسبًا اقتصاديًا حتى عندما تفشل دروناته في الوصول إلى أهدافها.
وقد اعترفت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الأنظمة غير المأهولة بوجود فجوة بين انخفاض كلفة التهديد وارتفاع كلفة بعض وسائل مواجهته، وجعلت تقليل هذا الاختلال أحد أهدافها.
بالنسبة للقوات الخاصة، لا تُقاس الكلفة بالمال فقط. الوزن والمساحة والطاقة والذخائر ووقت الصيانة كلها موارد نادرة. لذلك يجب أن تمتلك الوحدة سلسلة استجابة متدرجة، تبدأ بالحماية والإنذار والإجراءات الأقل استنزافًا، ولا تنتقل إلى الوسائل الأعلى كلفة إلا عندما تبرر طبيعة التهديد ذلك.
القيود القانونية ومخاطر الأضرار الجانبية
مكافحة الدرونات ليست قرارًا تقنيًا محضًا. استخدام بعض الوسائل الإلكترونية قد يؤثر في اتصالات أو أنظمة قريبة، خصوصًا في المدن أو قرب المطارات والمنشآت المدنية. كما أن إسقاط جسم في منطقة مأهولة قد يؤدي إلى إصابات أو أضرار، حتى لو نجحت عملية الاعتراض نفسها.
ويشير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي إلى أن استخدام بعض تقنيات مكافحة الدرونات يخضع لقيود قانونية، وأن وسائل الاعتراض الحركية قد تنتج مخاطر بسبب سقوط الدرون أو انفجارها.
لذلك تحتاج وحدات القوات الخاصة إلى قواعد اشتباك واضحة، وربط مستمر مع إدارة المجال الجوي، وفهم للسلطات القانونية المتاحة في كل دولة أو مسرح عمليات. ولا يجوز افتراض أن التقنية المسموح باستخدامها في ساحة حرب مفتوحة يمكن تشغيلها بالطريقة نفسها أثناء حماية منشأة أو فعالية داخل دولة صديقة.
ماذا تحتاج القوات الخاصة العربية؟
الخطأ الأكثر احتمالًا هو اختزال المشروع في شراء أجهزة. امتلاك منظومة متقدمة لا يعني امتلاك قدرة متكاملة. القوات الخاصة العربية تحتاج أولًا إلى مفهوم عمليات واضح يجيب عن أسئلة التنظيم والقيادة والتنسيق والتدريب، ثم تأتي المعدات لخدمة هذا المفهوم.
ينبغي إنشاء مركز مختص بمكافحة الأنظمة غير المأهولة داخل قيادة العمليات الخاصة، مع ارتباط رسمي بالدفاع الجوي والقوات الجوية والاستخبارات والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني. يتولى المركز توحيد المصطلحات والعقيدة، وإدارة الاختبارات، وتطوير المناهج، وبناء قاعدة بيانات للتهديدات، وتقييم الأنظمة قبل شرائها.
كما تحتاج كل قوة إلى ميدان اختبار يسمح بتقييم الأنظمة في البيئة المحلية. فالمنظومة التي تنجح في مناخ معتدل قد تواجه تحديات مختلفة في الحرارة والغبار والرطوبة والسواحل والجبال والمدن المكتظة. ويجب ألا تكون الاختبارات عروضًا معدة سلفًا من الشركات، بل سيناريوهات تضع المنظومة تحت ضغط حقيقي وتقيس قدرتها على التكامل مع الاتصالات والقيادة والسيطرة.
ومن المهم تطوير الصناعة المحلية في المجالات الممكنة، خصوصًا البرمجيات، ودمج بيانات المستشعرات، والواجهات الرقمية، والمحاكاة، والصيانة، وتحليل الإشارات والبيانات. ليس ضروريًا تصنيع كل مكوّن محليًا، لكن الاعتماد الكامل على المورد الخارجي في التحديث والبرمجة يجعل القوة أبطأ من الخصم.
كذلك يجب إدخال مكافحة الدرونات ضمن تدريبات القوات الخاصة الأساسية. لا يحتاج كل فرد إلى أن يصبح مهندسًا، لكن جميع أفراد الفريق ينبغي أن يفهموا دلالات ظهور الدرون، وكيفية الإبلاغ، وكيف يؤثر التهديد في الحركة والاتصالات والتمركز. أما العناصر المتخصصة فتتلقى تدريبًا أعمق ومتكررًا، مع إعادة اعتماد دورية بسبب سرعة تغير التقنية.
ولا ينبغي نسخ تجربة دولة أخرى حرفيًا. الدروس المستفادة من أوكرانيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط مفيدة، لكنها ليست قالبًا جاهزًا. لكل دولة بيئتها القانونية والجغرافية والعملياتية ودرجة اعتمادها على الدرونات الصديقة. المطلوب هو استخلاص المبادئ، ثم بناء نموذج وطني يناسب المهمة والموارد.
وعليه فإن وحدات مكافحة الدرونات داخل القوات الخاصة ليست ترفًا تقنيًا، ولا نسخة مصغرة من وحدات الدفاع الجوي التقليدية. إنها قدرة مركبة لحماية القوة والمحافظة على حرية الحركة والمفاجأة والاتصال والوعي الميداني.
النموذج الأكثر فعالية هو نموذج هجين: مركز متخصص على مستوى قيادة القوات الخاصة، ومفارز قابلة للانتشار على مستوى التشكيلات، وأفراد مؤهلون داخل الفرق القتالية. ويجب أن تقوم هذه البنية على دمج المستشعرات، وإدارة المجال الجوي، والحرب الإلكترونية، والتحليل الاستخباري، والحماية السلبية، والاستجابة المتدرجة.
لكن التكنولوجيا وحدها لن تحسم النتيجة. التفوق الحقيقي سيكون للقوة الأسرع في التعلم، والأفضل في دمج البيانات، والأكثر مرونة في تحديث معداتها وعقيدتها. في بيئة تتطور فيها الدرونات خلال أسابيع، لا تستطيع وحدة مكافحة الدرونات أن تعمل بعقلية المشتريات والتدريب التي تتغير كل عدة سنوات. المطلوب دورة مستمرة من الرصد والاختبار والتعلم والتعديل.
والقاعدة النهائية بسيطة: عندما تصبح الدرونات جزءًا عضويًا من عمليات الخصم، يجب أن تصبح مكافحتها جزءًا عضويًا من تشكيل القوات الخاصة، لا خدمة إضافية تُطلب بعد بدء المهمة.
المراجع والمصادر
وزارة الدفاع الأمريكية، الاستراتيجية الجديدة لمواجهة آثار الأنظمة غير المأهولة، ديسمبر 2024.
قيادة العمليات الخاصة الأمريكية، متطلبات وقدرات مكافحة الدرونات للعمليات الخاصة البحرية.
Army University Press، الأنظمة غير المأهولة والقوات الخاصة البرية، 2026.
الجيش الأمريكي، تدريب متقدم للقبعات الخضراء على الأنظمة الجوية غير المأهولة، مارس 2026.
حلف شمال الأطلسي، تمرين التشغيل البيني لأنظمة مكافحة الدرونات، سبتمبر 2024.
قيادة التحول في حلف شمال الأطلسي، مواجهة الدرونات ذات وسائل التحكم غير التقليدية، 2025.
حلف شمال الأطلسي، ميدان الابتكار واختبارات تقنيات الدرونات ومكافحتها في لاتفيا، مارس 2026.
مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، تقنيات مكافحة الدرونات: الفرص والتحديات والمخاطر.
مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، تحديث قدرات الدفاع الجوي ومكافحة الأنظمة الجوية الصغيرة، 2025.
وزارة الدفاع البريطانية، استراتيجية الدفاع للأنظمة غير المأهولة، فبراير 2024.
تواصل معنا
للاستفسارات، يرجى التواصل معنا في أي وقت :
© 2025. All rights reserved.
